ماذا بعد اجتماعات موسكو؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

من المحتمل أن نظام دمشق الكيماوي يشارك في منتدى موسكو، كرمى لحليفه الروسي، بحماسة منخفضة، مقابل امتناع الأطر والشخصيات الرئيسية في المعارضة عن المشاركة. ويقال إن الإدارة الأمريكية ضغطت على هذه الأخيرة لدفعها إلى المشاركة، في إطار ما يتم تداوله مؤخراً عن تحول جديد في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة السورية، أقل حساسية إزاء بقاء النظام.
الواقع أن الروسي ضمن بنفسه الفشل المسبق لمبادرته السياسية المزعومة، بالطريقة التي وجه بها الدعوات «الشخصية» لمن اختارهم، بما لا يتعارض مع مطلب النظام في صنع «معارضة» مناسبة على نمط «الجبهة الوطنية التقدمية» سيئة الذكر، مهمتها الوحيدة منح النظام شرعية خسرها منذ أربع سنوات. يبقى أن موسكو نجحت، بخلطة «الشخصيات» التي لبت الدعوة، في شيء واحد هو تمييع مفهوم المعارضة عموماً، فضلاً عن تحميل مسؤولية فشل الحل السياسي المزعوم للرافضين حضور المنتدى، أي تحديداً للائتلاف الوطني الذي كان قد فقد، لأسباب ذاتية وبنيوية، الكثير من وزنه وأهميته أصلاً في السنة الأخيرة، الأمر الذي تفاقم أكثر بعد صعود داعش وبداية الحرب الدولية الجديدة ضد الإرهاب.

يمكن القول، بهذا المعنى، إن النظام الكيماوي نجح بدوره في جر المجتمع الدولي إلى تبني رؤيته للمشكلة التي سوَّق لها منذ بداية الثورة الشعبية. وتقول هذه الرؤية إن الأمر كله لا يعدو كونه مجموعات إرهابية إسلامية تمردت على «الدولة» ويواجهها النظام بحرب شاملة، تماماً كـ»رؤية» الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى المقاومة الفلسطينية. 
فشلت إسرائيل في إقناع العالم بأنها تدافع عن نفسها في وجه الإرهاب، مقابل نجاح شقيقها النظام الكيماوي في هذا «الإقناع»، ليس بسبب براعته في تسويق رؤيته، بل بسبب الصعود الفعلي للمكون الجهادي بين الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام وتراجع وزن الفصائل غير الإسلامية أو الإسلامية «المعتدلة».

تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي يلقن فيه النظام ما «يتوجب عليه فعله» كان المؤشر الأبرز، بين مؤشرات أخرى، على التحول الجديد في المقاربة الأمريكية للأزمة السورية، وقد نزل برداً وسلاماً على النظام وحلفائه. وعلى رغم نفي الناطقة باسم الخارجية جين بساكي للتأويلات القائلة إن تصريح كيري المذكور يعني موافقة الولايات المتحدة على بقاء الأسد أو تراجعاً عن نزع الشرعية عنه، فالوقائع تعزز هذه التأويلات: 
طيران النظام يواصل قصف المدنيين بحرية في المناطق الداخلة ضمن إطار عمليات طيران التحالف الدولي، في تناغم لا يعكر صفوه أي احتكاك أو حتى مجرد إنذار لفظي. بل تتحدث التسريبات عن تطمينات أمريكية للنظام بعدم استهداف قواته، نقلت إليه مباشرةً (إلى مندوب النظام الدائم في الأمم المتحدة بشار الجعفري) أو عبر قناة الحكومة العراقية.
وما زال الخلاف الأمريكي ـ التركي قائماً حول الشروط التركية للانضمام بفعالية إلى التحالف الدولي، أي إقامة منطقة حظر طيران في الشمال المحاذي للحدود التركية، واستهداف قوات الأسد جنباً إلى جنب قوات داعش في الأراضي السورية، مقابل فتح قاعدة إنجرليك لاستخدام طائرات التحالف. 
مع العلم أن الحكومة التركية سبق وحصلت على إذن البرلمان للانخراط بمختلف الأشكال في الحرب الدولية على داعش. 
وهذه ورقة بيد الحكومة تساوم عليها الإدارة الأمريكية لفرض شروطها. ولكن واضح أن هذه الأخيرة غير مهتمة بالعرض التركي، واكتفت بتجاوب حكومة داوود أوغلو مع مطلب نقل مقاتلي البيشمركة من كردستان العراق إلى كوباني لمؤازرة القوات الكردية المدافعة عن البلدة المنكوبة التي تم تحريرها مؤخراً من قوات داعش.

جاء اجتماع موسكو بين «معارضين» مرضي عنهم من قبل النظام الكيماوي وهذا الأخير، بلا شروط مسبقة، أي بلا برنامج محدد أو هدف محدد، في ظل هذا التحول الأميركي الموصوف أعلاه والتحولات المشابهة المحتملة لدى الدول الغربية الأخرى، في أعقاب هجمات باريس الإرهابية مطلع الشهر الحالي، هديةً لا تقدر بثمن للنظام الكيماوي فيما لو أراد استثمارها سياسياً لمصلحته. ولكن يبدو أن هذا «النظام» المتصلب غير قادر حتى على استثمارات رابحة من هذا النوع. بدليل الحوار الذي أجرته مع رأس النظام مجلة فورين بوليسي الأمريكية، وخلاصته: ليس هناك شريك للحل السياسي. هذا ما كان يردده قادة إسرائيل عن منظمة التحرير وقائدها الراحل ياسر عرفات. 
نظام الأسد هو نظام الحرب الدائمة.