لماذا ظفر ترمب بالرئاسة؟ ولم قد يفوز أمثاله مستقبلا؟

صورة أحمد زهاء الدين عبيدات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/11/2016
الجزيرة نت

يتساءل بعض المثقفين كيف لدونالد ترمب، البذيء وغير المتزن والمنعدم الخبرة في شؤون إدارة الحكومات وصاحب التاريخ المشبوه أن يفوز برئاسة الدولة العظمى؟"

لقد جاء هذا الرجل بالشناعات حيث قال أمام الكاميرات إنه لو أطلق النار على أحد الناس لما عزف عنه الناخبون، وإن النساء لا يبالين لو أمسكهن متحرشا، وأمر الحشود الداعمة له بضرب الهاتفين ضده، وهدد بتهجير ملايين المهاجرين من أميركا. كيف لمن جمع هذه الرزايا أن ينتخب رئيسا في بلد تعدد الأعراق؟

يسارع البعض إلى الجواب في كون بعض العنصريين ساخطين على وجود رئيس أسود، لكن الاقتصار على هذا التعليل مردودٌ لكون غالبية الأميركيين صوتوا لأوباما الأسود مرتين. وقد يعلل فوز ترمب بالغضب من عجز أوباما عن تنفيذ التغيير الشامل فصوت الناس لمن هو خارج المؤسسة السياسية تماما حتى يكون متحررا من قيودها. وهذا تصور سليم، لكن التعليل أعقد، وهو ما أوجزه في رباعي من العلل يختص بالاقتصاد المعولم، والإعلام المخصْخص، والأخلاق المخصْخصة، والمتاجرة بالإرهاب، ثم أزيد عنصرا خامسا.
1- لقد تحولت أميركا من دولة صناعية إلى دولة خدمية عالية التقنية بنهاية التسعينات، حيث نقل أرباب المصانع شركاتهم للخارج بحثا عن العمالة الرخيصة، وهذا مما يعظم أرباح أرباب المصانع. 

بل إن عمليات المكننة أو التأليل (بالآلات) المرتبطة بمواقع البيع على الشبكة المعلوماتية قد عظمت من إحالة الكثيرين خارج الخدمة. ومن خلال هذين الأمرين ازدادت طبقة الأغنياء (المشكلين لواحد بالمئة من الشعب) ليستولوا على قرابة ربع الدخل السنوي، وصعدت مداخيل أصحاب المهن العليا، بينما آل حال عمال المصانع وغير المتعلمين للعمل دون عقود في الخدمات البسيطة. 

وهناك فرق هائل؛ فعمال المصانع قبيل التسعينات كانوا أصحاب تأمين صحي وتقاعد وراتب يقارب 40 ألف دولار سنويا أو يزيد. وهذا الدخل أعلى من رواتب كثير من وزراء حكومات العالم الثالث في تلك الفترة. كل هذا الرفاه تبدد تدريجيا منذ بدأ الرئيس ريغان في مقاومة النقابات في الثمانينات، ثم بشكل صارخ مع كلينتون في عمليات نقل المصانع. أي أن الحلم الأميركي بالحياة الرغيدة قد تبخر، كيف لا ومعدل دخل العائلة السنوي بعيد الحرب العالمية الثانية (بالقدرة الشرائية لهذه الأيام) هو 138 ألفا مقارنة بـ 57 ألفا لهذه الأيام. وهو ما يفسر شعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، أي لنرجع لأيام الخمسينات.

هذا التطور التاريخي حول قطاعا من الشعب الأميركي لحالة يرثى لها تفاقمت أثناء الكساد. وهكذا ظهر "الحزام الصدئ" للمناطق الواسعة التي أفرغت منها المصانع. وزد على ذلك أن الطبقة الوسطى من المتعلمين بدأت تتآكل أيضا، حيث انتشر تعيين الموظفين بصيغة الدوام الجزئي دون توظيف كامل.

