لتكن الحقيقة.. وليهلك العالم

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

 

 وهم التقاء الحقيقة والسياسة

في دوامة أحداثنا اليومية هذه، بدءاً من ثورات الربيع العربي، وفي غرقنا ببحور من الدماء والشقاق والنزاعات التي عايشناها في سورية واغلب المناطق العربية، ومع تخاذل العالم وموت الضمير العربي، وليس آخراً صم المجتمع الدولي آذانه عن آلام آلاف المدنيين المكلومين، كان هناك تساؤل ظل يرافقنا مع كل طرح لحلول أو مبادرات ومفاوضات للمضي بإيجاد مخرج ما، بإمكانه إيقاف شلالات الدماء في سورية الحبيبة، ألا وهو هل العلاقة بين الحقيقة والسياسة علاقة ذات تاريخ سيء؟ هل آن لنا الاستسلام إلى أن الأكاذيب ولعبة المصالح وصبغة التلوي هي دوماً أدوات جوهرية و"مشروعة" لمهنية السياسي البراغماتي، بل والسياسي "الأخلاقي" –إن وجد-، على حد سواء؟! بكلمة أخرى، وإن أردنا التفلسف نتساءل: هل ستبقى الحياة جديرة بأن تعاش في عالم جُرّد من مفهوم العدالة ومفهوم الحرية؟ وذلك مع اكتشافنا أن الحقيقة وحقائق الواقع أبعد ما تكون عن عالم السياسة!

بحث الحقيقة والسياسة هذا، يتيح لنا الوقوف على السياسة من زاوية نظر الحقيقة، ومن نظرة خارجة عن ميدان السياسة؛ الميدان الذي كأنه ساحة معركة من أجل مصالح خاصة ومتعادية حيث لا شيء يستحق الاعتبار سوى المتعة والربح والتحزب وشهوة السيطرة!

إن تاريخ النزاع بين الحقيقة والسياسة قديم ومعقد، وفي الواقع لن نصل إلى نتيجة طالما بقينا نشكو أخلاقياً من ذلك التاريخ. والباحث عن الحقيقة أو الناطق بها عبر التاريخ من أجل أن يخرج الناس من الظلام إلى النور كان يعلم أنه في خطر دائم، بل كثيراً من قائلين الحقيقة عوملوا باستهزاء وسخرية من قبل المخالفين.

وإن شئت نظرت إلى تاريخ المنظرين والباحثين عن حقيقة العلاقة بين الحقيقية والسياسة، فإنك ستجد أنه منذ أفلاطون وحتى هوبز، لا أحد اعتبر أن الكذب المنظم سلاح مناسب ضد على الحقيقة! إلا أننا يمكن إرجاع ذلك إلى أن تاريخية النزاع بين الحقيقة والسياسة منبثق من نمطين للحياة متعارضين تمام التعارض؛ نمط حياة الفيلسوف (المفكر أو المنظر للحقيقة)، نمط حياة المواطن.

وعليه فإن الفيلسوف، أو المنظر أو المفكر... يقيم تقابلاً بين آراء المواطن الدائمة التغير (المتسمة بالنسبية) حول الشؤون الحياتية والتي هي أصلاً في حالة من التغير الدائم، وبين الحقيقة المتعلقة بأفكار خالدة في جوهرها، ليعمل على اشتقاق مبادئ عامة لخلع الاستقرار وشيء من الثبات على الشؤون الحياتية. ومن هنا أتى نقيض الحقيقة وهو الرأي (المعادل للوهم في أحيان كثيرة)، وأتى النزاع بين الحقيقة والسياسة، فالرأي هنا، وليس الحقيقة، هو الذي يدخل ضمن أدوات أية سلطة. وكما قال جيمس ماديسون (رابع رئيس للولايات المتحدة 1809-1817، وعُرف بأبي الدستور) : "إن جميع الحكومات معتمدة على الرأي"، فلا يمكن حتى للحاكم المستبد أو الطاغية الوصول إلى السلطة، أو المحافظة عليها، دون دعم ممن يتشابهون معه في الرأي.

إن النزوع إلى تحويل الحقيقة إلى رأي، وطمس الخط الفاصل الذي يميزهما، إذا ما نظر إليه من وجهة نظر قائل الحقيقة تسبب حيرة لا تقل عن تلك التي كان يسببها المأزق القديم للناطق بالحقيقة. ويمكن أن نضرب مثلاً على كلامنا هذا ذلك الصوفي الذي ذاق حلاوة رحلته في الاتصال بالأبدية، فيعود ليخبر عنها الناس، لكن ما تصل إلى الناس حتى تغدو مجرد رأي لوجهات نظر مختلفة باختلاف المتلقين، هذا الرأي لا يقين فيه بل هو مجرد وهم.

ولنا أن نتخيل ما سيكون عليه مصير حقيقة الواقع إذا ما كانت مصالح السلطة (وطنية أو اجتماعية كانت)، ستكون صاحبة الكلمة الأخيرة. ما سيعود بنا إلى حقيقة أن طبيعة المجال السياسي لابد أن يكون في حرب مع الحقيقة في تجلياتها كافة، ويعود بنا من ثمة إلى مسألة معرفة لماذا يشعر المرء بالالتزام بحقيقة الواقع بوصفه موقفاً مضاداً للسياسة.

إن الحقيقة متى نظر إليها من الزاوية السياسية غدت ذات سمة استبدادية. ومن ثم هي مكروهة من قبل الطغاة الذين يخشون، محقين، منافسة قوة قسرية لا يستطيعون احتكارها، بينما تتمتع بالأحرى بوضع عدم الثبات في أعين الحكومات التي ترتكز على الرضا والقبول وتمقت القسر والإكراه.

