ليس الأخضر.. الذي فشل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/ 05 /2014
جريدة المستقبل

لم تكن إستقالة الأخضر الإبراهيمي مفاجأة. كان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية إلى سوريا يعدّ نفسه لإتخاذ مثل هذه الخطوة منذ فترة طويلة، أي منذ تأكّد من أن النظام السوري لا يريد حلّا سياسيا، وأن هذا الحلّ السياسي ليس ممكنا في ظل التعنّت الروسي والإيراني والتخاذل الأميركي. 
ربّما كانت نقطة التحوّل في إستقالة المبعوث العربي والدولي، الإستقالة التي سبقت قراره. إنّها إستقالة المجتمع الدولي في مواجهة الأزمة السورية... إنّها الإستقالة التي مهّدت لطلب الرجل إعفاءه من مهمّة التصدّي للمأساة الإنسانية الأكبر والأخطر على المنطقة كلّها منذ مطلع القرن الواحد والعشرين.
كان الأخضر الإبراهيمي يعرف مسبقا، وقبل غيره، أنّ النظام السوري لا يمكن أن يقبل حلّا سياسيا لسببين على الأقلّ. على الرغم من ذلك حاول التوصّل إلى مثل هذا الحلّ من زاوية حرصه على الشعب السوري وعلى سوريا في آن. هناك جانب إنساني وعربي داخل شخصية الإبراهيمي. يخفي هذا الجانب أحيانا إضطراره إلى التعاطي مع المشاكل السياسية والأزمات من زاوية الوسيط، الذي عليه النجاح في المهمّة المكلّف بها آخذا في الإعتبار الواقع القائم بدل التنميّات والمشاعر الشخصية والوطنية والإنسانية.
أمّا السببان اللذان يحولان دون الحلّ السياسي، واللذان لم يغيبا منذ البداية عن ذهن الوسيط العربي والدولي، فهما عائدان أوّلا إلى أن النظام السوري، بطبيعته وتركيبته، لا يمكن أن يقدم على أي خطوة ذات طابع إيجابي إذا لم يكن هناك ضغط كاف عليه. 
ما دام هذا الضغط غائبا، سيختار بشّار الأسد البقاء في دمشق حتى لو لم يبق سوري على قيد الحياة، ولم يبق حجر على حجر في أي مدينة أو قرية سورية.
يمكن إختصار السبب الثاني، المرتبط إلى حدّ كبير بالسبب الأوّل، في غياب الرغبة الدولية في الإقدام على خطوات جدّية يُستَشفّ منها أن هناك من يريد فعلاً تعديل ميزان القوى على الأرض في سوريا. وحده هذا التعديل، يمكن أن يقنع النظام بأنّ لا خيار أمامه سوى قبول مخرج سياسي يبدأ بالمرحلة الإنتقالية.
ثمّة بين العارفين بخبايا الوضع السوري والنظام، من يعزو فشل الإبراهيمي في تحقيق تقدّم على أي صعيد إلى شخصية بشّار الأسد. يعيش رئيس النظام السوري في عالم خاص به لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يدور على أرض سوريا وفي المنطقة والعالم. 
دفعه ذلك إلى الترشح مجددا للإنتخابات الرئاسية، التي هي مهزلة المهازل، على أنقاض سوريا. عمليا، رفض رئيس النظام السوري ما ورد في بيان جنيف الأوّل عن المرحلة الإنتقالية وما بحث فيه في مؤتمر جنيف ـ، الذي شارك فيه النظام والمعارضة، في شأن هذه المرحلة. في أساس المرحلة الإنتقالية، قيام حكومة أو هيئة «كاملة الصلاحيات» لا تضمّ بشّار الأسد تتولى إدارة شؤون البلد في إنتظار قيام نظام جديد يعيد سوريا إلى السوريين، أي ينتزعها من عائلة تسيطر على كلّ مرافق البلدن بما في ذلك الإقتصاد. 
في أيّام حافظ الأسد كانت سوريا ملكا لطائفة ولبعض المتحالفين معها من سنّة الأرياف. في عهد بشآر الأسد لم يعد هناك سوى العائلة والدائرين في فلكها يتحكّمون بكلّ شيء، بما في ذلك المنطقة الحرّة في المطار!.
تبيّن نتيجة جنيف ـ أنّ مثل هذا التحوّل، الذي لا تؤمنه سوى مرحلة إنتقالية تتولاها هيئة تمتلك الصلاحيات المطلوبة، ليس ممكنا. هناك نظام إيراني يؤمن بأنه «إما تكون سوريا لنا أو لا تكون لأحد». وهناك روسيا المستعدة لإرسال ما يكفي من الأسلحة إلى بشّار الأسد ما دام هناك في طهران مَن على إستعداد لدفع ثمنها. وهناك إدارة أميركية عاجزة عن إستيعاب ما هو على المحكّ في سوريا. لا هدف لهذه الإدارة سوى التوصّل إلى إتفاق مع إيران في شأن ملفّها النووي. وهناك أخيرا إسرائيل، التي تعتبر أن ليس أفضل من إستمرار الوضع الراهن، أي حرب الإستنزاف بين النظام والشعب السوري، كي لا تقوم لهذا البلد قيامة في يوم من الأيّام.
في ظلّ هذه المعادلة، التي سمتها الأساسية نشوء شرق أوسط جديد لا مكان فيه لحدود بين الدول، بعدما صار الإنتماء المذهبي فوق كلّ إعتبار، لا مجال لا لوساطة ولا لوسطاء، علما أن الأخضر بذل كلّ ما يستطيع من أجل التوصل إلى نقاط إلتقاء مع الإيرانيين. وقد زار طهران مرّات عدة لهذا الغرض، فيما كان على إتصال دائم بموسكو. 
كان عليه التحرّك في بيئة لم يعد فيها هناك من يسأل لماذا يمكن لميليشيا مذهبية لبنانية تابعة لإيران إسمها «حزب الله» المشاركة في ذبح الشعب السوري من منطلق طائفي بحت. لم يعد هناك، حتّى في الولايات المتحدة، من يعترض على التدخل العراقي في سوريا لمجرّد أن إيران تريد ذلك!. 
هل حرّرت أميركا العراق من نظام عائلي ـ بعثي من أجل إقامة نظام موال لإيران عماده الإنتماء المذهبي وحمايته الميليشيات الطائفية ولا شيء آخر غير ذلك؟
في مثل هذا المكان الذي إسمه سوريا، فشل الأخضر الإبراهيمي. قبل ذلك استسلم كوفي أنان. لم يكن الفشل فشلا للمبعوث العربي والدولي ولا استسلاما للأمين العام السابق للأمم المتحدة. مَن فشل ومَن إستسلم كان العالم بأسره الذي يبدو أنّه يريد الإنتهاء من سوريا بدل السعي إلى إعادة ترميم البلد الذي ستكون لتفتيته نتائج في غاية الخطورة على لبنان خصوصا، الذي غرق باللاجئين، وعلى المملكة الأردنية الهاشمية، إلى حدّ ما.
هناك ما هو أبعد بكثير من إستقالة الأخضر الإبراهيمي، هناك بكلّ وضوح مَن يريد الإنتهاء من سوريا. هناك مَن يريد لأزمة الكيان السوري التي بدأت مع إستقلال البلد أن تتفاعل وتبلغ نهايتها. 
هناك مَن يريد من بشّار الأسد الحصول على ولاية ثالثة كي يكون لسوريا «رئيس»، ليس معروفا من إنتخبه، يتمتّع بمشهد الدمار حوله من أعلى تلة صنعتها أشلاء السوريين.