كي ينتصر الربيع العربي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/5/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

على الرغم من كل ما قيل عن فشل الربيع العربي أو نجاحه، فإنه صار واضحاً أننا نقترب، بعد "عاصفة الحزم" من لحظة الحقيقة، في كل ما يتصل بمساره ومآله، وأن وقائعه التي تراكمت في الأعوام الماضية أخذت تفصح عن تنوع مضامينها، وعمق هويتها، والنتائج المتشعبة والمفعمة بالفرص والمخاطر التي تترتب اليوم عليها.

وبغض النظر عن أي رأي أو اجتهاد، فإن هناك أسبابا استدعت الربيع العربي، نضجت طوال قرابة نصف قرن، إلا أنها لم تقابل بغير التجاهل من خصومه الذين لم يروا في انفجاره غير انفلات جماهيري غير منضبط، تسيره غرائزها، كشف بتخبطه وفوضاه ظهر الأمة، ودفع جيرانها والعالم إلى التطاول عليها، واختراق مجتمعاتها، وقادها إلى ما وصلت إليه من هلاك، حتى ليمكن فصل تاريخ العرب إلى قسمين، أحدهما عظيم سبق الربيع، وآخر كارثي، فوضوي وتآمري تلاه، نرزح اليوم تحت وطأة بلاياه.

سواء كان تشخيص هؤلاء الخصوم صحيحاً، أو لم يكن، من الثابت أن "الربيع" وقع في لحظة اتسمت بالحاجة إلى تغييرٍ، يخرجنا من ركود سياسي، أعجزنا عن مواجهة تحديات جسيمة تعرضنا لها، عبرت عن نفسها خلال قرابة نصف قرن، في عجز النخب العربية الحاكمة عن الاستجابة لحاجات بلدانها، وكذلك عجزها عن إدارتها بالطرق المعتمدة من قبلها، ورغبة مواطنيها في مبارحة أوضاع همشتهم، وفرضت عليهم بالقوة والقمع، نمت لديهم الحاجة إلى إصلاح يلبي طموحاتهم، يبدل تصرفات نخبهم الحاكمة وعلاقاتها معهم، ويقربهم من الديمقراطية، النظام الذي طالب به، لأول مرة في تاريخهم، قطاع واسع منهم، تجمع في كتلتين كبيرتين، مدنية حديثة وأخرى أهلية تقليدية، انضوى فيهما جمع هائل من سكان المدن والأرياف، أنزله الربيع العربي إلى الشارع، مطالباً بما كان أستاذي، إلياس مرقص، يسميه "إصلاحاً أكبر من ثورة"، حيث تظاهر سلمياً، وأبدى انضباطاً لافتاً، على الرغم مما مورس عليه من عنف وقتل جماعي في بلادنا، سورية التي تحولت ساحة اختبار لردود الأفعال الرسمية عليه، المحلية منها والإقليمية والدولية.

لم يحقق الربيع العربي أهدافه المعلنة: الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. أما الأسباب فكثيرة، منها ما واجهه جمهوره من سياسات تحدت وعيه، وافتقاره، كحراك مجتمعي واسع وعفوي، إلى قيادة سياسية موحدة، وتحظى بشرعية عامة وقبول وطني، وما وجد نفسه فيه من حروب شنتها عليه نظم شمولية مسلحة حتى الأنياب، وضعته أمام خيارين: الرضوخ لها، مع ما يحمله من مخاطر عليه، أو امتشاق السلاح، والتخلي عن النضال السلمي والمدني، وإضعاف وحدته وزخمه الوطني الموحد، واختراقه بقوى متعسكرة، متشددة ومتطرفة، ترفض خياره الحر والديمقراطي، وتتبع نهجاً مذهبياً يلاقي سياسات النظام الطائفية في ميلها إلى تحويل الثورة من مشروع تاريخي، رهانه الإنسان والمواطن الحر، إلى اقتتال بين أغلبية وأقلية طائفيتين، بينهما أقليات مذعورة.

بانتشار العنف والعنف المضاد، وسيادة الطائفية والمذهبية، وانغمار الثورة بصورة متزايدة تحت فيض من صراعات محلية، وتصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية شديدة التعقيد والتشعب، بدا الربيع العربي وكأنه انقلب إلى شتاء قارس، وصار من الشائع القول إن شعوبه ضلت طريقها إلى البديل الذي تنشده، ودخلت وأدخلت أوطانها في فوضى لا سيطرة لأحد عليها، بينما بقيت النظم في أماكنها، أو جددت نفسها، بعد أن أطيح عدد من قادتها ورموزها، ضمن إهاب خارجي اختلف عن إهابها السابق، حفظ هويتها القديمة ووظيفتها المعادية لشعوبها، ووسع سلطويتها، وحررها من نقاط ضعف عديدة، وأعاد هيكلة الحياة السياسية، عبر تشكيل علاقات قوى جديدة أمنية الطابع. وتثبت هذه النتيجة أن الربيع العربي فشل وانهار، وأن الشعوب التي خاضت غماره ندمت، وتقبل الرجوع إلى الأوضاع السابقة له، لأنها لم تنل منه غير خسارات جسيمة، طاولت دماءها ووحدتها وأوطانها.

