لسنا أول من يُباد «نماذج في سيسيولوجيا الإبادة الدينية»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

لم تكن النازية لتنظر الى اليهود بأنهم شعب ألماني، بقدر ما اعتبرتهم وباء يهدد البشرية كأبالسة حقيقيون يبثون السموم في أرواح الناس، فأخلاقهم وأشكالهم وطباعهم تخالف تماماً الألمان العاديين، وينزعون دوماً ليكوّنوا شعباً خاصاً "يكون تاجه إكليل جنازة البشرية".

هتلر الذي وجد في مذكراته أن الخطر الحقيقي على الشعب الألماني يكمن في اليهودية والشيوعية على حدٍ سواء - لما للأخيرة من نفس أهداف اليهودية كدين وشعب وحركة سياسية - رأى أن النازية في دفاعها عن نفسها ضد اليهودي إنما تدافع عن عمل الخالق، فاتجه في دفاعه عن الله لرسم خطة لإعادة بناء التكوين العرقي لأوروبا بالقوة وذلك باستعمال حملة منظمة ضد من أسموهم بمن (دون البشر) من اليهود بالدرجة الأولى و الغجر و البولنديون و السلافيون والألطيون و الأفريقيون، وحتى بعض فصائل المجتمع ذو الأصول الآرية كالمثليين جنسياً والمجرمين والمعاقين ذهنياً وجسدياً و الشيوعيون والليبراليون و المعارضون لفلسفة النازية وكل من تراه النازية زائداً عن حاجة ألمانيا.

حيث تعرضت هذه الفئات من الناس إلى أبشع أنواع العذاب في التاريخ، من وضعهم في حاويات مغلقة ذات ضغط عالٍ، و استعمال الحقن القاتلة، إلى التجويع وإطلاق النار الجماعي والحرق بالإضافة الى الخنق عبر غرف مشبعة بغاز أول أكسيد الكربون وغيرها من أساليب وحشية قتلت قرابه 5 إلى 7 ملايين يهودي، بالإضافة إلى إبادة 100،000 شيوعي و 15،000 - 25،000 ممن اعتبروا مثليين جنسيا و 1،200 - 2000 من شهود يهوه ، وتمت إجراءات طبية لمنع 400،000 معاقاً عقلياً ومريض نفسي من الإنجاب واستعملت أساليب الـ T4 أو ما سمي بالقتل الرحيم لإنهاء حياة 200،000 - 300،000 من المصابين بعاهات لا أمل للشفاء منها ومعاقين ومرضي نفسيين.

 

وبفعل هذه المجازر أوكلت في العام 1944 إلى المحامي اليهودي البولندي "رافائيل ليمكين" بعد انهيار النازية مهمة التفكير بضرورة ايجاد صيغة قانونية لحماية المجموعات البشرية من القتل على اساس السلالة او العرق او القبيلة أو الدين، لهذا وضع في إطار وصفه للسياسات النازية للقتل المنظم خطة منظمة تتألف من إجراءات مختلفة بهدف الحماية القانونية للمجموعات القومية. ونتاجاً لهذا الجهد المقدم من قبله أقرت الأمم المتحدة اتفاقية تقضي بمنع جرائم "الإبادة الجماعية" ومعاقبة مرتكبيها في 9 كانون الأول /ديسمبر 1948. والتي أصبحت سارية المفعول في 12 يناير 1951، بعد تصديق أكثر من 20 بلدًا حول العالم عليها.

   

لكن هذا لا يعني أن جرائم الابادة بدأت مع سياسات النازية ضد اليهود وانتهت بعدها. فالتاريخ يغص بالجرائم التي تمت على أساس السلالة والعرق والدين والطائفة ولا زالت مستمرة.

فقد سبق وأن مارس اليهود ولازالوا أبشع أنواع الإبادة ضد الشعوب التي حكموها، فتعد محرقة نجران في الجزيرة العربية في العام 523 م والمذبحة التي جرت في القدس سنة 614 م اثنان من المذابح التي تسجل على سبيل المثال لا الحصر ضمن حالات الابادة الجماعية، حيث نبش اليهود قبور المسيحيين واستخرجوا عظامهم وكوّموها في كنيسة نجران، كما تم إحراق الآلاف من المسيحيين في الكنيسة نفسها. بينما بلغت ضحايا المذبحة في القدس قرابة 90 ألفاً من المسيحيين نفذها اليهود بدعم من الفرس، إذ لم يميزوا وقتها بين رجل وامرأة أو طفل، وتم ذبحهم بأبشع الطرق.

إذ تعد في العموم المذابح التي تعرض لها مسيحيو الشرق بمثابة ممرات إلزامية في مراحل تاريخية متكررة يختلف قوادها باختلاف المعطيات التاريخية التي تمليها كل مرحلة، كما تختلف الضحايا بين مكان وزمان معينين، إذ أن ما ارتكبه المسيحيين (الكاثوليك والبروتستانت) من مذابح بحق أنفسهم ضمن حالة الصراع الديني في أوروبا بين عامي 1618 و1648 م لا يعني أنها لا تندرج أيضاً تحت بند الابادة الجماعية وأنهم بعيدين كل البعد عنها، فقد اشتملت هذه المجازر أساليب القتل والحرق والتهجير بطريقة مروعة. ونتيجة هذه الحرب تقلص سكان ألمانيا إلى النصف، كما انخفض عدد سكان الأراضي التشيكية بمقدار الثلث، وقد دمر الجيش السويدي "البروتستانتي" لوحده اثناء تغلغله في المناطق الالمانية الكاثوليكية 2000 قلعة مع سكانها.

