مؤتمر القاهرة: الوقوع في الحفرة مرتين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/6/2015
السورية نت

تبدأ اليوم أعمال مؤتمر "القاهرة 2" الذي يضم شخصيات من المعارضة السورية تحت عنوان "المؤتمر الموسع للمعارضة والقوى الوطنية السورية"، وبادئ ذي بدء فإن هذا العنوان نفسه يحمل في طياته شيئاً من التناقض إذ استثنت الجهة الداعية للمؤتمر "المجلس المصري للشؤون الخارجية" (القريب من الخارجية المصرية) شخصيات معارضة لاعتبارات سياسية.

 ويأتي هذا الاجتماع بعد لقاء سابق دعا إليه المجلس المذكور في كانون الثاني الماضي، ولم تشهد جلسات اللقاء حينها إلا مزاودات ومشادات كلامية لم تخفي بغربالها ضوء الشمس.

ويبدو أن مؤتمر "القاهرة 2" سينتهي إلى فشل كالمؤتمر الأول، حيث تجتمع الكثير من المؤشرات حول هذا الاحتمال، ولعل أهمها، الريبة التي ينظر لها الثوار السوريون للدور المصري في القضية السورية، إذ لم يسعى النظام المصري إلى تقديم نفسه للمعارضة السورية على أنه داعم لها. فمنذ اللحظة الأولى لتسلم عبد الفتاح السيسي سدة الحكم بعد الانقلاب أو ما يسميه النظام المصري "ثورة" على أول رئيس مصري منتخب (محمد مرسي) وحتى الآن، لم يندد النظام المصري بما يجري على يد قوات الأسد.

وعلى السوريين ألا ينسوا ما أفاد به عسكريون مصريون في وقت سابق لوكالة "رويترز" من أن أحد دوافع الإطاحة بحكم مرسي هو موقفه من الثورة السورية، خصوصاً مع إعلانه القطيعة مع نظام الأسد واحتضان معارضيه على أراضي أم الدنيا دون قيود.

وعلى المجتمعين في القاهرة اليوم أن يقنعوا الشعب السوري بأن دور مصر في القضية السورية على المستوى المطلوب، لكن المؤكد أن أحداً منهم لن يستطيع تحقيق ذلك. فمهما أحسنا الظن بدور النظام المصري في القضية السورية، فإن منطق السياسة يدفعنا إلى وضع الشكوك التي لا أعلم إذا كانت "حنكة" المعارضين السوريين المشاركين في المؤتمر أدركتها أم لم تدركها بالأساس. ويدفعني النظر في مبدأ المصالح غير الأخلاقي أحياناً في السياسة إلى القول بأن النظام المصري يرى في القضية السورية باباً واسعاً للتقرب من دول إقليمية مواقفها سيئة من الثورة السورية كإيران وروسيا، أكثر من كونه دور يهدف إلى إيقاف شلال الدماء المستمر في سورية منذ 5 سنوات.

ولا يمكن تجاهل حقيقة وجود نقاط مشتركة بين القاهرة وطهران وموسكو حول الرؤية من نظام الأسد وطريقة الحل الذي تسعى هذه الدول لفرضه، إذ لن يخرج عن إطار إعادة تأهيل الأسد والوقوف في وجه إرادة السوريين من خلال العمل على إبقاء الأسد في منصبه، وهذا ما أشارت إليه قبل أيام صحيفة "الأخبار" اللبنانية (القريبة من نظام الأسد) التي نقلت عن دبلوماسي مصري قوله إن "هناك تنسيق مصري روسي وإن الهدف من القاهرة 2 الإبقاء على بشار الأسد"، لكن الدبلوماسي جمّل هذه النية القبيحة بالقول "على أن تشارك المعارضة في الحكم". وليست إيران بعيدة عن هذا الخيار الذي تقاتل من أجله.

وكي لا يفهم بعضهم بأن الكلام هنا القصد منه التقليل من أهمية الدور المصري في الملف السوري، فإني على قناعة بأن القضية السورية والكثير من القضايا العربية بحاجة إلى الدور المصري الفاعل الذي عرفته الأمة العربية على مدار القرون الأخيرة الماضية، فلدى مصر إمكانيات تجعلها قادرة على تغيير مسار الأمور بمنطقتنا العربية المشتعلة، لكن ذلك ينبغي أن يكون قائماً على مبدأ البناء لا الهدم، وليس من المبالغة القول بأن الثورة السورية بحاجة إلى دور مصري مشرف ينهي عذابات السوريين التي من المؤكد أن المسؤولين المصريين لا يرضونها لأنفسهم أو أهلهم.

ولا يتعلق فشل مؤتمر "القاهرة 2" بنوايا النظام المصري من ورائه، بل يجب الحديث هنا عن المعارضين المشاركين الذين غابت أسماؤهم وتوجهاتهم عن السوريين، فهؤلاء لا يملكون السلطة سوى على أهل بيتهم، وبالتالي فإن ما خرج به المجتمعون أو ما سيخرجون به لاحقاً سيبقى حبراً على ورق طالماً أنه لا يحظى بدعم الثوار المقاتلين على الأرض الذين لم نرى شخصاً واحداً ممثلاً لهم في "القاهرة 2". ناهيك عن أن بعض المشاركين هم أناس تغنوا نظام الأسد ووجدوا فيه ملاذاً لممارسة "معارضتهم الداخلية" التي لا تعدو كونها مجرد ترديد أقاويل مفصلة على مقياس "هامش الحرية" المزيف الذي رسمه لهم نظام الأسد، سعياً منه لخلق "معارضة" يستخدمها عند الحديث عن مؤتمرات للتفاوض.

وبناء على ما ذكر فإن مؤتمر "القاهرة 2" ليس سوى تكراراً لموسكو 1 وموسكو2 وهي مؤتمرات لم يهواها السوريون أو يتقنعوا بأنها حاملة لنهاية مأساتهم، فضلاً عن أنها مؤتمرات تأتي في إطار إعادة تأهيل الأسد بعدما انحدر إلى الهاوية. وكما رفض الثوار السوريون دور "روسيا بوتين" الحليف لنظام الأسد الإرهابي، فإنهم لن يقبلوا أيضاً "بمصر السيسي" كي يضعوا مستقبل بلادهم في مثل هذه الأيادي.

تعليقات