لقاء «الجبّارَين» يثير القلق حول العالم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/7/2018
العرب القطرية

أي توصيف للوضع الدولي الحالي أن يسجل قلقاً وبلبلة ناجمين عن تحولات أميركية لم تتخذ بعد شكلها النهائي، وتكمن خطورتها في كونها تمس مباشرة جوهر مفهوم المصالح الذي قامت عليه السياسة الخارجية الأميركية على مدى عقود ماضية. إذ استقر العالم على أنه يستند عموماً إلى مرتكزات عدة، لعل أهمها ثلاثة: اعتماد حرية التجارة إلى حد تقديسها واشتراطها لتصنيف الدول في «العالم الحر» أو خارجه، والاستراتيجية الدفاعية المبنية على تحالفات واستقطابات، ومنظومة قيمية يتفاوت التزام الولايات المتحدة بها لكنها دأبت على الترويج للديمقراطية واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

كل ذلك اعتبر دونالد ترمب فجأة وبلا مقدمات أنه لم يعد يحقق مصالح أميركا. وقادته اقتناعاته -كرجل أعمال لا كسياسي- إلى أن «العولمة» التي استنبطتها أميركا وحملت رايتها أفادت سائر الدول بأفضل العوائد والمداخيل، خصوصاً الصين وأوروبا وكندا وأستراليا، لكن تبدّى أنها ليست الصيغة المثلى لبلاده، بدليل إقفال آلاف الشركات أو انتقالها إلى بلدان أخرى مثل الصين. ولذلك، بادر إلى إلغاء أو تجميد اتفاقات التجارة، ولم يتردد في إعادة العمل بالسياسات الحمائية، وزيادة الضرائب، ورفع الحواجز والحدود أمام مختلف السلع. بالتوازي مع هذا التوجه، راح يثير مع الحلفاء والأصدقاء الأقربين مسألة الكلفة الدفاعية، فهز أركان الحلف الأطلسي مختزلاً روابط أميركا بالخلاف على الميزانيات والفواتير. ثم منظومة القيم لأعنف الزلازل، بدءاً بالقيود على الهجرة والتمييز بين هويات الدول، وصولاً إلى وضع الأطفال في أقفاص حدودية. كما أن مقاربة النزاعات الدولية وحلولها افتقدت مع ترمب أي لمسات عدالة وحقوق، كما تشهد على ذلك التسويات المجحفة التي يستعد لتمريرها للقضية الفلسطينية أو للأزمة السورية وغيرها.
كل الإجراءات التي أقدم ترمب عليها تجاه الخارج، لاقت الكثير من الاستحسان والقليل من الانتقادات داخل أميركا. فعندما استبق قمة الدول في كندا برفع الضرائب على الحديد والصلب، ثم ذهب لمواجهة زعمائها، كان متسلحاً بعدم اعتراض الرأي العام الأميركي. وحين قصد بروكسل للمشاركة للمرة الثانية في قمة «الناتو»، أشعر حلفاءه بأنه آتٍ فقط ليسمع أنهم حسموا أمرهم لزيادة نسبة مساهمتهم في ميزانية الحلف كي يتأكد من أنه سيتمكن من خفض المساهمة الأميركية. والواقع أنه لم يترك لهم خيارات كثيرة؛ فالأمر يتعلق بالشأن الدفاعي الذي يريدون تعريضه للمساومات أو المناورات. أما هو، فكان متسلحاً هنا أيضاً بتأييد من حزبه ومن الرأي العام. ويتكرر ذلك في حرب تجارية أطلقها ضد الصين، وفي تهديدات وجّهها لمنظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك).

على هذه الخلفية، يلتقي ترمب اليوم نظيره الروسي فلاديمير بوتن في هلسنكي. كلاهما يبحث عن وفاق دفاعي في أوروبا؛ ما يعني الأسلحة الاستراتيجية والشبكة الصاروخية في أوروبا التي أصبحت «في أحضان روسيا» -كما وصفها وزير دفاعها سيرغي شويغو- فضلاً عن مسألتي أوكرانيا وجورجيا والعقوبات المفروضة على روسيا. لا شك أن أفضل الصفقات بين الدولتين الكبريين تقوم على أفضل المقايضات، ولذلك يسود القلق هذه القمة في عموم أوروبا التي لا تنفك ثقتها بترمب تتضاءل، كما في بكين إذ تراقب المغريات المحتملة التي قد يقدّمها ترمب لاجتذاب بوتن إلى صفه، وأيضاً في طهران التي تراهن على موسكو لتبديد عاصفة العقوبات الجديدة. وحتى العديد من العواصم العربية -كل لأسبابها- تخشى أن ينالها نصيب من مقايضات الجبارين، تحديداً بالنسبة إلى «صفقة القرن» وفي سوريا.;

تعليقات