ماذا أعددنا لانتخابات ستفرض علينا، شئنا أم أبينا؟ (1)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19 أكتوبر / تشرين الأول 2019
تلفزيون سوريا

مضت سنوات أليمة، كابدنا فيها وكابرنا، وتسلحنا فيها بمظلوميتنا وثقتنا العمياء بكل من المجتمع الدولي وشرعية حقوق الإنسان والعدالة والسادة مبعوثي الأمين العام...!

سنوات طويلة ونحن نتنقل بين الحفر الدولية وصولا إلى حفرة اليوم، وهي الأعمق، حفرة (السلة الدستورية).

نحن اليوم سواء قبلنا أم رفضنا ضمن هذه الحفرة، أقصد السلة. فماذا أعددنا لها؟

قد يسأل البعض ماذا يقدم الإعداد في المسألة؟ وماذا يؤخر؟ ولكن بصرف النظر عن التقديم والتأخير، هل ما زال هناك من لا يعرف النتيجة التي ستنتهي إليها هذه العملية؟ وإذا كنّا نعرف النتيجة، فماذا أعددنا لها؟

واحدة من كبريات مشكلاتنا خلال السنوات الفائتة أننا كنا نغرق في الحدث الذي يتم توجيهنا إليه، علمنا أم لم نعلم، ولم نكن نجرؤ على النظر إلى أبعد مما هو متاح أو الوقوف أمام حقيقة تنافس الشمس في سطوعها، وذلك لأسباب عديدة منها الخوف من زيادة جرعة الألم أو الاعتراضات أو الاتهامات... وهذه الأخيرة كانت خنجرا دائم الطعن في ظهورنا دون تفريق، وما كان لدينا الجواب على: ماذا أعددنا لهذه الحقيقة؟

ولكن لنعترف ابتداء بأن قراءاتنا لهذه الحقيقة متفاوتة جدا، فسطوعها لا يمنع الاختلاف في تفسيرها بحسب زاوية النظر إليها والأدوات المتفاوتة التي يحاول البعض تغطية الشمس بها ما بين نظارات طبية وشمسية وزجاج مطليّ بهباب الفحم... وأصبعه حتى.

ولكن مع ذلك لقد زفّ إلينا المجتمع الدولي إنجاز تشكيل اللجنة الدستورية؛ فبعد سنوات –متعمدة- من المماحكة، تألفت اللجنة من ثلاث مكونات رئيسة، متساوية عدديا، 50 عضوا لكل مكوّن، المكوّن الأول (ممثلو النظام) وبالتأكيد وسيكون صوته موحدا، والمكونان الآخران خليط مجمّع بطريقة سمحت بتنامي الشكوك والاتهامات، فمكوّن المعارضة (هيئة التفاوض) على ما فيه من أسماء صادقة إلّا أنه يضمّ منصات يأتمر أحدها أو بعضها بأمر موسكو! والمكون الأخير (المجتمع المدني) يشكل خليطا قد يعجز من قام بتسميتهم عن توّقع توجهات بعضهم حين وقوفهم أمام الاستحقاقات الكبرى.

يأتي هذا التفصيل حول مكونات اللجنة -والذي سينعكس على ما ينبثق عنها من لجان مصغرة- لنتوقف من خلاله عند اشتراط (إعداد وصياغة المقترحات الدستورية بنسبة تصويت 75%)؛ فأول المخاطر أن الصوت الموحّد لنسبة الثلث الخاصة بالنظام سيكون كفيلا بتعطيل أي تصويت لا يأتي على مقاس النظام، هذا "الفيتو" الذي مُنح للنظام للقبول بالتقدّم خطوة نحو اللجنة الدستورية.

سيقول معارض: إننا وبحكم عددنا نملك نفس الفيتو، ونستطيع تعطيل رغبات النظام. وعلى فرض صحة هذا جدلا، فإنه لا مانع لدى النظام مبدئيا من أي تعطيل محتمل، فسيبقى الدستور الحالي -دستور 2012- نافذا مالم يصدر الدستور الجديد، وستجري في ظل الدستور الحالي الانتخابات البرلمانية في العام القادم والانتخابات الرئاسية في العام التالي، وهو مطلوب النظام.

والأخطر من ذلك أنه بالنسبة للمخلصين من الثائرين والمعارضين لهذا النظام فإن مرور مقترحات لا تناسبهم قد يحصل بتصويت يجتمع فيه الثلث الخاص بالنظام، وخليط المجتمع المدني الذي عمل جاهدا خلال السنوات الفائتة -بتأثير من مموليه وداعميه- على التمايز عن الثورة والمعارضة السياسية، وجزء من مكوّن المعارضة الذي يعود الفضل في اعتماده ضمن هيئة التفاوض إلى جهود جهات دولية معادية للثورة السورية.

