"لن نشارك بقتل السوريين".. شبان بالسويداء يرفضون محاولات الأسد إعادتهم لـ"بيت الطاعة"

من لقاء بشار الأسد مع أهالي ومختطفي السويداء - أرشيف
الأربعاء 21 نوفمبر / تشرين الثاني 2018

بعد نحو ثماني سنوات من اندلاع الثورة في سوريا، يتمسّك سليم برفضه أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، على غرار غالبية الشباب الدروز من أبناء محافظة السويداء، غير آبهين بدعوة حازمة وجهها لهم نظام الأسد مؤخراً للالتحاق بقواته.

وبعد أيام من الإفراج عن نساء وأطفال دروز من السويداء خطفهم تنظيم "الدولة الإسلامية" لأكثر من ثلاثة أشهر بعد هجمات شنها في المحافظة، وكانت الأكثر دموية ضد الأقلية الدرزية في البلاد، دعا بشار الأسد أبناء المنطقة للالتحاق بقواته، معتبراً التخلف عن ذلك بمثابة "تهرب من خدمة الوطن".

وطيلة السنوات الماضية من الحرب، تمكن دروز سوريا، الذين يشكلون ثلاثة في المئة من السكان، إلى حد كبير من تحييد أنفسهم عن تداعياتها. فلم يحملوا إجمالاً السلاح ضد النظام ولا انخرطوا في المعارضة باستثناء قلة. وتخلف عشرات آلاف الشبان عن التجنيد الإجباري، مستعيضين عن ذلك بحمل السلاح دفاعاً عن مناطقهم فقط، بينما غضّ النظام النظر عنهم.

ويقول سليم (27 عاماً)، وهو متخلف عن التجنيد ويستخدم اسماً مستعاراً، لوكالة "فرانس برس": "لا أريد أن يكون لي بصمة في حمام الدم السوري (...) لا أرغب بأن أقتل إبن حماة وحمص أو أي محافظة أخرى ليبقى فلان على كرسيه".

ويضيف "الجيش مقبرة للعمر والحياة، خصوصاً أن لا سقف يحدد مدة الخدمة خلال سنوات الحرب".

وباتت الخدمة الإلزامية تستمر سنوات عدة جراء الحرب، بعدما كانت مدتها الأساسية تقتصر على نحو عامين فقط، وخشية توقيفه على حواجز قوات النظام واقتياده إلى التجنيد، يحصر سليم تنقلاته ضمن حدود محافظته فقط.

وتتواجد حكومة النظام في محافظة السويداء عبر المؤسسات الرسمية والمراكز الأمنية، فيما تنتشر قوات الأسد حالياً على حواجز في محيط المحافظة.

"بيت الطاعة"

وكان سليم حمل السلاح مع مقاتلين محليين لصد هجوم شنّه "تنظيم الدولة" في 25 تموز/يوليو على مدينة السويداء وريفها الشرقي، ما تسبب بمقتل أكثر من 260 شخصاً. وخطف التنظيم حينها نحو 30 شخصاً، أفرج عن ستة منهم الشهر الماضي بموجب اتّفاق تبادل أسرى مع النظام. وفي الثامن من الشهر الحالي، أعلن النظام الإفراج عن باقي المختطفين زاعماً أن الأمر تم من خلال "عملية عسكرية". وكان خمسة منهم قتلوا خلال فترة الاحتجاز جراء إعدامات أو اشتباكات كما توفيت إمراة مسنة.

وأثناء استقباله وفداً من المختطفين المحررين وعائلاتهم الثلاثاء، ربط الأسد بين الهجوم وغياب انتشار قواته. وقال "لو كان كل الناس ملتحقين، كان الجيش تواجد في كل المناطق. لذلك أنا أقول، كل واحد تهرب من خدمة الجيش، هو تهرب من خدمة الوطن (...) ويتحمل ذنباً في كل مخطوف وشهيد".

