كي لا تسرق ثورة الشام

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10/8/2015
العرب القطرية

عنوان قد يبدو تشاؤمياً ليس من خاصيتي ولا من طبعي، ولكنه في الحقيقة والواقع عنوان تحذيري، في ظل اقتراب النصر الشامي بإذن الله والتحضير له، هذا النصر الوشيك الذي أتحدث عنه تظهر مقدماته على الأرض عسكرياً وسياسياً، فعسكرياً نرى الانهيارات الضخمة لقوات النظام باتجاه عصبة في الساحل السوري إثر سقوط مراكز ومعاقل مهمة في سهل الغاب، ووقوع مقتلة كبيرة في صفوف العصابة البرميلية ورموزها، رافقه الصمود الأسطوري في الزبداني، حيث لم يتوقع حسن نصر الله ولا غيره هذا الصمود رغم كل آلة التدمير الإيرانية الرهيبة التي أوهمت بعضنا على أنها موجهة لإسرائيل، يضاف إليه الإثخان العسكري الكبير في داريا بحق قوات النخبة الأسدية، وما كشفته تحركات الثوار في درعا من تداعي النظام ومواقعه قبل أن يفرض القرار الإقليمي والدولي بوقف المعركة فجأة كون العالم لم يتحضر بعد لمرحلة ما بعد الطاغية.

ترافق هذا مع تحركات سياسية ودبلوماسية تسعى إلى لملمة الوضع قبل أن تفاجئ بكابوس يهدد قوى دولية وإقليمية من وصول الثوار والمجاهدين إلى قصر المهاجرين والساحل معقل العصابة البرميلية، فكان التحرك الروسي والإيراني، فقد فشلت طهران على ما يبدو في تسويق فكرتها بتقسيم سوريا، وبقدر عجزها عن فرضها واقع على الأرض فشلت على ما يبدو سياسياً، نظراً لحساسية روسيا من أي تقسيم بسبب الشيشان.

يخرج علينا الرئيس الأميركي باراك أوباما ليبشرنا أن ثمة بارقة أمل برحيل الأسد بعد أن أدركت كل من روسيا وإيران قرب نهاية الدولة السورية بحسب قوله!، وهو قول لا يشابهه إلا ما كان يردده الملك الفرنسي لويس أنا الدولة والدولة أنا، فالدولة ومؤسساتها بالنسبة لأوباما وصحبه هي النظام الأسدي، والأخير هو الدولة، ورحيله يعني سقوط مؤسساتها التي لم يكن لها وظيفة على مدى عقود إلا قهر وقتل وسحل الشعب السوري، أما أن تدمر كل تجليات الدولة ومؤسساتها من مشافي ومساجد ومدارس وبنى تحتية ومبان حكومية فهذا إنجاز لمؤسسات الدولة العسكرية والاستخباراتية الأسدية التي يسعى هؤلاء للحفاظ عليها.

هذه المقدمة ضرورية لفهم الواجب على الثورة وأنصارها العمل من أجل مواجهة مخططات المتربصين بنا والرد عليها، كي لا نقول يوماً إن ثورة المليون شهيد وعشرة ملايين مشرد ضاعت لا سمح الله ولا قدر.
أتذكر حين كنا في القرية، فما أن يوشك موسم الحصاد حتى ترى كل ملاكي الأراضي يبدؤون بالتجهيز لحصاد محصولهم، من خلال حشد العمال لحصد الموسم، عبر التعاون مع الأقارب أو بكراية بعض الأشخاص كي تتم العملية بسهولة وفي وقتها المحدد، فأي تأخير أو تهاون يعني ضياع الموسم وضياع جهد عام كامل، فما بالكم بجهد دماء وتشريد ودمار وضياع أجيال، كما يحدث في هذه الثورة العظيمة!.

هنا يتحتم على القوى الجهادية والثورية أن تتداعى وعلى وجه السرعة قبل أن يتداعى وقد تداعى بالفعل المتربصون بالثورة على تباين أفكارهم ومشاربهم يجمعهم براجماتية رهيبة لا حدود لها، همها حرمان الثورة من تحقيق كل مآربها وفرض حل سياسي قبل أن تفرض حلاً عسكرياً يستلزم فرض رؤيتها وتصورها لسوريا المقبلة.
وباعتقادي المتواضع ثمة خطوات مهمة على الثورة والثوار أن يخطوها بكل ثقة واقتدار فالوقت هنا من دم، وكذلك هدره يعني كلفة مستقبلية رهيبة بخسارة سوريا التي انتفض من أجلها شعبها وخسروا كل ما هو معلوم ومكتوم ومجهول.