بعد ما شاع عن طي صفحة الربيع العربي، بما هو حراك شعبي طالب بالإصلاح والتغيير الشاملين، يبدو وكأننا نستعيده اليوم، ولكن من مدخل مختلف، رسمي هذه المرة، تطرحه "عاصفة الحزم" احتمالاً، باعتبارها فعلاً يتصل سؤاله الجوهري بقدرة نظم العرب على خوض حرب ظافرة، في ظل أوضاعها الراهنة، المرفوضة من شعب يدعم "العاصفة"، طالب بها أو بما يماثلها في ربيعه، عندما طالب بالتصدي للاختراقات الخارجية، وبوقف التهافت العربي، الوطني والقومي، عبر استراتيجية تغيير تطاولهما، تبدو، اليوم، وكأنها سترتبط بحاجة نظم "العاصفة" إلى كسب مواجهة من الصعب، وربما المحال، كسبها، إن بقيت أوضاع وعلاقات القوى العربية/ الإقليمية الراهنة على حالها، وواصلت كبح قدرة دول الخليج على إنجاز ما قد تمس حاجتها إليه من تعبئة وطنية، تطاول القوى المجتمعية الضرورية، لكسب معاركها، ويحتم حشدها وتفعيلها إجراء إصلاح يبدل أوضاعها، وبالتحديد منها علاقات النظم بشعوبها، ليحقق ما كان ربيع الشعوب العربية يهتف له في الشوارع: إصلاح يعني التغيير، ومشاركة تعني الديمقراطية.

بدت "عاصفة الحزم" وكأنها تحمل فرصا لاستعادة أجواء الربيع العربي ورهاناته. ولكن، من فوق: على مستوى رسمي، كان قد فشل في منع النظام السوري عن قمع الربيع وكسره تحت: على مستوى المجتمع. فهل نحن إزاء ما كان هيغل يسميه "مكر التاريخ، أم إزاء ذلك الفيلسوف الذي قال إن كل ثورة تكره النظام الذي قمعها على تحقيق بعض مطالبها، وإن بصورة مغايرة للصورة التي طالبت بها؟

هل حقا فشل الربيع العربي، إذا كان يضعنا أمام خيار التغيير والقبول بالمشاركة أو الهزيمة، التي لن تكون، من الآن فصاعداً، غير هزيمة الرسمية العربية الشاملة أمام إيران، عدوها الخارجي، ولا مبالغة في القول إن سبب هزيمة ربيعها سيرجع إلى هزيمة ربيع الشعوب العربية أمام عدوها الداخلي، وأن هذه الهزيمة المزدوجة ستحدث انهيارات عربية عامة، ستكمل انهيار المشرق.

بالتأييد الشعبي لـ "عاصفة الحزم"، كفعل مفتوح على منطويات تاريخية محتملة، محكوم بالدفاع عن الوجود الوطني والقومي العام، وبحاجة النظم الملحة إلى التغيير، يتخلق، اليوم، توافق مضمر، ولا سابقة له بين طرفي المعادلة الداخلية، الحكام والمحكومين، يمكن العمل على تحويله إلى واقع تاريخي جديد بجهودهما المشتركة، ينهي ما بينهما من قطيعة، ويحقق ضروباً من الإصلاح والمشاركة، تصد الأخطار وتصون الأوطان، ليس من أهدافها إسقاط النظم، بل تحديثها وتعزيز دورها في الربيع العربي من موقعها الجديد، القائم على مصالحة وطنية، تندرج في سياق قومي، تكتسب شرعيتها من انسجام مكونات الدولة الوطنية، ووقوف إرادة شعبية حقيقية وراءها، في كل مكان وموقع من أرض العرب.

كي لا تنقلب "عاصفة الحزم" إلى زوبعة في فنجان، من الضروري الاستجابة لما طالب الربيع السوري به من إصلاح توافقي شامل، يحققه من أطلقوا "عاصفة الحزم" ضد عدو يريد اقتلاعهم من مواقعهم، مستغلاً ومستثمراً نقاط ضعفهم التي إن تخلصوا منها طوعياً هزموه بالضربة القاضية. هل هذا حلم؟ إنه أمنية تريد تحذيرنا من الكوابيس التي أتتنا بها عواصف الربيع العربي التي نعيشها، ونأمل ألا تأتينا بما يفوقها "عاصفة الحزم" أيضاً.

تعليقات