لماذا سيفشل نظام الأسد في إعادة بناء شرعيته؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-12-14
تشاتام هاوس - ترجمة السورية نت
المؤلف: 

بعد عمليات ناجحة لاسترجاع المناطق يمارس النظام السوري، مدعوماً من قبل حلفائه، حكمه على الأغلبية العظمى لسكان البلاد مرة أخرى. وبالتوازي مع هذه الاستراتيجية العسكرية، يحاول الآن دعم شرعيته بين السكان وتقديم نفسه كـ"مخلص" الدولة السورية.

النظام السياسي الشرعي يعني أن الشعب يثق بقدرته على حماية حقوقهم والحفاظ على أسس دولتهم. بشكل عام، النظام الشرعي مقبول من قبل المجتمع الدولي، وقادر على جعل الناس يمتثلون قرارته طوعاً كالممثل الوحيد لمصالحهم. ولذا فالشرعية أساسية لأي نظام سياسي لدوام سيطرته على البلاد.

النظام في سوريا واعٍ لكون شرعيته، التي كانت محلاً للجدل حتى من قبل عام 2011، قد تداعت بسبب العواقب الاجتماعية الاقتصادية الوخيمة التي تبعت الصراع وفقدان الهيمنة السياسية. لذا فهو يحاول بشدة إثبات شرعيته لكل من الشعب والمجتمع الدولي من خلال زعمه بقدرته على صون وحماية الأسس الرئيسية للدولة وهي الأرض والشعب وأجهزة الدولة. ولكن كل المزاعم الثلاثة هشة.

شرعية زائفة

استعادة السيطرة على مناطق متعددة من خلال التدخل العسكري قدم للنظام سبباً جيداً لتقديم نفسه كالسلطة الوحيدة القادرة على توحيد أراضي البلاد – بما فيها مرتفعات الجولان، التي تمثل هدفاً حساساً وجوهرياً يؤثر بصميم السوريين.

ولكن الحيازة على الأراضي لم تكن دون خسارة اقتصادية كبيرة (تقدر بحوالي سبع أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا عام 2010)، وتدهور التماسك الاجتماعي، ودمار هائل في منشآت الصحة والتعليم وطلب التدخل الأجنبي في البلاد.

قد يختلف السوريون حول الضرورة لعنف النظام، وإن كان في الأساس قتالاً ضد الإرهابيين أو قمعاً لحركة مدنية جريئة. ولكن يعتقد العديد أنه ومن خلال دوام العنف في البلاد، ألحق النظام الخراب بثروة وإمكانيات سوريا.

بين الشعب، يحرص النظام على عرض المناطق التي تحت سيطرته كمناطق آمنة كي يروج لعودة النازحين داخلياً واللاجئين. هذا الزعم تدعمه حالات العودة مؤخراً لبضع مئات من اللاجئين في لبنان بالتعاون مع حزب الله، حليف النظام القوي.

ولكن، النصف مليون شخص الذين توفوا والأكثر من مليوني معاق، مع ملايين اللاجئين والنازحين داخلياً وآلاف المعتقلين والمختفين، يدحضون زعم النظام بأنه حام الشعب السوري وحقوقه.

وهناك أجهزة الدولة، التي كان يسيء النظام استعمالها منذ السبعينيات من خلال زعمه أن هذه الأجهزة لن تعمل دون سلطته الراهنة. خلال الصراع، استمر النظام بالاعتماد على هيمنته على كيانات الدولة المدنية ومنشآت تقديم الخدمات العامة. لقد طمح لتقديم الحد الأدنى من الخدمات العامة ولتسهيل نشاطات إعادة الإعمار البسيطة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

ولكن المسؤولين الهامين الفاسدين، والأصدقاء من أصحاب رؤوس الأموال، وأمراء الحرب الموالين أساؤوا استخدامها وأصدروا قوانين أضعفت من أجهزة الدولة لمصالحهم الخاصة.

إنشاء الشرعية الحقيقة

نظراً لهشاشة تلك الأعمدة الثلاث للشرعية، تحول النظام لاستراتيجية مختلفة لبناء دعم سياسي ضعيف ولكن متعمد من الشعب: تعميق حالة الخوف والإحباط لديهم.

لا يتسامح النظام مع المعارضة وقد حاول القضاء على كل الحركات المدنية والنشاط. إنه يزعم أنه البديل الوحيد للفوضى والتطرف. ولكن حتى لو تمكن ذلك من توليد استقرار على المدى القريب، فلا يمكن أن يقود الخوف والإحباط لسلام دائم.

عوضاً عن ذلك، الخطوة الأولى تجاه سلطة شرعية لا بد أن تكون إنشاء مجال حر ومحمي للحوار التفاعلي على الأرض السورية. وهذه ليست بالخطوة السهلة، ويجب أن تيم تحقيقها تدريجياً لأنها تتطلب جهود كل من الأطراف المحلية والدولية.

مشاركة المجتمع المدني أساسية. على الرغم من العديد من التحديات، ما يزال هناك مجتمع مدني فاعل في سوريا، ويجب أن تكون حاجاته وتطلعاته أساس الشرعية لأي سلطة حاكمة.

لا يستطيع النظام الاستمرار بكونه تلك الشرعية، ما لم يتم القيام بتغييرات هيكلية لكسر هيمنة النظام على مؤسسات الدولة ومن ثم تحويل دور تلك المؤسسات من القمع والطغيان إلى الشمولية والمشاركة. دون تلك الخطوات، سيفشل النظام مجدداً بالحصول على الشرعية الحقيقية، وستستمر البلاد بمواجهة الصراعات والمستقبل المجهول.

للاطلاع على المقال من المصدر: https://www.chathamhouse.org/expert/comment/back-control-syria-s-regime-...