لِمَ يبدو بشار الأسد معتداً بنفسه

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/2/2015
The Daily Star
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

قد يكون ظهور بشار الأسد معتداً بنفسه في مقابلات عدة أخيرة مبرراً، فكلما نظر الرئيس السوري حوله، يجد أن تطورات إقليمية عدة تسير لصالحه. إن كان ذلك يعني أن النظام قد نجا أو لا، فإن ذلك سؤال آخر، لكن وللمرة الأولى منذ أربعة أعوام يبدو أن سياساته الهمجية تؤتي أُكلها.

فجهود الأسد في عام 2011 لتصوير الثورة ضد حكمه وكأنها ليست سوى نتيجة عمل عصابات مسلحة إرهابية كانت كنبوءة حققت ذاتها. فقد ساعد النظام السوري على ضمان أن يتحكم المتطرفون بالثورة وعلى تحويلها إلى صراع طائفي. اليوم، حتى الدول العربية المعارضة للأسد جعلت الحملة ضد "داعش" من أولوياتها، متخلية عن كفاح السوريين ضد النظام السوري.

شكّل الإرهاب صيحة جديدة شتت معارضي الأسد، فمصر وعلى الرغم من علاقاتها الوثيقة مع المملكة العربية السعودية اتخذت مساراً مختلفاً عن الرياض، فبعد أن تمت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013، أعاد النظام العسكري الجديد في مصر إنشاء العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، والتي أوقفها مرسي. يواجه الرئيس عبد الفتاح السيسي مشكلته الخاصة مع الإرهاب في سيناء، وقد استضاف هذا الأسبوع أحد أهم داعمي الأسد، وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يسعى للاستفادة من التوتر بين القاهرة وواشنطن ويدفع لتحقيق خطته الخاصة للسلام في سورية.

لا بد أن الأسد سعيد أيضاً بالتحول الواضح في الموقف الأمريكي، فبينما يستمر المسؤولون الأمريكيون يرددون عبارة "على الأسد الرحيل"، إلا أن الواقع يقول إن إدارة أوباما تفضل الأسد على المجهول. أكثر من ذلك، فحتى إن لم تكن تعترف بهذا، فإن الولايات المتحدة تعلم أن القوات البرية ضرورية في محاولتها لـ"هزيمة داعش"، وبطريقة أو بأخرى فإن ذلك يعني وجود قوات الأسد في مناطق معينة من سورية.

فوق هذا كله، فإن واشنطن قد تتبنى موقفاً مؤيداً لإيران بشكل متزايد في الشرق الأوسط، مؤكدة لها أن الولايات المتحدة لا تنوي إضعاف الحلفاء الإيرانيين في العراق وسورية. في الواقع، يفضل الأمريكيون قاسم سليماني وحسن نصر الله على أبي بكر البغدادي. حتى في اليمن كان رد فعل الإدارة على السيطرة الحوثية خافتاً، مع تركيز الولايات المتحدة على متابعة عملياتها المضادة للإرهاب ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

أما فيما يخص لبنان، فقد أرسلت الولايات المتحدة مؤخراً أسلحة جديدة، بما فيها المدفعية الثقيلة، إلى الجيش اللبناني لمقاتلة الجماعات الجهادية المتواجدة على الحدود مع سورية بشكل أفضل. أكثر من هذا، فمبدأ "مكافحة الإرهاب" يعني أن لبنان قد أصبح طرفاً فاعلاً في الصراع السوري في القلمون، وهذا الموقف هو تماماً ما سعى النظام السوري وحزب الله لدفع الجيش نحوه، فهو يضيق على خطوط إمداد الثوار بين لبنان والقلمون.

لقد استفاد الأسد أيضاً من أخطاء أعداءه، فالمعارضة السورية الأكثر اعتدالاً لم تدرك أن القوة المتنامية لجبهة النصرة و"داعش" ستحول مفاهيم الثورة في سورية نحو التطرف، فبينما حذرت من أن النظام السوري سيستغل الحجة "لمكافحة الإرهاب" فشلت بالاستعداد لهذا الأمر بشكل كاف.

لعل قرار زهران علوش، قائد جيش الإسلام، بقصف دمشق أفاد النظام أكثر مع استهداف قواته للمناطق المدنية. فقد ركزت معظم وسائل الإعلام على القصف، متجاهلة الانتقام الوحشي الذي نفذه النظام ضد المدنيين في الغوطة الشرقية.

إن كان الأسد سينجو سياسياً، فإن ذلك سيعيد كتابة القواعد الدولية للسلوك، فإلى وقت متأخر أعلنت العديد من الحكومات الغربية بشكل طنان أنه "لا مكان" لقادة يتورطون بجرائم شاملة ضد السكان، لكن من سيستطيع تصديق مثل هذه السخافات مع استمرار الأسد بمجازر واسعة لأربعة أعوام تقريباً، دون أن يلقى رد فعل جماعي من المجتمع الدولي.

إن استحقت وحشية "داعش" رد فعل عسكري –وهي تستحق بالفعل– فإن الجرائم المتعددة اللامحدودة التي تتجاوزها والتي نفذها نظام الأسد تستحق رد فعل عسكري أيضاً. فالانتهاكات التي لم يقترفها النظام نادرة، من ذبح النساء والأطفال إلى إطلاق الأسلحة الكيميائية والصواريخ الفراغية على مناطق مدنية إلى استعمال أساليب التجويع. لكن الأسد بقي رغم كل ما فعله، مع طمأنة أوباما لإيران بأن الرئيس السوري آمن.

هذا الظلم سيكون له تبعات، صحيح أن "داعش" وجبهة النصرة قد ارتكبتا انتهاكات فظيعة، لكن اللامبالاة العالمية بالمعاناة السورية، مع الشعور السائد في المنطقة بأن النظام الطائفي قد سُمِحَ له بسحق سُنَةَ سورية، قد خدمهما كوسيلة تجنيد فاعلة، فوحده الأعمى من سيعجز عن رؤية الرابط القوي بين أساليب ترويع الأسد والدعوة الجهادية.

هذا يعني أنه حتى إن بقي الأسد في السلطة، فإن الجهاديين سيحافظون على قوة تجنيد هائلة، لكن الولايات المتحدة تبدو غافلة عن هذا، مع عزم أوباما على تفادي اتخاذ أي موقف حول مستقبل الأسد. إن للحرب الأمريكية ضد "داعش" مكون واحد، وهو البعد العسكري، مع إهمال المقاربة الأوسع لمنع ظهور جماعات جهادية جديدة. لذا، بينما يبدو الأسد راضياً على انحياز العوامل لصالحه، ستبقى سورية مزعزعة لوقت طويل.