لماذا يتعمد نظام الأسد قصف الجيش التركي بحماه؟.. مُحلَلونَ سوريون وأتراك لـ"السورية نت": هذه الأسباب والتداعيات والسيناريوهات

دورية المراقبة التركية الأولى شرقي إدلب (الأناضول)
الأحد 16 يونيو / حزيران 2019

اتجهت الأوضاع الميدانية في محافظة إدلب وأرياف حماة الشمالي والغربي، إلى منحى جديد تمثل بإقدام قوات الأسد، على قصف نقاط المراقبة التركية، بقذائف المدفعية والهاون، بعد فشلها في إحراز أي تقدم عسكري على الأرض، رغم الدعم الروسي الكبير المقدم لها من خلال الطيران الحربي والمستشارين والخبراء الذين يعملون خلف خطوط المعارك.

آخر الاستهدافات سُجلت فجر اليوم الأحد، 16 يونيو/حزيران، بقصف نقطة المراقبة التركية في مورك بريف حماة الشمالي، وسبقها استهدافات متكررة لنقطة شير المغار التي تقع في جبل شحشبو بريف حماة الغربي، والتي أصيبَ فيها جنود أتراك، إلى جانب خسائر مادية وثقت بصور نشرها ناشطون من ريف حماة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لا يوجد فارق بين الاستهدافات التي طالت مورك وشير المغار، إلا من ناحية واحدة، هي أن قصف الأولى جاء بعد التهديدات التركية التي أطلقت على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو، حيث قالا قبل يومين، إن بلادهم سترد بقوة في حال استمرار هذا القصف، وهو الأمر الذي لم يعطي له النظام السوري بالاً، ضارباً بعرض الحائط جميع التفاهمات الخاصة بالمنطقة المنصوص عليها في اتفاق "سوتشي" الذي تم توقيعه في شهر سبتمبر/أيلول 2018.

نظام الأسد لم يعلن عن أي استهداف له لنقاط المراقبة حتى الآن، كما لم تعلق روسيا على الأمر، باستثناء زعمها منذ يومين، بأن "الإرهابيين" نفذوا الهجوم، وهي التي أعلنت بالتزامن، عن هدنة تنص على وقف إطلاق نار تام على الجبهات العسكرية، لكنها لم تطبقها واستمرت بتصعيدها العسكري الذي تقوم به طائراتها الحربية على قرى ومناطق ريف إدلب الجنوبي.

ونشر الجيش التركي، 12 نقطة مراقبة في محافظة إدلب بموجب اتفاق "أستانة"، وعززها بآليات وعناصر على مدار الأشهر الماضية. وتعتبر نقطتي شير المغار ومورك الأبرز، كونهما قريبتان من خط المعارك في الريفين الشمالي والغربي لحماة.

معارك "كسر عظم" على الأرض

قبل الحديث عن تبعات قصف قوات الأسد لنقاط المراقبة لا بد من التطرق إلى الواقع الميداني على الأرض في أكثر من 40 يوماً مضت، فقوات الأسد عجزت عن التقدم في مناطق واسعة كما كانت خخطت؛ واقتصرت سيطرتها ضمن العملية العسكرية الواسعة على بلدة القصابية في ريف إدلب الجنوبي وكفرنبودة في ريف حماة الشمالي إلى جانب قلعة المضيق، وقرى بمحيط هذه المناطق.

مؤخراً أطلقت فصائل المعارضة عملية عسكرية تمكنت من خلالها من السيطرة على مواقع استراتيجية في ريف حماة الشمالي هي تل ملح والجبين، ولا تزال تحتفظ بها حتى الآن رغم محاولات التقدم المتكررة لقوات الأسد، والتي تكبدت فيها خسائر بشرية ومادية.

إلى الشمال الغربي من محافظة إدلب لم يختلف الواقع الميداني فيه كثيراً عن الجنوب، فقرية أو تلة كبانة، باتت نقطة عسكرية مستعصية أمام قوات الأسد، إذ فشلت مراراً في التقدم والسيطرة عليها، بسبب تصدي الفصائل العسكرية هناك، وخاصة الجماعات الجهادية بينها "هيئة تحرير الشام" و"الحزب التركستاني".

الاستعصاء الميداني على الأرض دفع روسيا في اليومين الماضيين إلى إعلان هدنة رفضتها فصائل المعارضة، التي تتصدرها "الجبهة الوطنية للتحرير"، ولم تعلق عليها تركيا سواء بالتأكيد أو النفي، لكن بموازاة ذلك تحدثت موسكو عن تلقيها إحداثيات لمواقع الفصائل من قبل تركيا لقصفها، وهو الأمر الذي نفته الأخيرة ضمن بيان لوزارة دفاعها.

