لجنة كينغ كراين ومطالب الوحدة والاستقلال

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/12/2015
السورية نت
المؤلف: 

بعد هزيمة ألمانيا والسلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى تقرر عقد مؤتمر الصلح في باريس في 18 يناير/ كانون الثاني 1919. وكانت الغاية الأساسية من هذا المؤتمر تقسيم الغنائم، وتوزيع تركة المنهزمين في الحرب. وكان من مقررات هذا المؤتمر إرسال لجنة ثلاثية إلى سورية وفلسطين ولبنان وشرق الأردن للاطلاع على وجهة نظر السكان حول طبيعة الحكم فيها لتقرير مصير المنطقة. وقد تقدم بالاقتراح هذا الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون([1])، الذي أراد أن يعمل على إيجاد موطئ قدم لأمريكا في المنطقة.

تقدم ويلسون باقتراحه في مارس/ آذار 1919، ورغم التصديق على الاقتراح، فقد امتنعت فرنسا وبريطانيا عن الاشتراك في اللجنة لعلمهما بأن نتائج التحقيق لن تكون في صالحهما، ولذا فقد اقتصرت اللجنة على العضوين الأمريكيين اللذين سُميِّت اللجنة باسميهما وهما: هنري كينج وتشارلز كرين بالإضافة إلى بعض المستشارين([2]).

كانت بريطانية قد أصدرت عدة بيانات توجهت فيها للعرب لتحثهم على الثورة على السلطنة العثمانية، وجاء في البيان الأول الذي صدر في 13 شباط 1916 الموافق ربيع الأول 1334ه:

"إن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وإمبراطور الهند قررت أنه عند انتهاء الحرب ستجعل من بين شرائط الصلح ومواده الرئيسية أن تكون شبه جزيرة بلاد العرب ترفل في ثياب الحرية وتستعيد رقيها القديم ونضرتها الأولى......لا يداخلكم ريب من جانبنا وترقبوا سنوح الفرصة المناسبة فهي آتية لا ريب فيها وعندها تخلعون عنكم رداء الظلم وتنفضون عن كاهلكم غبار الاستبداد"([3]).

لكن بريطانيا، رفضت المشاركة في اللجنة المذكورة، لأنها ستظهر حقيقة التطلعات العربية عامة، وخاصة في سورية وفلسطين التواقة للوحدة والحرية.

وبالفعل عندما قدمت اللجنة بدأت عملها في فلسطين وزارت يافا والقدس وبيت لحم والخليل وجنين ونابلس والناصرة وطبرية وعكا ثم توجهت في 24  يونيو/ حزيران إلى دمشق وأجرت فيها استفتاءً شمل العلماء وممثلي الطوائف والحرف وممثلي مجلس الشورى وغيرهم.

ثم انتقلت إلى شرق الأردن فاستمعت إلى ممثلي عمان والسلط والبلقاء وبني صخر والشراكسة، ومن هناك إلى حوران فاستمعت إلى آراء أهلها، ومن ثم سافرت إلى بعلبك فبيروت([4]).

وقد خرجت اللجنة بتقرير هام جداً في أغسطس/ آب 1919م، رفضته بريطانيا وفرنسا، أما أمريكا نفسها فتجاهلته، ولم ينشر التقرير إلا عام 1922 بشكل موجز، ونُشر رسمياً عام 1947([5]).

طالب العرب بأن تكون فلسطين جزءاً من سورية، كما طالبوا بالاستقلال التام لسورية ورفض الانتداب، كما رفضوا وعد بلفور وطالبوا بوقف الهجرة اليهودية([6]).

وكانت أهم توصيات اللجنة:

1 ـ  ضرورة تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائياً عن الخطة الرامية إلى جعلها دولة يهودية.

2 ـ  ضم فلسطين إلى دولة سورية المتحدة لتكون قسماً منها.

