للخروج من حالة إحباط الثورات المضادة

صورة علي الرشيد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

بوابة الشرق
المؤلف: 

بظهور نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية يكون الستار قد أسدل على الفصل الأخير من خيبات ثورات الربيع العربي، ليظهر المشهد وكأنه رسوب لمجملها، بعد مضي أربع سنوات على انطلاقتها، لصالح الثورات المضادة.
وما من شك فإن هذا الوضع خلق حالة من الإحباط في نفوس كل التوّاقين للحرية والكرامة في مواجهة الظلم والاستبداد، وفي مقدمتهم الشباب، بعد أن عاشوا على أمل التغيير حينا من الزمن، في أكثر من موقع ودولة.

لم يكف الفلول والقوى المناهضة للثورة وحلفاؤهم الإقليميون والدوليون أن يمنعوا الثورة السورية من تحقيق حلم الشعب في إجبار النظام على الرحيل، أو تتمّ فرملة قطار التغيير منعا من وصوله إلى دول عربية أخرى تعاني من الاستبداد، وإنما عمدوا إلى الانقضاض على الثورات التي نجحت في إجبار الطواغيت على الرحيل، وتمكنوا من إجهاضها، ليعاود رموز من الأنظمة السابقة لتصدر المشهد السياسي من جديد، أو تصل فئات لا علاقة لها بحراك الشباب الثائر، أو تدخل البلاد في أتون اقتتال أهلي أو نذر فوضى.

خلاصة المشهد حاليا: انقلاب وعودة للعسكر في مصر، وعودة رموز العهد البائد والمحسوبين عليه في تونس من بوابة الانتخابات، وبروز ميليشيا الحوثيين وفرضها سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح، بالتحالف مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، واقتتال وفوضى في ليبيا.
السؤال المقلق المؤرق الآن: هو كيفية مواجهة حالة الإحباط بعد كلّ هذه الخيبات، خصوصا بعد أن عاش المتعطشون للحرية من الشباب وغيرهم على أمل التغيير حينا من الزمن، في أكثر من موقع ودولة.

غياب مواجهة الإحباط يعني ـ لا قدّر الله ـ استسلاما ووهنا، تشرذما وتمزقا، تطرفا وتهورا، وتكريسا لاستباحة البلاد من قبل أصحاب المطامع والأجندات، ومزايد من العذابات والألم للمكتوين بنار التشرد والنزوح واللجوء. إنه باختصار سؤال عن كيفية النهوض من جديد.
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي بالضرورة تقييم ما حصل، وفهم أسباب هذا المآل، بعيدا عن إلقاء المسؤولية على نظرية المؤامرة وأعداء الثورات فقط، مع التسليم بالحراك المضاد للثورات، واشتغاله بقوة للعودة من الشباك بعد أن خرج من الباب.

لعلّ من مؤشرات التقييم ما يلي:
ـ بسبب الجهل أو التضليل أو المصالح الشخصية أو المناكفات الحزبية.. فإن شريحة لا يستهان بها من الشعوب وقفت ضد التغيير، أو أعادت ما يعرف برموز الدولة العميقة إلى الواجهة من جديد، من خلال تصويتها الانتحابي أو دعم عودة العسكر، هذا ما حصل في تونس مؤخرا، وقبله حصل للذين وقفوا إلى جانب انقلاب العسكر بمصر وبرروه، وإلى جانب أحمد شفيق ضد الرئيس محمد مرسي.
ـ كثير من الانتكاسات التي حصلت كان بسبب انعدام الرؤية السياسية لأحزاب المعارضة والجهات الثورية والأخطاء التي وقعت بها بعد استلامها للحكم أو تصدرها للمشهد السياسي بعد انتصار ثوراتها، والتناحر فيما بينها أو عدم التنسيق المطلوب، مما أدى إلى انفضاض الناس عن تأييدها، ورجحان كفة التيار المناهض لها.
ـ كثير من الشباب والمحسوبين على الحراك الثوري وقوى المعارضة كانوا يعتبرون أن من شأن الثورات صناعة عملية التغيير بصورة كاملة ودفعة واحدة، بينما يفترض أن تفهم الثورات على أنها رافعة للتغيير، فيما يحتاج التغيير الكامل لتوافر شروط كثيرة من بينها وجود قاعدة جماهيرية واعية لا تتقلب بسرعة، أو تنفعل عاطفيا، وتكون على استعداد للتضحية ودفع الثمن، وقيادة واعية تستثمر بنجاح فورة الانطلاقة، وتنسّق الجهود وتمتلك رؤية وطنية للتغيير طويلة الأمد، تضع في حسبانها التربية واستفراغ الجهود لإصلاح فساد الذمم، نتيجة تركة عقود من الفساد والإفساد.
على هذا الأساس يمكن القول إن ما نمر به هو مخاض لابد منه، ومرحلة تحولات انتقالية لابد من عبورها، دون أن تعني الانتكاسات نهاية مطاف الثورات. بل ربما تكون مرحلة تعثر مؤقتة على طريق تصحيح المسار والانطلاق من جديد.

إذن للخروج من حالة الإحباط السائدة لابد من ندرك أن ظروف التغيير لم تنضج بما فيه الكفاية، وأن متطلبات النهوض والانتصار تحتاج لبذل المزيد منا، وعلى أكثر من مستوى، وأن ما نمر به من تحولات ربما تكون بمثابة إرهاصات لتغيير قادم، بعد الاستفادة من الدروس الراهنة، ومعالجة مكامن الخلل واستيفاء شروط التغيير.
قد ينجح التغيير دفعة واحدة أو مرة واحدة إذا توفرت له جميع الشروط، وقد يتأخر لبعض الوقت لتخلف أو عدم استيفاء كل الشروط، كما هو حاصل الآن.
يكفي أن نفهم أن الروح الثائرة قد خرجت من القمقم وأن ملحمة الحرية ليست معركة واحدة، وأن العاقبة لأصحاب الحق على الباطل وأنصار الحرية على الاستبداد والمستبدين، على اعتبار أن ذلك سنة من سنن الله، وأننا متعبدون بأفعالنا وليس بالنتائج.