لماذا يموت الإيرانيون في سامراء؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/1/2015
العربي الجديد

لم تشهد منطقة في العراق قتلى بين الإيرانيين كما شهدت مدينة سامراء، شمال العاصمة بغداد، والتي تضم مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، المقدَّسَيْن لدى الشيعة في العراق والعالم. وتفيد التقارير الإخبارية بأن الحرس الثوري الإيراني وقياداته يوجدون بشكل لافت في سامراء، بينهم قادة كبار، كما سبق وأن أعلنت إيران عن مقتل بعضهم في معارك هناك. وذكرت تقارير أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) اشتبك مع الحرس الثوري الإيراني أربع مرات على الأقل، وكانت المواجهات عنيفة وعنيفة جداً، أدت إلى خسائر كبيرة في صفوف القوات الإيرانية، والعراقية، ومعها مليشيات ما يعرف بالحشد الشعبي.

وعلى الرغم من أن تنظيم الدولة يسيطر على أماكن عدة في العراق، ومنها جزء كبير من محافظة الأنبار (غرب)، ناهيك عن مدينة الموصل وجزء من محافظة صلاح الدين، إلا أن سامراء مثلت للإيرانيين خطاً أحمر، لا ترغب في أن تتجاوزه داعش، ولعل لذلك أسباباً عدة.

تمتاز سامراء بقدسية، ربما لا تقل عن قدسية النجف وكربلاء عند الشيعة، وربما هو أمر يبرر للإيرانيين حشد مقاتليهم للذهاب إلى هناك، كما فعلوا مع مرقد السيدة زينب في دمشق، عندما ادعت إيران، ومن بعدها أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، أنهم ذهبوا إلى هناك للدفاع عن المقدسات، غير أن ذلك لا يبدو السبب الأهم لإيران، فالمقدسات ما هي إلا وسيلة لإقناع سذّج القوم بمرامٍ أبعد وأهداف أعقد وأعمق. وتدرك إيران أن سامراء، بما تمثله من توسط بين بغداد والموصل، يمكن أن تشكل القشة التي قد تقصم ظهر الحكومة العراقية، فسيطرة تنظيم الدولة عليها تجعله قريباً من بغداد، كما أنها تمنحه سيطرة مهمة على الطريق الرابط بين بغداد والموصل، وبالتالي، حرمان الحكومة العراقية، المدعومة إيرانياً، من التحرك لبسط سيطرتها على مناطق ما بعد سامراء، سواء الموجودة في تكريت، أو حتى في الموصل، مع العلم بأن هناك طرقاً أخرى، غير أن سامراء تبقى الأهم، حيث ستؤدي سيطرة التنظيم عليها، بالتأكيد، إلى التمدد إلى مناطق قريبة من بغداد، مما سيمنح التنظيم فرصة لعملية التفاف على مناطق شيعية في تكريت، مثل بلد، ناهيك عمّا يمكن أن يشكل هذا الأمر من مغزى رمزي، قد يساهم في تشكيل قوة ضاغطة أكبر على حكومة حيدر العبادي الفتية.
ويمكن أن تشكل سامراء أيضاً، ضغطاً أكبر على كركوك، الغنية بالنفط، والتي يبدو أن التنظيم ما زال يراوده حلم السيطرة عليها، وهي بالنسبة لإيران، موقع حيوي، كونها تنتج كميات كبيرة من النفط، ومعلوم أن جزءاً منها يذهب إلى إيران عبر التهريب، والذي تنظمه أحزاب عراقية.

لهذه الأسباب وغيرها، تبدو سامراء حيزاً جغرافياً يستحق من إيران التضحية، وهو ما يفسر وجود هذا العدد الكبير من عناصر الحرس الثوري الإيراني فيها، وبالتالي، سقوط قتلى في صفوف هذه القوات.

الخطر الأكبر، وهنا نكتب حيث تدور معارك طاحنة في سامراء، أن تسمح إيران لتنظيم الدولة بالسيطرة على سامراء، مركز المدينة، حيث يوجد مرقدا الإمامين، الهادي والعسكري، وحيث يسيطر التنظيم على مناطق قريبة من مركز المدينة. وستدفع سيطرة التنظيم، من خلال تراجع تكتيكي من الحرس الثوري الإيراني، وسيطرة داعش عليها، بالضرورة إلى تفجير مرقدي الإمامين، كما فعل في تفجير جامع ومرقد النبي يونس في الموصل، وغيرها من المراقد في أماكن أخرى، في العراق وسورية.

ونتذكر جيداً ماذا فعلت إيران وحلفاؤها من المليشيات الشيعية في العراق، عقب تفجير مرقد الإمامين في سامراء في فبراير/شباط 2006، وكيف استثمرت تلك الحادثة للقيام بحملة تهجير واسعة لأهل السنة في بغداد، من خلال مقتلة عظيمة دفع ثمنها أكثر من ألفي عراقي في يوم، ناهيك عن السيطرة على مئات المساجد، وتهجير آلاف العوائل البغدادية.

هنا السيناريو الأسوأ والأكثر قتامة، عندما ستسمح إيران والمليشيات العراقية لداعش بالسيطرة على سامراء، عند ذاك فقط، سنشاهد سيناريو يجعل كل ما سال من دم عراقي، في السنوات الماضية، قطرة في بحر الانتقام الذي ستمارسه إيران ومليشياتها في العراق، والذي سيسفر، بالضرورة، عن تغيير ديمغرافي كبير وكبير جداً، وهذه المرة لن يكون وقتياَ أو محدوداً، يغادر معه العراق صوب الشرق أكثر وأكثر.