لماذا لن تنقل الولايات المتحدة قاعدتها من قطر؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/7/2017
العربي21

قبل عدة أيام فقط، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الانتقال من "قاعدة العديد" في قطر إلى أي قاعدة عسكرية أخرى في المنطقة لن يشكّل عقبة مهمة أمام الولايات المتحدة. 

وقال ترامب الذي دعم بشكل شخصي إجراءات المحور الرباعي الذي تقوده السعودية ضد قطر معلقا على هذا الموضوع: "إذا كان علينا مغادرة "قاعدة العديد" سيكون هناك عشرات الدول المستعدة لبناء واحدة جديدة لنا، وصدقني سيدفعون المال من أجل ذلك".

لا شك أن قرار بقاء أو مغادرة الجنود الأمريكيين في أي قاعدة عسكرية أمريكية حول العالم إنما يعود في نهاية المطاف إلى البلد المستضيف من جهة وإلى الرئيس الأمريكي والبنتاغون من جهة أخرى.

غالبا ما يتم اتخاذ قرار كهذا استنادا إلى معطيات دقيقة لا تخضع للتقلبات السياسية السريعة لأن خطط إنشاء قواعد عسكرية ونقل جنود ومعدات لها، وإطلاق عمليات منها يحتاج إلى استقرار تام ورؤية بعيدة المدى، لذلك فإن ما يقوله ترامب يبتعد تماما عن الواقعية.

قاعدة العديد في قطر تضم ما بين 9 إلى 11 ألف جندي أمريكي وهي تعتبر بمثابة مقر رئيسي متقدم للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) التي تشرف بشكل رئيسي على كل العمليات الأمريكية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط الكبير والمنطقة الواقعة في الدائرة المحيطة به.

لقد قامت قطر ببناء هذه القاعدة العسكرية، بينما كانت القوات الأمريكية الأساسية في المنطقة تتمركز في المملكة العربية السعودية. في العام 1996 تعرضت القوات الأمريكية هناك لعملية إرهابية ضخمة "تفجيرات الخبر"، وقد وضعت المملكة بعدها الكثير من القيود المتعلقة بإجراءات الأمن والسلامة على المراكز الأمريكية في البلاد من أجل حمايتها. 

في نهاية المطاف فضلت المملكة الطلب من الأمريكين مغادرة قواعدهم فيها لأنها أصبحت تتسبب في استثارة غضب شعبي داخلي ضد النظام السعودي بالإضافة إلى كونها هدفا مرغوبا من قبل العديد من الجماعات الإرهابية وقد يتسبب ذلك بمشكلة كبيرة للنظام الحاكم وللأمن في البلاد.

استغلت الدوحة هذا الوضع وأرادت أن تثبت أنها شريك يمكن الوثوق به والاعتماد عليه، ويتمتع بالاستقرار اللازم في الداخل وفي عملية صنع القرار بما يسمح للجانب الأمريكي بالعمل دون أي مشاكل تذكر.

وبالفعل استضافت قطر القوات الأمريكية ولا تزال فيها منذ حوال عقدين. إن قرار بناء وتشغيل مثل هذه القاعدة يحتاج إلى سنوات طويلة وأموال كثيرة والأهم من ذلك أنه يحتاج إلى استقرار في البلد المضيف ودرجة أمان عالية. فضلا عن ذلك فإن عوامل مثل الموقع الجغرافي للدولة المضيفة ومدى الحرية المتاحة للقوات الأمريكية أو القيود المفروضة عليها كلها أمور تلعب دورا في اختيار القاعدة المناسبة في المكان المناسب.

هذه المعطيات بالتحديد تعني أن ما ذكره ترامب عن إمكانية تطوع عشرات البلدان لبناء قاعدة عسكرية أمريكية لاستضافة القوات الأمريكية هو أمر غير صحيح وغير واقعي. فالشروط التي تطرقنا إليها ليست متوافرة في بلدان المنطقة ولا حتى بما يوازي عدد أصابع اليد الواحدة.