2- ومما فاقم الأمر أن المساحة المخصصة لمناقشة القضايا العامة في الإعلام أخذت تتشوه؛ فالجرائد أخذت تغلق مع انتشار الشبكة المعلوماتية، كما أن القنوات الإعلامية أخذت تتغافل عن التغطية الشمولية والموضوعية لأن أصحاب البلايين أخذوا يسيطرون عليها. وهكذا صار أي كذب أو تزييف يطلق دون حساب، من نحو أن الاحتباس الحراري منعدم، وأن هناك حرقا نظيفا للفحم، وأن الطريقة المثلى للدفاع عن النفس هي حمل الأسلحة. وكل هذا الضخ الإعلامي صار مسلكا للإقناع الشعبي. 

3- وبما أن الخصخصة المعولمة تزاوجت مع احتكار الإعلام، فقد صارت المتاجرة بالإرهاب هي السردية الكبرى على مستوى العلاقات الدولية. فلم يعد هناك تخوف من الفاشية أو الشيوعية، بل كل التوجس صار ينصب على المسلمين! ففي بلد كأميركا يموت فيها ثلاثون ألفا كل سنة قتلا بالأسلحة ولا يهددها الإرهاب بأكثر من عشرين نفسا، فيما تغمض العيون عن مشاكل العصابات وقمع الشرطة وفوضى السلاح. 

وهكذا صار الإرهاب هو النجم المنتفخ الذي صار يخفي كل الشموس الساطعة. لكن هيهات، فالإرهاب نجم كاذب لا يقوى على التعامي عن الثلاثين ألفا من القتلى، بل إن من قتل من البرازيليين بسبب العنف هو أكثر ممن مات في سوريا سنة 2015 كما تصرح جريدة الأندبندنت! وهي معلومات صاعقة توضح مدى خبث المتاجرة بالإرهاب.

4- ضمن هذا الاضطراب فهل هناك قيم قائدة وبوصلة هادية لدى المهمشين؟ ماذا عن "العقلانية والموضوعية"؟ هذه القيم لم تعد محل اتفاق بسبب تراجع دعم الدولة للتعليم، ولأن الأكاديميا في الإنسانيات مرضت بسرطان ما بعد الحداثة وصارت القيم الكونية محل شك واستهزاء، ولأن خطاب الحقوق الفردية أصبح يأكل بعضه بعضا. فالنباتيون في تحقير لآكلي اللحم، والمثلية الجنسية في تنازع مع العائلية، والثقافات ما بعد الاستعمارية في تضارب مع التنوير. 

في هذا الحال من غياب منظومة أخلاقية مترابطة كالتقدمية العالمية صار المركز يتلاشى وصارت الثقافة تتفسخ. وهكذا رجعت فئات عريضة للقيم القديمة، فاشتدت العودة للمسيحية ضد المثليين، أو كراهية الهنود المبرمجين باعتبارهم مغتنمين للوظائف المجزية، أو التخوف من السود والمهاجرين. أوليس المثليون والنسويون والمسلمون هم من أدى لكل هذا الخراب العولمي؟ الجواب نفي قاطع، لكن مثله يدور في عقل بعض ناخبي ترمب.

الحاصل أن العولمة أفقرت، والإعلام المخصخص جهل، والأخلاق المخصخصة فككت التناغم الأخلاقي، وتجارة الإرهاب وحدت الغربيين على المسلمين بعيدا عن أنهار الدم الجارية. بعد ذلك يصير انتخاب ترمب مفهوما، خصوصا مع غياب منافس قوي كساندرز. إن صفات الغضب قد أسبغت على ترمب صفة القيادة القوية التي تتكلم بصراحة دون وجل. 

إن رباعي العلل لا يفسر قدوم ترمب فقط؛ بل يتنبأ بإمكان ظهور من هو على شاكلته في انتخابات قادمة. ولا ينبغي لأحد أن يرى الطريق الصواب بمعاكسة رباعي العلل بالاقتصاد القومي الحمائي، والإعلام المقدس للمصالح الوطنية، والعودة للتراثيات الأخلاقية الأحادية، والزعم بانعدام الإرهاب. ردة فعل من هذا النحو ترجع لزمن منع التعددية الثقافية. الصواب غير موجود في أي من النماذج الآفلة، بل الإبقاء على المفيد من رباعي العلل هو الأصوب:

1- الاستمرار في العولمة الاقتصادية بالتوازن مع حقوق الاقتصاد القومي، فلا مجال اليوم لحظر استيراد التقنيات اليابانية والمزروعات الاستوائية. ينبغي أن تجبر كل شركة تصنع في بلد وتبيع في آخر على مناصفة الضرائب أو أن توظف نصف موظفيها في بلاد المنشأ، ونصفا آخر في بلد المستقر، وهكذا ينتفع طرفا العولمة بالمناصفة.

