لبنان والعراق.. تمايز في الخصوصية واشتراك في العلّة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد

ما يحدث في لبنان والعراق يلتقي في جوانب عديدة مع ما حدث ويحدث في جملة من الدول العربية، فهناك نقمة شعبية عارمة على الفساد الذي أوصل البلاد إلى حافة الإفلاس، على الرغم من الموارد والإمكانات الحيوية التي تمتلكها، والتي كان من شأنها، في حال وجود إدارة وطنية نزيهة حكيمة، أن تساعد شعوب تلك البلدان على النهوض، وإنجاز مشاريع تنموية نوعية، تضمن مستقبلاً كريماً لشعوبها وأجيالها المقبلة، فالفساد الشمولي الفاقع يلتهم كل شيء، ويمارس النخر في الاقتصاد الوطني، بل يحوّل موارد الدولة، وأرزاق الناس، إلى مزارع خاصة، تتقاسمها مراكز القوى ضمن الأنظمة الحاكمة التي تمارس الاستبداد بكل أشكاله لقمع الناس، ومنعهم من المطالبة بالمساءلة والمحاسبة. وغالباً ما كانت، وتكون، شعارات محاربة الإرهاب، ومقاومة الخطر الإسرائيلي، أو شعارات التحرير الوهمي هي من بين الأدوات التي تعتمدها تلك الأنظمة لتضليل الناس، والحيلولة بينهم وبين المطالبة بحقهم الشرعي في الحياة الحرّة الكريمة.

ولكن ما يميز مجريات الأمور في كل من العراق ولبنان، عمّا جرى في الدول العربية الأخرى، هو التحكّم الإيراني في مفاصل الدولة في البلدين. وذلك عبر الوكلاء المحليين الذين يصرحون علناً، ويثبتون يومياً أنهم يلتزمون بأوامر نظام ولي الفقيه الإيراني، ويتحرّكون بموجب ما يكلفون به من أدوار، فليس سراً أن الدولة في لبنان باتت مجرد ظل لسلطة حزب الله، فهو الذي أتى برئيس الجمهورية، وهو الذي جعل من رئيس الوزراء واجهة تزيينة ليس إلا لحكومةٍ كان الجميع يعلم منذ اليوم الأول بأنها لن تكون قادرة على اتخاذ أي قرار من دون موافقة حزب الله؛ هذا على الرغم من حاجة الأخير إلى التستّر بحكومةٍ رسميةٍ معترف بها دولياً، تساعده على تجاوز التصنيفات الدولية له في موضوعات الإرهاب، وتخفف من عبء العقوبات الاقتصادية المفروضة على منظمّاته وقياداته، واقتصاده الموازي المشبوه.

الوضع في العراق مختلف بعض الشيء، على الرغم من تقاطعه في جوانب كثيرة مع الحالة اللبنانية. ففي العراق، هناك أحزاب كبيرة عديدة متنافسة، ولو في الحدود الدنيا، تمثل الوضعية الشيعية في العراق، هذا على الرغم من وجود اعتقاد، وربما دلالات، بأن هذه الأحزاب تتوافق، في نهاية المطاف، على ما يُلزمه بها الجانب الإيراني المتغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع العراقيين. كما توجد الأحزاب الكردية الكبيرة المؤثرة التي يمكنها أن تغيّر الموازين من خلال تحالفاتها مع مختلف الأحزاب الشيعية، والكتل الأخرى التي تطرح برامج وطنية عراقية.