 وكما نعلم فقد جاء هذا الصراع رداً على ظهور حركة الإصلاح الديني في أوروبا كفعل طبيعي لحالة الاستبداد الديني على الفكر وحريته. إذ أن الاستبداد الذي ساد أوروبا لوقت طويل قد خلق حالة من الرعب والتسلط والاضطهاد  في عموم أوروبا، وكان للمسلمين النصيب الأكبر من هذا الاضطهاد، و تعد محاكم التفتيش ( 1478 - 1834 ) والتي شكلها ملوك إسبانيا - أكبر قوة كاثوليكية في العالم آنذاك  - لتطهير إسبانيا من المسلمين ولإجبار كل المسلمين على اعتناق المسيحية , تعد واحدة من أكثر المؤسسات السلطوية دموية بحق المسلمين في التاريخ ، حيث تم إعدام وحرق وتقطيع الكثير من المسلمين بتهم الهرطقة والزندقة والكفر، فتم بهذا الخصوص إصدار عدة قرارات من حظر اللغة العربية وحرق عشرات الآلاف من كتب المسلمين، وحظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر ارتداء الملابس العربية ومصادرة الأموال وتجميع الأطفال المغاربة بين سن 3- 15 عامًا ووضعهم في مدارس خاصة لتعليمهم العقيدة المسيحية واللغة القشتالية.

 

يمكن بالإجمال القول إن محاكم التفتيش كانت البداية، فالإبادة المنظمة ضد المسلمين لم تنتهي بانتهائها ويبدو أنها لن تنتهي قريباً، فخلال مئة عام من الفترة الممتدة من1821 -1922م تم قتل خمسة ملايين من المسلمين بفعل التجويع والمرض وعمليات الاضطهاد، كما تم تهجير قرابة خمسة ملايين آخرين. وبالرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن منع ومعاقبة الإبادة الجماعية سارية المفعول منذ العام 1951 إلا أنها لم تمنع القوات الصربية من قتل 300 ألف من مسلمي البوسنة (1992 -1995) تحت نظر ودعم من القوات الهولندية المكلفة من قبل الامم المحتدة بحماية المدنيين، كما لم تتحرك بشكل جدي لليوم لإدانة ووقف أبشع المذابح التي يرتكبها البوذيون بحق مسلمي الروهينغا في بورما.

 

إلا أن أسوء مذابح العصر الحديث ما يحصل منها في سوريا اليوم، من عملية إبادة وتجويع وقتل وتهجير وتأليه تمارسه الأقلية العلوية الحاكمة للبلاد باسم حزب البعث بحق الأكثرية من المسلمين السنة.

حيث يعتبر الإسلام في سوريا أكبر أديان البلاد وأوسعها انتشارًا، ويمثل السنة الأغلبية المطلقة بين 70 إلى 80% من مجموع السكان، في حين لا تتجاوز الاقلية العلوية الحاكمة 11 %.

وقد مزقت هذه الفئة القليلة المجتمع السوري بالحديد والمنشار والآلة منذ العام 1963 , بدءاً من مجازره حماة في ثمانينيات القرن الماضي التي قتل فيها الأسد الأب أكثر من 40,000 مدني سوري يسكنون مدينة حماة . وليس آخرها ما قام ويقوم به الاسد الابن منذ خمس سنوات بدعم دولي واضح وأمام مرأَ من الجميع من مذابح منظمة طالت كل السوريين المطالبين بانتقال ديمقراطي للسلطة.

حيث تأذى في هذه الحرب كل السوريين دون استثناء، وراح ضحيتها ما يزيد عن 2 مليون شخص بين قتيل وجريح، وأكثر من 12 مليون مدني مشتتين في داخل البلاد وخارجها. فضلاً عن إزالة واخلاء مدن بكاملها من سكانها لتغيير البنية الديموغرافية لها وتدمير 80% من البلاد، أيضاً خلق حالة من التوتر الطائفي عبر تمزيق عرقي منظم انتجه النظام السوري والذي لن ينتهي لمئات السنين القادمة بفعل سعي النظام لتضمين الصراع في البلاد روايات دينية وعرقية وسياسية بطريقة مدروسة.

وما يميز مجازر الابادة الجماعية في سوريا أنها الأسوأ عبر التاريخ وأنها الأولى من نوعها التي يقود حاكمها الأقلية لذبح الأكثرية بدعم دولي، والسعي لتدمير كامل ومقصود للبنية التحتية عبر جلب الاحتلال الاجنبي والسعي لتقسيمها. كما وأنها الأكثر دموية في العصر الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم تبق دولة حديثة لم تتورط بشكل أو بآخر في الصراع الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً.

تعليقات