نظريا، من الممكن للإمارات فقط أن تكون المرشح لمثل هذا الأمر، فقد كشفته الرسائل المسربة عن انخراط سفير الإمارات في واشنطن في محاولات حثيثة لإقناع الجانب الأمريكي بنقل مقره من الدوحة، ولا شك أنه بإمكان أبوظبي أن تدفع المال اللازم لبنائها، لكن في الإمارات يوجد بالفعل قواعد عسكرية لعدة دول بينها أمريكا وفرنسا، لذلك ليس هناك فائدة للجانب الأمريكي في تركيز البيض في سلة واحدة. 

فضلا عن ذلك، فإن الوضع المالي والسياسي للدوحة أفضل بكثير من نظيره الإماراتي الذي يخوض حربا على معارضين له وللأنظمة التي يدعمها خارج حدوده انطلاقا من تخوف داخلي على الوضع السياسي. 

وحتى لو افترضنا جدلا أن الولايات المتحدة قد قررت الآن الاستغناء عن "قاعدة العديد" في قطر، فهذا يعني أنها ستكون بحاجة إلى وقت طويل لبناء قاعدة أخرى أو لإيجاد قاعدة مناسبة -إذا كان بإمكانها فعل ذلك - سواء فيما يتعلق بالبلد المضيف أو فيما يتعلق بالخصائص المطلوبة أو بالتكاليف المالية للتشغيل. 

الولايات المتحدة مستقرة في قاعدة العديد منذ حوال عقدين من الزمن، وهذا يوفر عليها التكاليف فضلا عن القيود كما ذكرنا وأي عملية نقل ستخرب هذا الأمر وستعرقل عملياتها الرئيسية الجارية في المنطقة.

على سبيل المثال، الولايات المتحدة لم تستطع إيجاد من يستضيف قاعدتها (افريكوم) -القاعدة العسكرية الأمريكية في أفريقيا- بالرغم من عدد الدول الهائل الذي تضمه القارة الإفريقية. كما لم تسطع أن تضع هذه القاعدة حتى في نطاق جغرافي قريب، ولذلك فالقارئ قد يستغرب مثلا عندما يعلم أن مقر القاعدة الأمريكية (افريكوم) هي في أوروبا وتحديدا في ألمانيا!

هذه وقائع من المفترض أن البنتاغون يعلمها بدقّة ولذلك فإن خطاب ترامب يرتبط بالرسالة السياسية التي يريد أن يوجهها لقطر من خلال هذا الكلام، ولا يرتبط بأي حقائق أخرى لأنها كما ذكرنا تتناقض مع تصريحه تماما.

فحوى الرسالة السياسية هو أنه ليس بإمكان قطر أن تطمئن إلى موقفها بالاستناد إلى تواجد القاعدة العسكرية الامريكية لديها، وأنها اذا كانت تعتقد ذلك فبالإمكان نقل القاعدة وبالتالي إعطاء الضوء الأخضر للرباعي المعادي للدوحة ليقوم ربما بما هو أكبر من مجرد ابتزاز أو حصار.

لكن مثل هذه الرسالة تتناقض أيضا مع المصالح الأمريكية. فإذا سلمنا جدلا أن ترامب سيفعل ذلك، فإن الدول الحليفة أو الشريكة لواشنطن لاسيما تلك الصغيرة جغرافيا لن تثق بعد اليوم بضمانة الشراكات الدفاعية أو الأمنية مع أمريكا وفي هذا الأمر ضربة كبيرة لمصداقية واشنطن المتصدعة أصلا، كما أنه لا يترك أي خيار لهذه الدول باستثناء طلب مساعدة خصوم أو منافسي الولايات المتحدة حول العالم، ولا يوجد عاقل يعتقد أنه أمر إيجابي.

وبهذا المعنى فإن رحلت أمريكا عن قاعدة العديد، فإن الأخيرة لن تبقى فارغة بالتأكيد وسيكون هناك على الأرجح من القوى الدولية والإقليمية من يريد أن يملأ هذا الفراغ الذي يمنح إطلالة إستراتيجية مهمة على الخليج مهما كان الثمن المطلوب.

تعليقات