ولكن الأمر الآخر الذي ينبغي ألا يغيب عن البال والحسابات، هو الوجود الأميركي العسكري في العراق، والتأثير السياسي والدبلوماسي، فالتوافق على أسماء الرئاسات الثلاث، وشكل الحكومة، وأسماء أعضائها، غالباً ما يكون حصيلة تفاهمات أميركية ــ إيرانية، تأتي في مصلحة الجانب الإيراني في معظم الأحيان لأسباب عدة. ولكن التأثير الأميركي يظل موجوداً، فاعلا وقت اللزوم. بينما الحال في لبنان مغاير بعض الشيء، إذ تبدو الأمور وكأن الملف قد سُلّم إلى إيران عبر حزب الله، خصوصا في مناخات تراجع الدور العربي، وعدم قدرته على التأثير في مجريات الأمور بصورة ملموسة، سواء في لبنان أم في العراق.
والأمر الآخر الذي لا يُخفى على أحد أن النظام الإيراني قد تمكّن من استغلال المظلومية الشيعية في مختلف دول المنطقة، واستثمر فيها في غياب الاهتمام من الدول المعنية بمطالب الشيعة ومعاناتهم؛ هذا إلى جانب السياسات التمييزية التي كانوا يتعرّضون لها لأسباب كثيرة؛ وكل ذلك أضعف الشيعية الوطنية، إذا صحّ التعبير، ودفع أوساطا شيعية واسعة نحو التفاعل مع المشروع الأيديولوجي الإيراني الذي يقوم على المزج بين المذهبي والسياسي، لغايات تجييشية، تُوظف لصالح المشروع التوسعي الإيراني. ففي مناخات إخفاق المشروع القومي الذي تبنّته غالبية الدول العربية منذ أواسط القرن المنصرم، خصوصا الدول التي خضعت للأنظمة العسكرية "الثوروية"، ونتيجة غياب المشروع الوطني الذي كان من شأنه طمأنة جميع المكونات المجتمعية، والقوى السياسية، وذلك عبر إشراكها في اتخاذ القرارات، وإتاحة المجال للاستفادة العادلة من الموارد الوطنية، وجدت مجموعة من القوى المجتمعية في المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود منفذاً للخلاص، الأمر الذي استفاد منه النظام الإيراني بقوة، بعد أن كان قد تمكّن من التغلغل في المجتمعات الشيعية في مختلف دول المنطقة، وبمختلف الأساليب، لا سيما الناعمة منها عبر الجمعيات والبعثات والمراكز الثقافية، مستفيداً من تنسيقه مع نظام حافظ الأسد في سورية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. وكان من نتائج هذا التنسيق تشكيل حزب الله في لبنان، وإعلانه الممثل الشرعي والوحيد للمقاومة هناك. ثم جاءت الفرصة الذهبية في العراق، حيث أسقطت الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن النظام، ولكنها لم تساعد العراقيين على بناء نظام وطني، كان من شأنه منع الهيمنة الإيرانية، وهو ما أثار، وما زال يثير، تساؤلات عديدة، فضلا عن استغرابٍ كثير.

وقد تمكّن النظام الإيراني من إشغال الشارع العراقي نحو عقدين بموضوع محاربة الاحتلال الأميركي للعراق، ومحاربة الإرهاب. كما استغل النظام المعني الأوضاع في سورية، واعتمد على فصائل الحشد الشعبي التي تشكلت لتكون الذراع العسكرية الأكثر ولاء للنظام الإيراني، في قمع ثورة السوريين. كما اعتمد على حزب الله في قتل السوريين الذي تمكّن بفعل ذلك من إسكات اللبنانيين وسط ادعاءات ومزايدات في موضوع محاربة الإرهاب. ولكن بعد أن انتهت المعارك، ذاب الثلج وبان المرج، وتم الكشف عن العورات جميعها، وتيقّن اللبنانيون من جميع المكونات من موضوع تحكّم حزب الله وسيطرته وهيمنته، كما تأكدوا من دوره المؤثر في ميادين الفساد والإفساد إلى جانب القوى اللبنانية التقليدية الأخرى، فكان التحرّك الكبير في لبنان، غير المسبوق في التاريخ اللبناني، الذي تزامن مع تحرّك العراقيين، وذلك كله وضع المشروع الإيراني في مهب الريح.
ما زالت الأمور تتفاعل، ولم تحسم بعد. لبنان والعراق هما أمام مفترقٍ طرقٍ مفصلي نوعي حاسم: إما أن يستمر الشعب في البلدين في ثورته، ويعزّز وحدته الوطنية عبر التلاحم من خلال المعاناة والقطع مع المشاريع المذهبية الطائفية، خصوصا العابرة للحدود، ليتمكّن من بناء الدولة الوطنية التي تلتزم المشروع الوطني المطمئن للجميع على قاعدة احترام الخصوصيات والحقوق، والمشاركة العادلة في القرارات والموارد. أو أن الشعب سيفقد زمام المبادرة، وتتمكّن قوى الثورة المضادة، بدعم من النظام الإيراني، الخبير في ميدان قمع الاحتجاجات، وتغييب الكوادر الفاعلة المحرّكة والناظمة لها.

الأمور لم تحسم بعد. ولكن الأكيد المؤكد أن إرادة التغيير لدى شعوب المنطقة قوية وجادّة، ولم تعد الشعارات التضليلية مقنعة. كما لم يعد التلويح بالفزّاعات قادراً على ترويع الناس، وإلزامهم بصمت المقهور.