لقلق العربي المشروع من الاتفاق النووي الإيراني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/7/2015
العربي الجديد

بعد مفاوضات ماراثونية صعبة، توصلت مجموعة الـ "5+1"، والتي تضم الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، بالإضافة إلى ألمانيا، إلى اتفاق نهائي مع إيران حول برنامجها النووي، يقوم على رفع العقوبات الاقتصادية عنها، مقابل كبح جماح برنامجها النووي. الاتفاق الذي وقع في فيينا، في الرابع عشر من يوليو/تموز الجاري، قد يكون مدخلا أميركيا لإعادة تأهيل إيران إقليميا ودوليا، خصوصا في ظل تلميح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى احتمال أن تتبعه إعادة للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد أكثر من عقود ثلاثة من القطيعة. وسيكون التحدي الرئيس أمام الطرفين متعلقاً بمدى التزامهما بشروط الاتفاق، لناحية رفع العقوبات الأميركية والأوروبية والدولية عن إيران، مقابل التزام الأخيرة بالشروط الكثيرة التي تضع قيوداً على برنامجها النووي، عقداً على الأقل، من دون أن يصل ذلك إلى حد اشتراط تفكيك بنيته التحتية ومنشآته. 

لا شك في أن أي اتفاق يرفع القيود الغربية الظالمة عن الشعب الإيراني مرحب بها، كما أنه من حق إيران أن يكون لها برنامجها النووي السلمي لأغراض الطاقة والبحثين، العلمي والطبي. أيضا، استهداف إيران بالعقوبات بسبب شكوك حول برنامجها النووي يمثل حالة النفاق الدولي القائمة، والتي تعطي بعض الدول حق امتلاك هذا السلاح المدمر، في حين تحرّمه على آخرين. ولعل الذكرى تنفع هنا أن الولايات المتحدة التي تصادر حق كثيرين بامتلاك هذا السلاح، هي الدولة الوحيدة التي استخدمته، ليس من باب الضرورة، وإنما من باب "الاختبار"، ضد اليابان في أواخر الحرب العالمية الثانية، موقعة عشرات آلاف الضحايا الأبرياء. كما أن الولايات المتحدة التي تعاقب إيران وكوريا الشمالية، اليوم، جراء شكوك تحوم حول برنامجهما النووي، وتصر على غالبية الدول الدخول في معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي، هي نفسها من توفر الحماية لإسرائيل لصون برنامجها وأسلحتها النووية التي لا تخضع لأي رقابة دولية.  أي اتفاق يرفع القيود الغربية الظالمة عن الشعب الإيراني مرحب بها، كما أنه من حق إيران أن يكون لها برنامجها النووي السلمي لأغراض الطاقة والبحثين، العلمي والطبي أيضا

كل ما سبق صحيح، غير أن ذلك لا يعني أنه لا يحق لنا، نحن العرب، القلق من هذا الاتفاق، فإيران، بسياساتها العدوانية ضد شعوبنا في العراق وسورية واليمن ولبنان، تجاوزت كل حد يمكن السكوت عليه. فمثلا، بعث المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، رسالة الأسبوع الماضي، إلى الرئيس حسن روحاني، يأمره فيها بتخصيص 5%، على الأقل، من ميزانية البلاد للدفاع "لزيادة القدرات الدفاعية على مستوى القوة الإقليمية، من أجل تحقيق المصالح والأمن القومي"، وذلك على الرغم من أن التقارير الدولية تشير إلى انكماش بنسبة 20% في الاقتصاد الإيراني، جراء العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ عام 2012. هذه العقوبات، وهذا التردي الاقتصادي في إيران، كان يفترض أن يدفعا صانع القرار الإيراني إلى استثمار الأموال المجمدة التي سيفرج عنها بموجب الاتفاق، والتي تقدر بعشرات مليارات الدولارات، في رفاهية الشعب الإيراني الذي عانى طويلا جراء الحصار والعقوبات الدولية، غير أن قادة إيران ما زالوا مهووسين بأطماعهم الإقليمية. 

الأدهى أن لا إيران، ولا وكلاءها يتحدثون، اليوم، عن استعدادات لحرب مع إسرائيل (على افتراض أنها العدو الرئيس، كما يزعمون)، بل تجدهم يهادنونها ويداهنونها، وفقط من اختار العمى الأخلاقي اليوم هو من لا يرى أن إيران تستثمر أموالها في سفك دماء الأبرياء في العراق وسورية واليمن. وليس أدل على ذلك أن المخلب الإيراني الأبرز في المنطقة، حزب الله، لا تقلقه أبدا إسرائيل، وها زعيم الحزب، حسن نصر الله، يعلنها صراحة، ومن دون وَجَلٍ ولا مداراة، أن الطريق لتحرير القدس "تمر بمناطق سورية عديدة، أبرزها القلمون، والسويداء، والزبداني، والحسكة". وقبل أسبوع، أيضا، كانت إيران تقدم ضماناً ائتمانياً لنظام بشار الأسد في سورية، لتخفيف الضغوط الاقتصادية على نظامه المنهمك في سفك دماء شعبه وتدمير بلده. تفعل إيران ذلك، وهي ما زالت تئن تحت وطأة العقوبات الاقتصادية، وشعبها ما زال يعاني الأمرّين، فقرا وحاجة، فماذا تراها ستفعل غدا بعد أن ترفع العقوبات؟ 
بالنسبة للأسد، الجواب واضح: مزيد دعم لإجرام نظامه، فمباشرة بعد توقيع الاتفاق النووي، أرسل الأسد رسالتي تهنئة لخامنئي وروحاني، يلمح فيهما إلى توقعه تعزيز الدعم الإيراني لنظامه. المفارقة أن الأسد يسوغ ذلك من باب دعم إيران "قضايا وحقوق" ما وصفها بـ"الشعوب العادلة"! 
في سياق آخر، يحق لنا، نحن العرب، القلق من المقاربة الأميركية والإيرانية المحتملة لهذا الاتفاق، فثمة إشارات أميركية كثيرة إلى أن إيران قد يعاد تأهيلها، لتكون شرطياً أميركياً في المنطقة.

