كيف يعيد سلاح إس 400 صياغة العلاقات الدولية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2يوليو/تموز 2019
القدس العربي
المؤلف: 

سيطر موضوع المنظومة الصاروخية الروسية للدفاع إس 400 على قمة العشرين في اليابان، التي جرت منذ أيام. واعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصعوبة هذا الملف في العلاقات الدولية، خاصة العلاقات الثنائية بين أنقرة وواشنطن. وعمليا، يحمل هذا الموضوع انعكاسات كبرى مستقبلا، بما فيها احتمال مغادرة تركيا منظمة شمال الحلف الأطلسي.

ومنذ سنتين، عندما أعلنت تركيا عن رغبتها في شراء إس 400، اعتبر معظم المراقبين الخبر بمثابة هراء، أو كذبة الفاتح من إبريل، لكن الأمر أخذ بعدا واقعيا عندما تقدم الرئيس طيب رجب أردوغان بطلب رسمي إلى موسكو، وكانت المفاجأة الكبرى هو رد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين بالإيجاب على الطلب التركي. ومع يوليو 2019، ستتوصل تركيا بهذه المنظومة التي ستصبح جاهزة في ظرف شهور محدودة.

وطيلة السنتين الماضيتين، رافق صفقة إس 400 جدل سياسي ودبلوماسي قوي، حيث مارست واشنطن سياسة الترغيب والترهيب على تركيا بسبب خطر إس 400 على السلاح الغربي، ومنها طائرة أف 35. فقد عرضت على الرئيس طيب رجب أردوغان منظومة باتريوت الأمريكية، وهي المنظومة التي كانت تتماطل في بيعها. ورفضت تركيا الباتريوت بسبب سعرها المرتفع جدا مقارنة بالسعر المناسب لصواريخ إس 400. بالإضافة إلى محدودية فعالية منظومة الباتريوت، بعدما أظهرت حرب اليمن صعوبة اعتراضها الصواريخ الباليستية التي يطلقها الحوثيون على الأراضي السعودية بين الحين والآخر. وأمام الرفض التركي، لاسيما بسبب دعم المؤسسة العسكرية التركية لموقف طيب رجب أردوغان، أقدمت واشنطن على منع أنقرة من اقتناء المقاتلة أف 35 رغم مشاركة تركيا في الأبحاث، وجزء من التمويل، بل وتصنيع بعض الأجزاء. ولا يمكن فصل الرسوم الجمركية المرتفعة التي أعلنها ترامب في الماضي على منتوجات تركية وضرب الليرة التركية بمعزل عن هذه الضغوطات.

وتحمل صفقة إس 400 التركية – الروسية علاوة على إس 400 في حد ذاتها، تطورات جيوسياسية كبيرة للغاية في العلاقات الدولية، خاصة في الشق المتعلق بالأسلحة. في هذا الصدد، يعني اقتناء تركيا إس 400 من روسيا وهي العضو في منظمة شمال الحلف الأطلسي خطوة نحو ما يتكهن به بعض المحللين ومراكز التفكير الاستراتيجي، وهو بداية الطلاق بين الغرب وتركيا. فقد أدركت تركيا أنها لن تحرز وضعا دوليا مرموقا في العلاقات الدولية، طالما بقيت تابعة بشكل مهين للغرب. ورغم أهميتها في الحلف الأطلسي، ترفض الولايات المتحدة بيعها أسلحة متطورة وتفويت التكنولوجيا العسكرية لها. بينما قبلت موسكو بتفويت التكنولوجيا العسكرية بما فيها إس 400 مستقبلا، منذ أول صفقة بين البلدين. وتفويت التكنولوجيا أصبح من الشروط التي رغب بعض الدول في فرضها حتى تشارك في صنع هذه الأسلحة وقطع الغيار مستقبلا.

في الوقت ذاته، لا يرغب الاتحاد الأوروبي في ضم تركيا إلى صفوفه، رغم إن هذا الحل يراودها منذ أربعين سنة، وتجاهل الاتحاد هذا البلد العضو في الحلف الأطلسي، بينما قبل دولا كانت في حلف وارسو وعدوة خلال الأمس القريب، قبل سقوط جدار برلين. وهذا ما يدفع بتركيا إلى تطوير علاقاتها مع روسيا والصين، لجعلهما الشريك الاقتصادي الأول بلد كتلة دول الغرب. ويوجد قلق وسط الأوروبيين أكثر بكثير من الأمريكيين، فقد قررت واشنطن إن الثقل السياسي والاقتصادي بدأ ينتقل إلى المحيط الهادي. وعليه، تغيير تركيا لسياستها الخارجية بالميل لروسيا قد لا يؤثر على الولايات المتحدة كثيرا. وإلى جانب الملف التركي، تمارس الولايات المتحدة ضغوطات كبيرة على مختلف الدول التي أعلنت نيتها شراء منظومة الصواريخ الروسية إس 400، بما فيها دولة عملاقة مثل الهند، التي اعتادت اقتناء السلاح الروسي. وترغب نيودلهي في توقيع الصفقة مع موسكو وتأديتها باليورو لتفادي العقوبات الأمريكية. وتهدف الولايات المتحدة من قرارات مثل هذه إلى الحيلولة دون انتشار إس 400 في العالم. وفي حالة الانتشار، يعني وفق المحللين العسكريين تحجيم دور الولايات المتحدة عسكريا، إذ سيكون من الصعب مهاجمة واشنطن، أي دولة مستقبلا إذا كانت تمتلك هذه المنظومة الدفاعية الصاروخية. ومن ضمن الأمثلة البارزة، تفادي البنتاغون مهاجمة فنزويلا بسبب امتلاك هذا البلد لمنظومة إس 300 وليس فقط إس 400. وهذا السيناريو يتكرر مع إيران، التي أسقطت طائرة أمريكية مسيرة متخصصة في الاستطلاع والتجسس غلوبال هاوك، وتتردد واشنطن في الرد، علما أن إيران استعملت منظومة محلية مستوحاة من السلاح الروسي.

وفي نقطة أخرى تتعلق بالجانب العسكري، انتشار إس 400 يعني ضربة قوية للصناعة العسكرية الأمريكية، سيحمل تراجع مبيعات المقاتلات الأمريكية خاصة طائرات أف 15 وأف 16 التي يرغب البنتاغون التخلص منها، وهذا سيمتد إلى مقاتلات أخرى مستقبلا. فالكثير من الدول يتبنى عقيدة الدفاع وليس الهجوم، وهنا ستفضل التركيز على تحصين نفسها بمنظومات دفاع متطورة بدل منظومات هجوم متطورة. لم يسبق في تاريخ الأسلحة التقليدية أن أثار سلاح جدلا دوليا وانقساما مثلما يحصل الآن مع منظومة الصواريخ الدفاعية إس 400، وذلك لتأثيراته السياسية والعسكرية، والخاسر الأكبر هو الولايات المتحدة والفائز هو روسيا. فهل سترد واشنطن باستراتيجية جديدة في مبيعات الأسلحة للحفاظ على الحلفاء؟