لماذا تفضّل إسرائيل بقاء الأسد؟

صورة عبد الكريم بدرخان

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/9/2014
العربي الجديد

على الرغم من أن نظام بشار الأسد حلقة مركزية في محور الشر مع إيران وحزب الله، وعلى الرغم من أنه متّهم بدعم حزب الله وحركة حماس، وعلى الرغم من أنه حامل شعار المقاومة والممانعة في المنطقة؛ إلّا أن إسرائيل لم تقلْ يوماً إنها ضدّه، ولم تطالبْ يوماً بإسقاطه، ولم تقلْ إن سقوطه سيكون خيراً لها. هل يكفي لتفسير ذلك أنْ نُعيد المقولة الشائعة في الأوساط السياسية الإسرائيلية، إن الشيطان الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه؟ أم أنّ لتمسّك إسرائيل بنظام الأسد أسبابٌ أخرى؟ من تتبُّع تصريحات السياسيين والصحافيين الإسرائيليين وتعليقاتهم في الأعوام الثلاثة الماضية، وفي ضوء التغيُّرات الداخليّة والإقليمية التي بدأتْ مع الربيع العربي، يمكن تلخيص المخاوف الإسرائيلية من سقوط نظام الأسد، وتدفعها إلى التمسُّك به، في محاولةٍ لإبقائه أطول فترة ممكنة، وذلك في خمس نقاط:

أولاً، الخوف من اشتعال جبهة الجولان: تنعم الحدود بهدوءٍ تامّ منذ أربعين عاماً، وتعتبر هذه الجبهة الأكثر الجبهات هدوءاً على طول الحدود الفلسطينية. وبالتالي، يفتح سقوط نظام الأسد الحدود أمام التنظيمات المعادية لإسرائيل، لكي تتوغّل وتنفّذ عمليات قتاليّة في العمق الإسرائيلي، ولا سيّما التنظيمات الجهادية الإسلامية، ما سيُجبر إسرائيل على مضاعفة أعداد قواتها العسكرية على الشريط الحدودي، ورفع حالة التأهّب والحيطة والحذر استخباراتياً، ورفع جاهزيّة القوات للتدخل المباشر في أي لحظة، وأيضاً، سيجبرها ذلك على وضع قوات خاصّة مدرّبة على حرب العصابات، غير الجيش النظامي المدرّب على مواجهة جيوش نظامية.

ثانياً، الخوف من وقوع مخازن الأسلحة في "الأيدي الخطأ": يمتلك نظام الأسد ترسانة ضخمة من الصواريخ المتوسطة المدى والصواريخ البالستية، وترسانة من الصواريخ المضادة للسفن الحربية، ومنظومات دفاع جويّ متطورة. وفي حال وقعتْ هذه الأسلحة في "الأيدي الخطأ" (كناية عن التنظيمات المعادية لإسرائيل)، سيشكّل ذلك تهديداً للملاحة الحربية الإسرائيلية على شواطئ المتوسط، وتهديداً للمجال الجوي الإسرائيلي الذي يمتد فوق الإقليمين، السوري واللبناني، حيث اعتادت الطائرات الإسرائيلية أن تحلّق فوق البلدين، وأنْ تقصف ما تشاء من الأهداف، من دون أي اعتراض من نظام الأسد أو حزب الله. ولذلك، تفضّل إسرائيل بقاء هذه الترسانة في "الأيدي الصحيحة"، أي جيش بشار الأسد.

ثالثاً، اختلال توازن القوى الإقليمي: إن سقوط نظام الأسد، أكبر حليف لإيران في المنطقة، سيؤدي إلى تراجع كبير للنفوذ الإيراني في المنطقة. وقد تملأ هذا الفراغ الذي سيتركه التراجع الإيراني قوى إقليمية على عداء مع إسرائيل، أو تربطها بها علاقة توتر واضحة، مثل تركيا. ما يضع الأمن القومي الإسرائيلي أمام تحدٍّ جديد، وعدوّ جديد، تحتاج إسرائيل وقتاً كثيراً لدراسته، ومعرفة كيفية التعامل معه.