يستغرب سليم تصريحات الأسد ويرى فيها نبرة تهديد. ويوضح "للمتخلفين عن الخدمة أسبابهم (...) والنظام يقول لنا: داعش أو الالتحاق بالخدمة" مؤكداً رفضه لها حتى لو فرضها النظام بالقوة.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية خطار أبو دياب، المواكب لوضع دروز السويداء، في تصريحات الأسد "تهويلاً لن ينفع"، معتبراً أنه "يريد أن يأخذ أهل السويداء ليكونوا طعماً لمعارك مستقبلية".

وبقيت محافظة السويداء بمنأى نسبياً عن الحرب باستثناء هجمات محدودة بين 2013 و2015 شنتها فصائل معارضة بعضها إسلامية متطرفة وتصدت لها مجموعات محلية أبرزها "مشايخ الكرامة"، التي ضمت رجال دين ومقاتلين رافضين لتجنيد الدروز خارج مناطقهم.

ويقول نور رضوان (26 عاماً)، مدير شبكة "السويداء 24" المحلية للأنباء، لـ"فرانس برس": "استفاد النظام من العنف المفرط الذي ارتكبه داعش ليحاول إعادة السويداء إلى بيت الطاعة، وها هو اليوم وبكل صراحة يعرض مقايضة: أمنكم وحمايتكم مقابل خدمتكم" في قواته.

في العام 2014، ومع توسّع المعارك في سوريا، بدأ الأهالي بمحاصرة كل مركز أمني يُعتقل فيه أحد أبنائهم لتخلفهم عن الخدمة حتى إطلاق سراحهم، بينما لم يقدم النظام المنشغل بجبهات أخرى على أي ردود فعل.

ويرى رضوان أنّ النظام حاول "احتواء أي حركة احتجاجية بأقل الخسائر انطلاقاً من تعامله مع الأقليات بحذر شديد".

لكن ذلك لم يمر من دون ثمن. ويتحدث سكان من المدينة عن فلتان أمني شهدته المحافظة خلال السنوات الماضية، عبر عمليات خطف مقابل فدية وقتل، من دون أي تدخل للمراكز الأمنية التابعة للنظام.

كما اتهم البعض على مواقع التواصل الاجتماعي قوات النظام بافساح المجال أمام الهجوم الأخير للتنظيم للضغط على أبناء المحافظة.

"محافظتنا أولى بنا"

ويقول الناشط والباحث همام الخطيب (37 عاماً) إن السويداء تتحول ليلاً الى "مدينة أشباح، يحمل المتنقلون فيها أسلحة فردية لحماية أنفسهم".

ويضيف "يستخدم النظام طرقاً أخرى في عقاب السويداء، كداعش بدلاً من البراميل، أو الفوضى والجريمة بدلاً من الاعتقالات".

بعد هجمات السويداء، انكفأ "تنظيم الدولة" إلى منطقة تلول الصفا المتاخمة للمحافظة، قبل أن يتعرض لغارات كثيفة ويخوض اشتباكات ضد قوات النظام التي تمكنت السبت من بسط سيطرتها على المنطقة.

وانسحب مقاتلو التنظيم، إلى البادية، بحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان" بناء على اتفاق مع النظام الذي تلقى وعوداً من مشايخ دروز بالعمل على إقناع الشباب للالتحاق بقوات النظام في حال إبعاد خطر التنظيم عن المحافظة.

ويقدر مدير المرصد رامي عبد الرحمن وجود 30 ألف شاب درزي متخلفين عن الخدمة، لافتاً إلى اجتماعات متتالية يجريها ضباط روس مع مشايخ دروز لتسوية هذا الملف

ورغم ذلك، يصرّ عديّ الخطيب (25 عاماً) على رفض التجنيد لأن "الحرب مستمرة والقتل مستمر. ونحن لسنا آلة للقتل".

ويضيف الشاب القاطن في السويداء: "شبّان السويداء متخلفون عن الجيش، وأنا منهم، لكننا نحن من تصدينا لاعتداء داعش والجيش لم يساندنا".

ويتساءل "كيف بإمكاننا اليوم أن نخلي المنطقة ونلتحق بالجيش؟ محافظتنا أولى بشبابها".

اقرأ أيضا: "نتنياهو" يكشف عن مقترح روسي بانسحاب إيران من سوريا مقابل تخفيف العقوبات

المصدر: 
أ ف ب - السورية نت

تعليقات