الفكر السياسي فكر تمثيلي إذن، فأنا أكوّن رأياً عن طريق النظر في مسألة من زوايا مختلفة، وعن طريق الاستحضار الذهني لوجهات نظر من هم غائبون؛ أي أنني أمثلهم أو أنوب عنهم. وربما نظر أصحاب الرأي إلى حقيقة الواقع على أنها مجرد رأي آخر، ولذلك هم يستسهلون نسبياً تحقير حقيقة الواقع ويستهينون بها.

فمثلاً مقولة سقراط، "تحمل الظلم خير من ارتكاب الظلم"، تسعى لأن تكون في مصاف حقيقة واقع، مع أنه يمكن أن تعتبرها رأياً، عد عن أنها غدت في زمن من الأزمان سياسة ما، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر تأثيرها بوصفها مبدأ أخلاقياً. كذلك الأمر نفسه في مقولة ميكافيلي، "من يرفضون مقاومة الشر يتيحون للشرير أو الخبيث ارتكاب مقدار ما يحلو له من الشر".

ربما لفرط ما شاهدنا من خذلان للحقيقة في عالم السياسة، بدأنا نشك بها أو ننكر وجودها، أو أنها غدت عاجزة وقاصرة على التحقيق! لكننا في الواقع نملك أن ننفي هذا الاعتقاد من خلال مثالنا عن الرياضي الذي يعجز عن تحقيق تربيع الدائرة، فيجد نفسه يتأسف على واقعة كون الدائرة ليست مربعاً!

وفي مقارنة لقائل الحقيقة والكذاب يمكننا القول، إن قائل الحقيقة إذا أراد أن يقوم بدور سياسي، وأن يكون مقنعاً بالوقت نفسه، فإنه سيتمادى إلى حد بعيد في شرحه عن لماذا تخدم حقيقته المصالح الفضلى والمثلى لمجموعة ما. ولربما عرض صدقه الشخصي (مقياس الحياد والنزاهة والاستقلالية) لخطر الشكوك والشبهات. أما الكذاب، فهو على العكس ليس بحاجة إلى كل ذلك، بل هو يمتلك ميزة كبيرة، وهو أنه موجود سلفاً في هذا الميدان، فهو فاعل بالطبيعة؛ يقول ما ليس موجوداً، لأنه يريد أن تكون الأشياء خلاف ما هي عليه، وهو حر في تكييف وقائعه كي تتوافق مع المتعة والربح.

في الحقيقة، لم يُعتبر الصدق أبداً من الفضائل السياسية، لأنه ليس له شأن كبير بالإسهام في هذا التغيير للعالم وللظروف. ولكن حين يكذب الجميع حول كل ما هو مهم، يكون قائل الحقيقة بقوله إياها قد شرع في الفعل، علم ذلك أم لم يعلم؛ ويكون هو أيضاً انخرط بالعمل السياسي، لأنه إذا ما بقي على قيد الحياة، فسيكون بقوله الحقيقة قد خطى خطوة أولى نحو تغيير العالم.

 إن الكذب السياسي الحديث يتناول بفعالية ونجاعة أشياء لم تكن قطعاً أسراراً على الإطلاق (كما الكذب السياسي التقليدي، والذي يعتبر أصلاً موجهاً للعدو فقط قاصداً خداعه)، بل هي أشياء معروفة لدى الجميع. تماماً كما يحدث في إعادة كتابة التاريخ المعاصر أمام أعين من كانوا شهوداً عليه! ومن هنا يتأتى العنف، فالحكومات الشمولية الاستبدادية تتبنى، عن وعي، الكذب بوصفه خطوة أولى نحو القتل. بل حتى في الحكومات "الديمقراطية" التي لا تحتكر فيه سلطة اتخاذ القرار في شأن ما هو موجود أو ما هو غير موجود في الواقع، كما لا تحتكر سلطة قوله، توجد منظمات ضخمة ذات مصالح صنعت وعممت نوعاً من البنية الذهنية من داعي المصلحة العليا للدولة.

مع ذلك، فقد أثبت التاريخ بحقيقة لا مهرب منها، أنه من الصعب الكذب على الآخرين دون الكذب على الذات. فالكذاب بدم بارد يطل على وعي بالتمييز بين الحقيقة والكذب، ومن ثم فإن الحقيقة التي هو بصدد إخفائها عن الآخرين لم تُنفَ بعدُ من العالم على نحو تام. إنها وجدت ملجأها الأخير في الكذاب نفسه!

بالمحصلة نقول؛ إن كانت الحقيقة (سواء أكانت حقيقة وقائع أو حقيقة دينية أو عقلية) عديمة السلطة ومغلوبة دائماً عندما تتصادم مع السلطات القائمة، فإن لها مع ذلك قوة خاصة بها: مهما حاول واستطاع الطغاة أن يخترعوا الأكاذيب ويحتالوا، فهم عاجزون عن اكتشاف أو اختراع بدل للحقيقة قادر على البقاء طويلاً وأبداً. قد يدمر العنف أو وسائل الإكراه الإقناع بالحقيقة، إلا أنه يقيناً لن تُعوض الحقيقة بأي بديل عنها.

وعليه نكون أقرب إلى تبني أن الحقيقة لا طبيعة سياسية لها، بل لها طبيعة مضادة تماماً للسياسة، ونعلن ونقول: لتكن الحقيقة، وليهلك العالم.

 

المصدر: 
مؤمنون بلا حدود