1- وقف لغة التخوين والاتهامات بحق القوى الثورية والجهادية بشكل عام، فجيش الإسلام مثلاً وليس حصراً الذي يشن بحقه حملة ظالمة هذه الأيام لا بد أن تتوقف وهو الذي يرابط على جبهات أعرف تماماً خطورتها وحساسيتها من جوبر إلى الريف الدمشقي وحرستا وغيرها، في ظل عقوبات وحصار لم يسبق له مثيل بالتاريخ، بالمقابل على جيش الإسلام أن يتواضع قليلاً أمام إخوانه.

2- التركيز على المشروع المحلي السوري وعدم التشدق بلغة خشبية لا معنى لها إلا أنها تحمل الأمة أكلافاً رهيبة دون أن تحقق للمتشدقين بهذه اللغة والخطاب إلا استعداء العالم كله، وانفضاض حتى الحاضنة الاجتماعية عنهم، وقد رأوا عاقبة أمرهم خسراً في سابق الأزمان وغابر الأيام، فلا يوجد مشروع في العالم بدأ كبيراً، فكل المشاريع بدأت صغيرة لتتطور بحسب القدرات والإمكانات و.. و.. و..

3- تواضع الثوار لبعضهم بعضاً، وعدم السعي إلى فرض رؤية جهة ما على الثورة كلها، وإنما لا بد من خفض الجناح للمؤمنين، وعدم التعالي عليهم، وبقدر طرح مشروع يكسب الغير ويقنع الحاضنة الاجتماعية بأنه مشروعها وليس مشروعاً حزبياً فصائلياً، فلن يكتب له النجاح مهما كان جميلاً لصاحبه، فمن يبحث عن حاضنة اجتماعية وهو أبعد ما يكون عن احتضان إخوانه في الثورة، ومن يبحث عن حاضنة وهو يرضخ لضغوط دولية ومحلية ولا يرضخ لإخوانه، فهذا ومشروعه إلى هباء وضياع، وكما قال ابن خلدون المرء يوزن بقوله ويقوم بفعله، فالنجاح والفشل يتوارثان تماما، كما ورد عن النبي عليه السلام: «الود يتوارث». وأساس الود والنجاح هو التواضع.
ملأى السنابل تنحني بتواضع***والفارغات رؤوسهن شوامخ

4- التحرك السياسي الدولي صوب الحل السوري لا بد أن يواجه بتحرك جهادي ثوري على الأرض وبوتيرة سريعة جداً تسبق التحرك الدولي وتفرض وقائع عسكرية وسياسية، وتقدم مشروعاً وطنياً بامتياز للشعب يدعمه المثقفون والخبراء والعلماء على الأرض بقدر ما يدعمه السياسيون والعسكريون، وإلا فإن الشعب والأجيال لن ترحم هذه الجماعات التي أثخنت عسكرياً في العدو المجرم الصائل وعجزت عن أن تثخن فيه سياسياً.
ألا وإن وقت الحصاد قد حان، والتأخر والتلكؤ في حصد الموسم بوقته، لا يماثله حمق وخرق.. فما الفائدة من الزرع والتعب والنصب وأنت غائب عن غلالك، بل وتاركها لعدوك أن يجمعها، فكيف بحصاد ثمار دماء مليون شهيد وعشرات الملايين من المشردين ودمار كل مناطقك وبناك التحتية، أيتها الفصائل ارحموا هذا الشعب وتذكروا أن التاريخ لا يتحدث عن جرائم العدو بقدر حديثه عن جرائم الفصائل التي أضاعت ثورات تاريخية، وكما قال الفيلسوف الفرنسي توكفيل: «الثورات كالروايات أصعب ما فيها نهاياتها»، فالحذر الحذر أن نكون ممن يشملهم، فرب زارع لنفسه حاصد لسواه.

 

تعليقات