ماذا بعد لقاء (بوتين أردوغان)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30 آب 2019
تلفزيون سوريا
المؤلف: 

لم يكن مستبعداً أن تبدأ زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو يوم الثلاثاء الماضي 27 – 8 – 2019، بالتوازي مع تصعيد عسكري على الأرض، وبالفعل شهد صباح اليوم المذكور عدة هجمات مركزة شنتها فصائل المعارضة مُستهدفةً قوات النظام في ريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى استعادة عدد من المواقع التي تقع تحت سيطرة النظام، إضافة إلى مقتل وأسر عدد من جنود جيش الأسد.

وعلى الرغم من اللغة الدوبلوماسية التي سادت المؤتمر الصحفي بين الرئيسين بوتين وأردوغان، إلّا أن تضاعيف العبارات التي تحدث بها كل طرف، كانت تحمل العديد من الإيحاءات باستمرار الخلاف. ولئن بات مفهوماً لدى الجميع أن المصالح التركية الروسية المشتركة لم تعد تتمحور حول الشأن الميداني السوري فحسب، بل تطال القضايا الاقتصادية والعسكرية

التي تتجاوز تخوم إدلب، فإن بوتين وجد في الحديث عن التعاون العسكري في مجال تقنيات الطيران فرصةً للهروب من الحديث عن تجذّر الخلاف حول ما يجري في إدلب وريف حماة الشمالي، بينما لم يشأ أردوغان أن يتهم مباشرة روسيا بالعدوان الوحشي على المدنيين، وكذلك لم يشأ الحديث عن الدعم الروسي المطلق لقوات الأسد التي لم تكتف باستهداف المدنيين فحسب، بل استهدفت الرتل العسكري التركي على إحدى نقاط المراقبة، بل كان اتهامه موجهاً إلى نظام الأسد، متجاهلاً أن مضيفه بوتين هو صاحب القرار وليس بشار الأسد. ولعل الرغبة الكامنة لدى الطرفين بتجاهل نقاط الخلاف، أو الالتفاف الكلامي عليها، يؤكد بوضوح أن ما يجري في إدلب وريف حماة لا يختزل كامل العلاقة بين الجانبين، كما يؤكد أن استمرار الخلاف حول مصلحة تركيا وروسيا في سوريا لا ينبغي أن يكون عائقا أمام عجلة المصالح المشتركة في القضايا الأخرى.

تشابك المصالح الروسية التركية في الظرف الراهن يتيح لبوتين فرصة جديدة بالمضي قدماً بتنفيذ استراتيجية القوّة، التي تهدف إلى استئصال المقاومة وحاضنتها الشعبية معاً، مستغلّاً غياب الرادع الدولي من جهة، ونأي الولايات المتحدة الأمريكية عما يجري عسكرياً، وتمركز اهتمامها بمنطقة نفوذها في شرق الفرات فقط. وفي الوقت الذي كان يأمل الرئيس التركي أن تثمر زيارته إلى موسكو بإيجاد تفاهمات ميدانية جديدة تتجاوز اتفاق سوتشي المبرم في أيلول 2018 ، فإن بوتين يبدو مصراً على إحراج الجانب التركي وتذكيره دائماً بالالتزامات التي لم تنجزها تركيا، ولعل أبرزها، استئصال هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، والسيطرة المشتركة على شبكة الطرقات الدولية، وإبعاد الفصائل المقاتلة عن المنطقة العازلة، علماً أن الروس يدركون الجوانب التعجيزية في تنفيذ ما يريدونه، إلّا أن إصرارهم على التمسك بما هو تعجيزي، ربما يوفر لهم الذريعة الكافية لاستمرار استراتيجية العنف التي لا أحد يتوقع توقفها حتى تمكين قوات الأسد من السيطرة التامة على الأرض، وتكرار عملية ما جرى في الغوطة الشرقية ودرعا في العام 2018 ، وحلب الشرقية في العام 2017 ، ويبقى الحديث العام عن سعي الطرفين إلى إيجاد وسائل جديدة لتثبيت عملية خفض التصعيد، أو وقف إطلاق النار، مرهوناً بوجود موقف

آخر من خارج الثنائي الروسي التركي، هذا الآخر الذي يترقبه السوريون لم يظهر حتى الآن، وعدم ظهوره يفسح المجال أكثر لتوقع مستجدات عسكرية لا يُستبعد أن تكون إحدى أشكالها الإيغال في العنف، بما في ذلك إقدام النظام وحلفائه على استخدام السلاح الكيمياوي، وخاصة في حال استمرار الاستبسال في المقاومة التي تبديها الفصائل المقاتلة في تلك المنطقة.

وفي الوقت ذاته، لن يكون اللقاء الثلاثي المرتقب ( روسيا – تركيا – إيران ) في مطلع أيلول المقبل عامل تهدئة لمخاوف السوريين، ذلك أن قمة الدول الضامنة لمسار أستانا سوف تزداد مياهها عكراً بسبب اتفاق السابع من آب الجاري بين واشنطن وأنقرة، بخصوص ما سُمّي (بالمنطقة الآمنة) شرق الفرات، ذلك أن الاتفاق المذكور، على الرغم من ضبابيته، ووعورة تفاصيله، إلّا أنه بات مقلقاً لشريكي تركيا، أي إيران وروسيا معاً، ففي الوقت الذي كان فيه بوتين يراهن على إقناع تركيا بجدوى تفعيل اتفاقية (أضنة) المبرمة بين تركيا ونظام الأسد عام 1998، كبديل لأي اتفاق تركي أمريكي من جهة، وللاستمرار في دفع تركيا نحو الانزياح التدريجي عن حليفها الأمريكي، والاقتراب أكثر نحو موسكو من جهة أخرى، فإن علائم ما جرى في السابع من آب سوف تزيد من حدّة الموقف الروسي، باعتبار أن ما تم التفاهم عليه بين تركيا وأمريكا، وبغياب تام لأي حضور لنظام الأسد، هو خارج أي شرعية، وفقاً لموسكو. أمّا إيران التي كانت تنظر بإيجابية إلى علاقاتها بأنقرة، راغبةً في أن إيجابية العلاقة مع تركيا ستكون إحدى المنافذ التي تسهم في كسر أو خرق الحصار الاقتصادي التي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على طهران، إلّا أن نجاح واشنطن باستدراك هذه المسألة من خلال الإبقاء على الجسور القائمة مع أنقرة، قد يجعل إيران أكثر سخطاً على اتفاق السابع من آب، باعتباره تكريساً للحصار والمراقبة عليها في شرق سوريا التي طالما سعت إيران، وما زالت، إلى أن تكون الشرطي الآمر والناهي فيه.

الصراع المحموم بين الدول النافذة على الأرض السورية، قد يثير كثيرا من الصخب والتوتر الإعلامي الذي يتصاعد حيناً، ويخفت حيناً آخر، إلّا أنه في جميع الحالات يبقى شكلاً من أشكال صراع المصالح، أمّا بالنسبة للسوريين فهو نزيف مستمر يودي كل يوم بأرواح العشرات، ويشرّد المئات، دون أن تكون مصلحتهم ذات أولوية لدى الجهات المتصارعة، فإلى متى يبقى دورهم محصوراً بتسديد فواتير الدم والتشرّد فحسب؟.