لا مناص من حرب أخرى... على روسيا وإيران!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/9/2014
الحياة
المؤلف: 

سيكون على التحالف الدولي - العربي للحرب على ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أن يشن حرباً أخرى موازية، سياسية وديبلوماسية ومالية واقتصادية، ضد روسيا وإيران ونظام بشار الأسد في سورية، كي ينجح في اجتثاث هذا التنظيم وإنهاء خطره على المنطقة والعالم. سيكون ذلك مطلوباً، وربما ضرورياً، ليس فقط لأن الأطراف الثلاثة تعارض التحالف أولاً وتقف تالياً ضد الحرب على «داعش»، انما لأنها تتحمل مسؤولية خاصة عن نشوء هذا التنظيم في الأساس ثم عن تمكينه، عفواً أو بقرار عن سابق تصور وتصميم، من احتلال ما يربو على ثلث الأراضي السورية والعراقية فضلاً عن إقامة «الخلافة» فيها.

أكثر من ذلك، فقد تذكرت موسكو وطهران ودمشق فجأة، وفقط بعد إعلان قيام التحالف، ما تسميه «سيادة الدول» وضرورة احترامها إذا ما رأت دول أخرى (هي هنا تحالف من أربعين دولة) توجيه ضربات عسكرية لمواقع إرهابية، بل ولـ «دولة» إرهابية كاملة الصفات، مقامة على أراضي دولتين اثنتين تجاهلاً لتلك «السيادة» وتنكراً لها وغصباً عنها.

قبل إعلان قيام التحالف، لم تكن العواصم الثلاث معنية لا من قريب ولا من بعيد، بـ «سيادة» دولة سورية أو «سيادة» دولة العراق، على رغم احتلال أجزاء من أراضيهما وإعلان «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عليهما، بينما كان الثلاثي لا يدعم سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً ومالياً فقط، بل «يقاتل» على الأرض، وعلى مدى سنوات، دفاعاً عن النظامين في بغداد ودمشق.

لكن الدول الثلاث لا تنكر، علناً على الأقل، أن «داعش» و»جبهة النصرة» تنظيمان إرهابيان، وأن خطرهما لا يقف عند حدود العراق وسورية بل يتجاوزهما إلى روسيا وإيران وبقية دول المنطقة والعالم. وقد عبرت عن موقفها هذا علناً، حتى وهي تعلن رفضها قيام التحالف والحرب التي يتجه لشنها على التنظيمين. ولا تقول الدول الثلاث بذلك سوى واحد من اثنين: إما أنها هي نفسها دول إرهابية، وإن يكن من نوع آخر لا يتغطى بالإسلام كما هي حال «داعش» و»النصرة»، أو أنها تريد أن تستخدم ارهاب التنظيمين (كما فعلت حتى الآن) لتبرير بقاء النظامين في بغداد ودمشق... وحتى أن تستغل التحالف وحربه على الإرهاب لهذه الغاية. أو ليس هذا هو المعنى الحقيقي لمطالبة الدول الثلاث باشتراك النظام السوري في التحالف، أو أقله التنسيق معه، وترحيبها في الوقت ذاته بدعوة النظام العراقي (أيام حكومة نوري المالكي) الولايات المتحدة لمساعدته على التخلص من «داعش» وإنهاء احتلاله أجزاء من العراق؟.

واقع الحال أن «لعبة الدول» هذه لا تقف عند هذا الحد. فلم يعد من قبيل التخمين أن روسيا وإيران وسورية عملت، منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، على انشاء ما كانت تسميه «المقاومة للاحتلال الأميركي» وتزويدها المال والسلاح والمقاتلين من الداخل والخارج. كانت حدود العراق البرية مع ايران وسورية مفتوحة عن آخرها لدخول المسلحين من «القاعدة» وأخواتها، بينما كانت أجواء الدول الثلاث تعج بالطائرات الروسية ناقلة الأسلحة والأعتدة لقوات النظامين ولـ «المقاومين» في وقت واحد. في تلك الفترة ولد ما يسمى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» (أضيفت اليه لاحقاً الشام ليصبح «داعش») كما أنشئت فصائل «أبو الفضل العباس» و»عصائب الحق» و»جيش المهدي» الخ... تجسيداً لمقاومة الاحتلال الأميركي من ناحية، وتساوقاً بعد ذلك مع ما بدأ نظام الأسد يردده عن «الحرب الكونية» ضد سورية من ناحية ثانية.

وعملياً، تحت هذا العنوان نجحت روسيا وإيران في إقامة نظام حكم - «ألعوبة» في يدهما في كل من دمشق وبغداد... نظام هزيل بحيث يدرك بالملموس أن بقاءه رهن الدعم الذي يحظى به منهما، وطيّع بشكل غير مسبوق في العلاقات بين الدول (مثال تخلي الأسد عن السلاح الكيماوي بأمر من موسكو وتخلي المالكي عن الحكم بأمر من طهران).

وفي سياقه، يصعب تخيل القبول بتغير هذا الوضع المثالي بالنسبة إلى من يحلم بلقب «إمبراطور» في الاتحاد الروسي، ولا كذلك بالنسبة إلى من يعتبر نفسه في إيران «الولي الفقيه» على كل من ينتمي إلى الطائفة الشيعية في العالم. ومن أجله، ستحاول الدولتان بكل ما أوتيتا من قوة ونفوذ إبقاء الوضع على حاله، حتى لو كانت نتيجة محاولتهما تكريس سلطة «داعش» على أجزاء من العراق وسورية، وتالياً تقسيم البلدين بينه وبين النظام - «الألعوبة» في كل منهما.

موقف الدولتين من التحالف، ثم من الحرب على «داعش» نفسها، لا يفيد بغير هذا الاحتمال وإن لم تكن أي منهما تشير إليه إلا تلميحاً في هذه المرحلة. وليست موافقتهما على العمليات العسكرية في العراق ومطالبتهما بإشراك نظام الأسد فيها في سورية، ودائماً تحت شعار رفض التحالف والتحفظ على الحرب، سوى الغشاوة التي تغطيان بها وجهيهما وما تضمرانه لمستقبل هذين البلدين: تجيير الحرب على «داعش» لمصلحة بقاء النظامين، وليس أي شيء آخر.

هل يمكن تصور أن يكون مآل من هذا النوع هو غاية الحرب على «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في المنطقة؟.

إذا كان للحرب على «داعش» أن تنجح، ليس في ضرب هذا التنظيم فقط، إنما في اجتثاث الإرهاب في العراق وسورية والمنطقة كلها، فلا بد من أن ترافقها حرب أخرى موازية... سياسية واقتصادية ومالية، على النظامين الحاكمين في روسيا وإيران.

ويبدو أنه قد لا تكفي في هذا المجال، لا العقوبات الحالية المتصلة بالوضع في أوكرانيا، ولا حتى الشروط المفروضة حول الملف النووي الإيراني.