2- تصويب الإعلام المخصخص بوضع شروط الموضوعية على نقل الخبر وشرط الشمولية للتغطية الإخبارية. فكما توضع شروط قانونية صارمة على صدق المكونات الغذائية وتقدم نصائح طبية لتوازن الأطعمة، فمكونات المعلومات الإخبارية وتنوعها لا تقل خطورة على صحة المجتمع. 

3- تقويم الأخلاق المخصخصة من خلال الحوار المنطقي والعلمي للتوصل لحلول وسط بين تكاثر نزاعات الحقوق الفردية، فيصار لتنازل كل طرف عن الإطلاق الشامل الذي يشتهيه. فالدنيا ليست ذكورية بالمطلق ولا كذلك نسوية. والمثلية لها وجود لكنها لا تزيد عن قدر معين لا ينبغي أن يعم المجتمع، وعلى الضد لا ينبغي أن ينشغل المجتمع بمحاربة أمور جنسية لا يمكن معرفتها لخفائها.

4- ترك المتاجرة بالإرهاب والذي يتلاعب به بعض المستبدين في العالم الثالث لكسب حظوة لدى الغرب، ولكون الغرب يتكسب من سردية الإرهاب حتى لا يقوم بعبئه الثقيل في رفع التهميش.

هذه الحركات التصحيحية للعناصر الأربعة مفتقرة لعنصر خامس ذي وجهين محلي ودولي في آن. هذا العنصر يتمثل في غياب الحاكمية الشعبية المباشرة للداخل الأميركي وغياب الحاكمية الشعبية لشعوب الكوكب في النظام العولمي. فمن الناحية الأميركية، فإن ترمب قد فاز بأصوات ممثلي الولايات، لا أصوات المقترعين الذين فازت هيلاري بعدد أكبر منهم. وهذا نظام قديم نشأ في بواكير أميركا في المرحلة الزراعية. هذا النظام يعطي الأولوية للولايات، لا الأغلبية الشعبية؛ إذ بمقتضاه تحكم جل الحواضر الأميركية من خلال أريافها! وهو نظام خطير جدا، لأنه يترك سكان الأرياف يقررون في مسائل عولمية وعلمية خارج أفق سكان الأرياف. لكن مسألة تقادم نظام الانتخاب في أميركا يتعاظم أثره على النطاق الدولي في كون الريفيين الأميركيين يقررون حياة المتمدنين في المناطق الأخرى من العالم اقتصادا وأخلاقا وسياسات أمنية. 

إن "التريف" في صناعة القرار الأميركي أسهم في "ترييف" عالمي نظرا لكون أميركا هي القاطرة التي تجر العالم، مما يجعل أي تباطؤ أو انحراف لدى هذه القاطرة يؤثر على كل المقطورات التابعة من دول العالم. فإذا صار إصلاح الدستور الأميركي ضرورة ماسة، يصير إصلاح النظام العالمي ضرورة أكثر إلحاحا للخروج من إطار القطبية الأحادية أو مجلس الأمن الدولي والدخول في التمثيل الشعبي المباشر لسكان الكوكب في الأمم المتحدة. 

إن الديموقراطية الكوكبية ضرورة عولمية يجب أن تتم بتجاوز ممثلي دول العالم الثالث وفيها ما فيها من الحكومات الفاسدة لمعرفة حاجات الناس. نحن الآن في عصر الشبكة المعلوماتية حيث صار التصويت المباشر على الشبكة المعلوماتية أمرا يسيرا من الناحية التقنية. من غير المعقول أن تستمر أزمات الكوكب الكبرى أمورا تحسمها غضبة عابرة تصدر عن سكان الريف الأميركي! كل هذا التشخيص هو مداواة للأمراض المزمنة لثقافة ما بعد الحداثة، من خلال الحداثة الراشدة، فالحداثة الرعناء هي من جاءت بترمب ولسوف تأتي بغيره إذا لم ترشد.

تعليقات