 

وحسب بيتر فيفر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ديوك، والمسؤول السابق في إدارة جورج بوش الابن، فإن إدارة أوباما "أسيرة لرؤية تقول إن إيران من الممكن أن تكون مصدرا للاستقرار الاستراتيجي في منطقة تتهاوى". بل إن أوباما نفسه يؤكد ذلك: "من يدري! إيران قد تتغير". ويوضح أوباما مقاربته بشكل أكثر وضوحاً، بقوله: "ولكن، اعتقادنا، واعتقادي أنا بالأحرى، أننا سوف نكون في موضع أقوى لتنفيذ ذلك، إذا ما انتهينا تماما من ملف القضية النووية. وإذا استطعنا تنفيذ ذلك، سوف يمكن لإيران، بعد الاستفادة من مكاسب تخفيف العقوبات الدولية، البدء في التركيز على الاقتصاد وعلى شعبها. وتبدأ الاستثمارات في التدفق، وتبدأ الدولة في الانفتاح على العالم. إذا ما قمنا بعمل جيد في تعزيز الإحساس بالأمن والتعاون الدفاعي بيننا وبين الدول السنية، وإذا ما تأكد لدينا تمتع الشعب الإسرائيلي بالحماية التامة، وليس فقط من خلال قدراتهم الذاتية. ولكن، من واقع التزاماتنا حيالهم، فإنه من الممكن أن ترى قدراً من التوازن في المنطقة، ويبدأ السنّة والشيعة، في القول: قد يجدر بنا التخفيف من حدة التوترات، والتركيز على المتطرفين، من شاكلة تنظيم داعش، والذين يريدون حرق المنطقة بالكامل، إذا ما استطاعوا". لمن يحتاج إلى تذكير، لم تقدم إيران أي نوع من الدعم لحماس في أثناء تصديها للعدوان الصهيوني على غزة العام الماضي، وقطعت التمويل عن حركة الجهاد الإسلامي، قبل أشهر، بسبب رفضها التماهي مع موقفها الداعم للحوثيين في اليمن

ولا يكّذب وزير الخارجية الإيرانية، محمد جواد ظريف خبرا، فكتب، الشهر الماضي، في موقع هارفارد إنترناشونال ريفيو، على الإنترنت، رؤيته كيفية مواجهة الدول تنظيم الدولة الإسلامية، فذكر أنها معركة ستجد واشنطن وطهران نفسيهما تقاتلان فيها عدواً مشتركاً، على الرغم من غرابة هذا الموقف. وفي الحقيقة، تقاتل الولايات المتحدة وإيران، فعليا، جنبا إلى جنب، في العراق اليوم. 

سيجادل بعضهم، كالعادة، أن إيران حضن "الممانعة" الدافئ في المنطقة، غير أن الحقائق تُزْهِقُ هذا الزعم. فإيران هي نفسها من قطعت التمويل والدعم عن حركة حماس منذ سنوات، لأنها رفضت التساوق مع موقفها الداعم للنظام السوري ضد شعبه. ولمن يحتاج إلى تذكير، لم تقدم إيران أي نوع من الدعم لحماس في أثناء تصديها للعدوان الصهيوني على غزة العام الماضي، وقطعت التمويل عن حركة الجهاد الإسلامي، قبل أشهر، بسبب رفضها التماهي مع موقفها الداعم للحوثيين في اليمن. أيضا، لا يُقْبَلُ هنا مجادلة بعض آخر أن في القلق من الاتفاق النووي مع إيران تساوقاً مع الموقفين الإسرائيلي، والاستبدادي العربي. فرفضنا هيمنة إسرائيل وعدوانيتها لا يعني قبولاً بعدوانية إيرانية بديلة، أو مضافة، كما أن رفضنا نظام الاستبداد العربي لا يعني أبداً أن نقبل وحشية إيرانية موازية. 
باختصار، نؤيد الاتفاق النووي مع إيران، إذا كان سيرفع الظلم والعقوبات عنها وعن شعبها، ولكننا لا نقبل أن تتحول إيران المتحررة من قبضة العقوبات والحصار إلى دولة أكثر وحشية بحقنا، وبحق قضايانا وشعوبنا.

تعليقات