رابعاً، اختلال موازين القوى في الساحة اللبنانية: من الواضح أن سقوط نظام الأسد سوف يترك تأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية على لبنان، وقد يهدّد وحدته الجغرافية. نظراً للانقسام الحادّ بين حلفاء الأسد وأنصار الثورة السورية، في الساحة السياسية والاجتماعية اللبنانية. دخل جيش حافظ الأسد إلى لبنان عام 1976 بأوامر أميركية، وبهدف ضرب حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية. ولم يخرج منه عام 2005، إلّا بعد أن قضى على حركات المقاومة الوطنية، وبعد أنْ ثبّتَ وجود حزب الله، دويلة إيرانية داخل الدولة اللبنانية، هدفُها ووظيفتها احتكار المقاومة، وبالتالي، منع أية حركة مقاومة أخرى من الاقتراب من الحدود الفلسطينية. وسقوط نظام الأسد قد يهدّد لبنان بالعودة إلى ما قبل 1976، ليس باحتمال نشوب حرب أهلية فحسب، بل باحتمال انفتاح الحدود اللبنانية الفلسطينية أمام حركات المقاومة الوطنية.

خامساً: الخوف من البديل: النظام الجديد الذي سيحلُّ محلَّ نظام الأسد، سيكون منفتحاً على معظم الدول العربية (ولا سيّما دول الخليج)، وعلى معظم الدول الأوروبية وتركيا وأميركا، وهذا ما يتضّح من مواقف الدول المذكورة، ومنها مجموعة "أصدقاء الشعب السوري" التي تضمّ سبعين بلداً، وبالتالي، سيكون النظام الجديد أقوى استراتيجياً من نظام الأسد، المعزول إقليمياً ودولياً، باستثناء حليفيه الإيراني والروسي.

كما أن قيام نظام ديمقراطي في سورية، يسودُه القانون ويحقّق العدالة الاجتماعية، نظام يُنهي عقود الاستبداد والفساد؛ سوف يشكّل منافساً للتفوّق الإسرائيلي في المنطقة، وتحديداً تفوّقها الديمقراطي والاقتصادي والعلمي. وفي حال قيام نظام ديمقراطي مماثل في مصر، مدة تسمح بترسيخ الديمقراطية ونهضة الاقتصاد، سوف تصبح إسرائيل الدولة الأضعف بين الإقليمين. وقد كان هذا الطرح مقبولاً في بداية الربيع العربي، أما، اليوم، فقد أصبح ضرباً من الخيال. وذلك بعد التدمير الممنهج للدولة والشعب السوريين، وبعد انقلاب العسكر على الشرعية في مصر. وفي النهاية، إسرائيل سعيدة بتدمير سورية على يد جيشها "الوطني"، وسعيدة بتدمير هذا الجيش نفسه، بعد اتخاذه قرار الحرب على شعبه. لكنها تخشى في المقابل، من دخول سورية في دوّامة الفوضى المستمرة، والتي بدأتْ بدخول الميليشيات الشيعية من لبنان (حزب الله) والعراق (عصائب أهل الحق، لواء أبو الفضل العباس) وإيران (فيلق بدر، الحرس الثوري)، ودخول التنظيمات الموضوعة على لائحة الإرهاب الدولية "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة". فالجيش الإسرائيلي مدرّب على محاربة جيوش نظامية، ولذلك، يخشى من تفكّك الجيوش العربية، وتحوّلها إلى ميليشيات، وهذا ما يحدث فعلياً منذ ثلاث سنوات. كما تتميّز الأنظمة الشمولية الاستبدادية، مثل نظام الأسد، بأنّ لها قيادة سياسية وعسكرية مركزية موحّدة، تستطيع إسرائيل التواصل معها والتفاهم معها حول أي موضوع، بعكس الكتائب والميليشيات المتفرقة والمتبعثرة.