ثنائية اس400 واف35؟

قد لا يكون سببٌ التطورات الأخيرة، والتصعيد الذي يتجه نحو مزيدٍ من التعقيد، مُحدداً تماماً، إذ هناك سيناريوهات عدة، تتداخل فيما بينها، لتبلورَ صورة المشهد المتأزم في شمال غربي البلاد.

في هذا السياق، لا يُمكن استبعاد فرضية، أن أحد مسببات التصعيد، عبر تكثيف الغارات والقصف ومحاولات التقدم البرية لروسيا وقوات الأسد، ومؤخراً تعمد النظام بضرب نقاط للجيش التركي، هو توجس روسيا، من تقارب رؤى أنقرة وواشنطن، حيال شمال غربي سورية؛ وما قاله وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، قبل نحو أسبوعين، عن أن بلاده ترى "مرونة" أمريكية حيال المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا في شمال سورية.

فموسكو تدرك، أن تقارب أنقرة مع واشنطن، يتناسب عكساً في العلاقات التركية –الروسية، خاصة في ظل ثنائياتٍ تركية – روسية، وأمريكية-تركية، حول صفقات "اس-400"، و"اف-35".

نقاط المراقبة حاجز أمام حملة النظام والروس

يتوقع العقيد والمحلل العسكري أحمد حمادة، أن قصف نقاط المراقبة في مورك وشير المغار من قبل قوات الأسد، محاولة من قبل روسيا والنظام السوري على إجبار الأتراك، لسحب نقاط المراقبة من تلك المنطقة، لأنها حتى الآن تُشكل مانعاً للنظام من اجتياح الشمال السوري.

ويقول حمادة لـ"السورية نت":"الاستهدافات تُعطي أن هناك توتر وتأزم للعلاقة ما بين تركيا وروسيا حول منطقة إدلب، حيث تريد تركيا استمرار الهدوء وتطبيق اتفاق سوتشي، بينما يصر الروس على الحل العسكري متذرعين بوجود تنظيمات إرهابية وبأن تركيا لم تقم بما يجب عليها في المنطقة".

وتحمّل تركيا الروس وفق حمادة مسؤولية عدم تطبيقهم اتفاق "سوتشي"، وخاصة في إبعاد قوات النظام إلى مسافة محددة عن النقطة صفر، من المنطقة المنزوعة السلاح.

ويضيف المحلل أن روسيا تحاور تركيا دبلوماسياً، حول الاتفاق والتهدئة، وعينها على خروج القوات التركية من المنطقة، للسيطرة الميدانية وتمكين نظام الأسد على كل النقاط التي هي خارج سيطرته.

أوراق قوة

لكن ما هي أوراق القوة التي تمسكها تركيا في الشمال السوري؟، والتي تحافظ من خلالها على الوجود العسكري المتمثل بـ12 نقطة مراقبة، مُحصنة ومجهزة بآليات وعربات عسكرية.

يرى حمادة أول نقاط القوة، أن تركيا دولة إقليمية كبيرة، ولها تأييد دولي، مشيراً في حديثه إلى الاجتماع الرباعي الذي عقدته تركيا مع فرنسا وروسيا وألمانيا العام الماضي، وخرجوا منه بتوصيات دعم اتفاق "سوتشي" والتهدئة في إدلب، مُشيراً إلى أن أي عمل عسكري، سيؤدي إلى كارثة إنسانية، وبالتالي تهجير 4 ملايين سوري.

في ذات السياق يقول حمادة، إن جس النبض الذي قامت به روسيا والنظام السوري وإيران في الشهرين الماضيين في سهل الغاب بريف حماة الغربي، يعتبر لصالح تركيا، حيث فشلوا في تطبيق العمل العسكري الذي خططوا له في عمليتهم الواسعة.

 ويضيف أن روسيا والنظام والميليشيات الإيرانية فشلوا في السيطرة على أجزاء واسعة في حماة وريف إدلب، والمُخطط الروسي لم يتحقق على أرض الواقع، لافتاً إلى أن "روسيا جسّت نبض الفصائل ورأت التصدي والإصرار، وهو أمر أدى إلى تصعيد السياسة الروسية والعملية في إدلب".ٍ

"سوء تقدير وقرار متهور"

من جانب آخر يرى الصحفي و المحلل التركي، حمزة تكين، أن قصف نقاط المراقبة من قبل نظام الأسد، جاء بطريقة متهورة وغير مدروسة، "فهو(النظام) يتصرف دون أي استراتيجية، وما يؤكد ذلك ما عمل عليه في السنوات الماضية".