ولكن كل هذا ليس –على الأغلب- إلا مسألة شكلية تساهم في استطالة وتمدد عمل اللجنة زمنيا، فالنتائج الفعلية كما هو في التجارب الدولية المماثلة، لا تقررها اللجنة، وإنما تقررها الدول التي ساهمت في صناعة اللجنة تحت عنوان الدور الدولي في بناء السلام، وقد يكون هذا مما يعوّل عليه هذا المعارض السوري أو ذاك، فبعض ممثلي المعارضة -وكما نعلم جميعا- ليسوا بالضرورة من الخبراء أو المختصين أو ممن عركتهم التجارب السياسية وخاضوا تضاريسها ومستنقعاتها!

وهنا يتوجب على المعارضة أن تجيب على سؤال بسيط: من هي الجهة الدولية التي تعوّل على موقفها في صياغة دستور يمكن أن يحدث انقلابا في الحالة السياسية السورية؟

فالأمم المتحدة وأجهزتها تستطيع أن تمارس دورا في الإجراءات والشكليات وتأمين لوجستيات الاجتماعات، ولكن لا يدخل ضمن صلاحياتها (مضمون الدستور ومخرجاته)، فالمفروض أن المضمون والمخرجات للسوريين، ولكن صناعة وصياغة الدستور السوري اليوم تتم في ظروف الصراع العنيف والانتصارات العسكرية، ومن خلال آلية مفروضة خارجيا بشكل كامل، حتى لناحية مكونات اللجنة نفسها.

ولا خلاف على الموقف المعلن الروسي الصيني الإيراني الداعم لبقاء النظام واستمراره، وعلى فرض وجود من يجادل فإننا نحيل جداله إلى تصريحات تلك الدول الواضحة والصريحة واستعمالات الفيتو المدعومة ناريا.

وربما قال البعض: نعوّل على الدعم الأمريكي والأوروبي. لا شك أن هذا التصريح يضعه في موقف "ساذج بامتياز"، فالموقف الأمريكي -خلف الموقف الإسرائيلي- معلن منذ الأيام الأولى للثورة السورية؛ لن نساعد في إسقاط الأسد، ولن نسمح بسقوطه. ووجود القوات الأمريكية على الأرض السورية له أهداف أخرى مختلفة، حتى إن هذه الأهداف تلتقي مع استمرار الأسد في السلطة، أو على الأقل نظام الأسد مع تعديلات تجميلية، وليس من العقلانية الاعتماد على التمايز بين الأسد من جهة وبين نظامه من جهة أخرى!

أما الموقف الأوروبي فهو لم يتجاوز في وقت من الأوقات إطار التناقض في التصريحات والبيانات مع الانسجام في التنسيق الأمني والاستخباراتي عالي المستوى مع أجهزة نظام الأسد.

وأما لناحية دور الدول العربية، فإنني رأفة بممثلي المعارضة والثورة؛ آمل أن ليس بينهم من يعوّل على دعم الدول العربية ودورها في التأثير.

وباختصار شديد؛ فإن التعويل على الموقف الدولي لا يختلف كثيرا عن التعويل على الدموع والآلام وأعداد الضحايا والمجازر في ملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، أو على المظلومية والثقة العمياء بالمجتمع الدولي وشرعية حقوق الإنسان والعدالة والسادة مبعوثي الأمين العام...!

 إن الدول الفاعلة في الملف السوري اليوم تمتلك رؤية واضحة حول مستقبل الحكم في سوريا، رؤية تنسجم مع مصالح تلك الدول أولا وأخيرا، ونظراً لتفاوت تلك المصالح فقد يكون هناك تعارض في التفاصيل، ولكن دون خلاف على الهدف الكبير؛ إعادة شرعنة نظام الأسد، مع بشار مرة أخرى أو مع نسخة مطابقة تقبل ذات البرمجيات وتقدّم ذات المخرجات.

وكل هذا إنما يشير إلى النتيجة النهائية التي ستؤول إليها العملية الدستورية، سيكون هناك دستور ما ينص على إجراء انتخابات "نزيهة وشفافة وديمقراطية" مع دور لرقابة دولية يشبه إلى حد كبير دور المبعوثين الدوليين في حل النزاع، وأخال أنه من الذكاء ألّا نخدع أنفسنا بعبارات "النزيهة الشفافة الديمقراطية تحت إشراف دولي..."

سيقومون بإجراء هذه الانتخابات رغم أنف من يعترض على إجرائها، وسيؤخذ في ترتيباتها بكل الشروط التي تخدم مصلحة النظام.

واحدة من أكبر مشكلاتنا اليوم أننا لا نعمل بالسرعة المطلوبة، وبالتقديرات المستقبلية التي يعمل عليها الآخرون، ولا ندرس محاولة إعادة شرعنة الأسد التي استهلتها فرنسا من خلال فرض شروط التفافية لتبرير نتائج انتخابات يعاد فيها إنتاج نظام الأسد، لغايات شتى، وهو ما سنعرض له في المقال التالي.

وبصرف النظر عن مدى الغضب الذي يجتاحنا، فإن علينا أن نعود إلى سؤالنا الاستهلالي: ماذا أعددنا لانتخابات ستفرض علينا، شئنا أم أبينا؟