3 ـ  وضع الأماكن المقدَّسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم، ويمثِّل اليهود فيها بعضو واحد([7]).

وجدت اللجنة أن الشعب في سورية لا يرحب بالانتداب، رغم ترحيبهم بالمعونة الخارجية التي لا تمس السيادة، واقترحت اللجنة إعطاء الانتداب على سورية لأميركا، وعلى العراق لبريطانيا. وحذرت من فرض الانتداب الفرنسي على سورية، كما قررت اللجنة أن العداء للصهيونية لا يقتصر على فلسطين بل يشمل سورية كلها، وأن هناك إجماعاً على رفض البرنامج الصهيوني رفضاً باتاً.

هذا المسح الاستعماري الذي قامت به اللجنة، وُضع أمام الدول الاستعمارية، التي استرشدت به في سياساتها الاستعمارية في تلك المنطقة، ولم يكن لرأي الشعوب أي اعتبار، فالدول القوية لا تعمل كجمعية خيرية، ولا تهتم بالأخلاق، وهي كما قال الكاتب الإنكليزي تشبه  "في سلوكها هذا الذي ما برحت سالكته منذ عدة سنوات إزاء الأمم الشرقية، بعصابة من اللصوص يهبطون على الحلل الآمنة، أهلها ضعفاء عزل، فيثخنون فيهم ثم ينقلون بالغنائم والأسلاب....إن هذه الدول الغربية النصرانية هي بعملها هذا مؤيدة للدعوى الباطلة أن القوي الشاكي يحق له الانقضاض على الضعيف الأعزل، وآتية بالبرهان القاطع على أن مكارم الأخلاق والآداب الاجتماعية لا شأن لها البتة حيال القوة المسلحة. أجل إن هذه الدول قد تجردت عن كل حسنة في معاملة الشعوب الشرقية تجرداً لم يسبق له مثيل"([8]).

____________________________________________________________________________________________

[1]  ـ وودرو ويلسون: الرئيس الثامن والعشرون لأمريكا، حكم في الفترة ما بين 4 مارس/آذار 1913 إلى 4 مارس/آذار 1921م، وكان أكاديمياً ديمقراطياً، خلف ثيودور روزفلت في رئاسة الولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين. 

[2]  ـ عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهودية والصهيونية، المجلد السادس، الجزء الأول، الباب الرابع، مدخل لجنة كينغ كراين.

اختار ويلسون لهذه اللجنة الأكاديمي هنري كينغ، وهو رئيس كلية أوبرلين بولاية أوهايو الأمريكية، وتشارلز كراين، وهو رجل أعمال بارز من شيكاغو، يصحبهما ثلاثة مستشارين هم الدكتور ليبايرو والمستر مونت كوموري والكابتن وليم ييل، بالإضافة إلى السكرتير بروري ومدير أعمال اللجنة المستر مور. انظر: الموسوعة الفلسطينية على الرابط:

http://www.palestinapedia.net/%D9%83%D9%8A%D9%86%D8%BA-%D9%83%D8%B1%D9%8.../

[3]  ـ كان البيان موقعاً باسم الملك جورج الخامس ملك بريطانيا، وقد صدر في 13 شباط 1916/ ربيع الأول 1334هـ. انظر: شكيب أرسلان، حاضر العالم الإسلامي، مج2، ج4، ص 284.

[4]  ـ الموسوعة الفلسطينية، المرجع السابق نفسه.

[5]  ـ عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق

[6]  ـ محمد عزة دروزة، مائة عام فلسطينية، حقبة فيصل، ص 59 ـ 60 وفيه تفصيل عن مواقف المسيحيين واليهود والمسلمين من الانتداب ومن وعد بلفور.

[7]  ـ عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق.

[8]  ـ كتب هذا الكاتب الإنكليزي سدني لو سنة 1912. انظر: شكيب أرسلان، حاضر العالم الإسلامي، مج2، ج4، ص 12.

تعليقات