ويقول تكين لـ"السورية نت"، إن ما حصل على الأرجح هو "سوء تقدير وقرار متهور من النظام السوري، حيث حاول أن يستفز تركيا، وحاول أن يوهم أن تركيا ضعيفة في هذا الميدان، لكن أتى الرد سريعاً في أقل من ساعة، والمدفعية التركية مُستمرة بقصف قوات النظام جنوب إدلب".

ويعتبر المحلل التركي أن الرد ليس عادياً، وبيان وزارة الدفاع التركية ذكر بالسياق أن "أسلحة ثقيلة جدًا تُستخدم في قصف مناطق النظام السوري، وهذا يعني أن الرد كان حازماً على النظام وعلى روسيا إذا كانت خلف الأمر، والذي جاء بعد ساعات على تهديدات الرئيس أردوغان أن تركيا لن تسكت".

وربما حاولت روسيا وإيران أن تختبرا صدق تصريحات أردوغان وصلابة الموقف التركي، وفق تكين الذي أشار إلى أن "الجواب أتى على الفور بالرد التركي بالسرعة والحجم والنوعية من الأسلحة".

وقالت وزارة الدفاع التركية عبر "تويتر"، اليوم الأحد، إن نقطة المراقبة التاسعة التابعة لها في إدلب (مورك) تعرضت لما يمكن تقديره بأنه قصف متعمد من قبل قوات النظام السوري الموجودة في منطقة تل بازان بقذائف مدفعية والهاون.

وأضافت الدفاع التركية  أنه "تم الرد على مصدر النيران"، دون التطرق إلى تفاصيل الحادثة من ناحية الخسائر.
دلالات الرد

الرد التركي على مواقع النظام يحمل عدة دلالات وفق تكين، إذ يعتبر أنه رسالة سياسية لروسيا وإيران، عن أن زعزعة الاستقرار واستهداف تركيا هي لعبة ضعيفة وأن تركيا لن تسكت على الإطلاق.

ويتوقع المحلل التركي أن يكون قصف النظام السوري لنقاط المراقبة عملية "جس نبض" واختبار لصدق أردوغان بشأن التهديد بالرد.

وتعتبر التطورات السابقة مؤشراً على ازدياد حدة التوتر بين الجانبين الروسي والتركي، والذي قد يتصاعد في الأيام المقبلة في حال استمر القصف على نقاط المراقبة التركية.

هل تسحب تركيا نقاط المراقبة؟

في ظل الظروف الحالية التي يشهدها الشمال السوري تُطرح عدة تساؤلات عن مصير نقاط المراقبة التركية في الأيام المقبلة، خاصةً أن نيران العملية العسكرية باتت موجهة عليها بعد إفراغ المنطقة بشكل كامل من السكان.

ويعتبر تكين أن "تركيا جادة في منع النظام السوري وروسيا وإيران من تحقيق ما يريدونه في إدلب"، موضحاً أن تركيا لن تسحب نقاط المراقبة الخاصة بها على الإطلاق، و"ربما تزيد قواتها"، وهو ما بدا في الساعات الماضية إذ دخل رتل تركي لتعزيز نقطة المراقبة في شير المغار التي تعرضت للقصف مؤخراً.

"القرار التركي واضح لا يحتاج تحليل، وتركيا مصممة على البقاء في إدلب طالما أن أهالي إدلب يريدون ذلك"، وفق تكين،  لافتاً "لا تراجع في الموقف التركي فيما يتعلق بإدلب، وتركيا لا تريد تصعيد الوضع على الأرض، كي لا تستغل روسيا وإيران الأمر ويبدأون بتصعيد القصف على المدنيين".

وبحسب المحلل التركي تريد تركيا أن تبقي على اتفاق "سوتشي"، وبالتالي حماية المحافظة من أي عملية برية قد يفكر بها النظام وروسيا وإيران، مشيراً إلى أن "تركيا مع الحلول الدبلوماسية، لكن في حال لم تكن مجدية فالرد سيكون بالمدفعية والطيران، ولا يوحد خيار أمام تركيا في ذلك".

المصدر: 
خاص: السورية.نت