ماذا تريد روسيا من الأسد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/10/2015
السورية نت
المؤلف: 

حتى نفهم بشكل دقيق ماذا تريد روسيا من الأسد لابد لنا من رؤية الصورة كاملةً وبشكل واضح حتى نستطيع بناء تقييم صحيح، من خلال محاولة تأصيل شكل العلاقة بين النظام من جهة وبين روسيا الاتحادية من جهة أخرى، وبمراجعة الدور الروسي في سوريا وتوصيف شكل دعمها لحليفها الأسد ومن ثم محاولة استشراف بسيط للمستقبل، مما سيعطينا إشارات للإجابة على عديد من التساؤلات الهامة مثل ماذا تريد روسيا من الأسد؟ وإلى ماذا ستؤول الأوضاع؟ وماهي الاستحقاقات المترتبة على الثوار في سوريا وعلى أصدقاء سوريا؟

روسيا وتاريخ العلاقة مع سوريا

إن المتابع للأحداث في سوريا اليوم يستطيع أن يلاحظ الاستماتة الروسية في الدفاع عن الأسد بما لا يدع للشك مجالاً بأن العلاقة الروسية بنظام الأسد تخطت مرحلة المصالح إلى مستويات متقدمة وصلت إلى ارتباط عضوي بمشروع دولي واحد.

وعند البحث في التاريخ نجد أن هذه العلاقة بدأت أيام كان الاتحاد السوفييتي لاعباً دولياً وأحد قطبي العالم، مرت هذه العلاقة بعدة أطوار وأشكال وتأثرت بالمناخ الدولي العام حيث أخذت سوريا في أحد الأطوار بُعداً ايديولوجياً هاماً بالنسبة لروسيا الاشتراكية في محاولة لتغريب وتشويه الثقافة السورية وما تحمل من موروثات وصبغها باللون الاشتراكي الشيوعي وكانت النتيجة فشل هذه المحاولات وعدم رسوخها في المجتمع السوري إلا بضعاً من الزمن، ثم أخذت العلاقات الطابع الاقتصادي بأن أصبحت سوريا من أهم دول المنطقة اعتماداً على المصدر السوفييتي للتسليح إذ تذكر عدة تقارير بأن الجيش السوري كان اعتماده في فترات سابقة شبه كامل على الواردات من الاتحاد السوفييتي ثم تطورت العلاقة بين نظام الحكم في سوريا والاتحاد السوفييتي إلى محاولة الروس الاستفادة من البعد الجيوسياسي لسوريا وجعلها نقطة انطلاق استراتيجي إلى مياه المتوسط من خلال النقطة العسكرية في طرطوس والتي أشارت صحف روسية في عدة مناسبات إلى رغبة روسية في تطويرها لتصبح قاعدة عسكرية متكاملة على الأراضي السورية وأكد ذلك مسؤولي وزارة الدفاع الروسية مراراً.

كانت روسيا ترى في بشار الأسد ضماناً لاستمرار النهج الأسدي القديم المتبع أيام الأب لذلك كان لها دور في عملية التوريث اتّسم في حده الأدنى بتيسير الانتقال وتأمين الجو الدولي المناسب له وكان الخوف الروسي يتركز على فقدان الوضع الجيوسياسي المتقدّم لها في سوريا.

ولا شك أيضاً بأن العلاقة مرت بحالات من البرود والجمود وخاصةً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وبعد انتقال الحكم من الأسد الأب إلى الأسد الابن ومحاولته الانفتاح على الغرب الرأسمالي وتجلى ذلك بكل وضوح عندما اضطرت سوريا إلى الوفاء بديونها إلى وريث الاتحاد السوفييتي الشرعي روسيا الاتحادية التي طالبت بكامل مستحقاتها من أموال السلاح المستخدم من قبل الجيش السوري منذ عقود على شكل ديون ومستحقات لاحقة الدفع اثقلت الحمل على الإنسان السوري لعقود.

كانت روسيا ترى في بشار الأسد ضماناً لاستمرار النهج الأسدي القديم المتبع أيام الأب لذلك كان لها دور في عملية التوريث اتّسم في حده الأدنى بتيسير الانتقال وتأمين الجو الدولي المناسب له وكان الخوف الروسي يتركز على فقدان الوضع الجيوسياسي المتقدّم لها في سوريا، ففي مقابلة مع قناة روسيا اليوم لم يخفِ الملحق العسكري الروسي في سوريا سابقاً الفريق فلاديمير فيودوروف الخوف الروسي من فقدان الوضع المتميز لهم في سوريا في ذلك الوقت بل وأظهر مدى اطلاع القيادة الروسية على تفاصيل الحكم في سوريا مما يظهر حالة كبيرة من ارتهان النظام السوري للروس.

روسيا على أعتاب ثورة الشام

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ولجم الدب الروسي وإعادته إلى قفصه خلف حدوده القديمة، انشغل الروس دائماً بمحاولات حثيثة لكسر القفص والخروج كلاعب إقليمي من جديد. ومع بدء ارهاصات ثورات الربيع العربي والتي كانت رافعة لآمال شرائح واسعة من الشباب بتغيير واقع حياتهم كان الروس مستمرون في السجال مع الغرب بنشر بطاريات الباتريوت لحلف الأطلسي بما ينذر بزيادة حصار الروس.

شكل الربيع العربي فرصة للروس لمحاولة رسم معادلة دولية جديدة مركزها سوريا بحكم استحكام الروس فيها ووعيهم بمدى أهميتها ضمن العمق العربي والإسلامي.

اقتصر الدعم الروسي للأسد في البداية على توفير الغطاء السياسي الدولي لعمليات القمع الوحشي ضد المتظاهرين وكانت آمال الروس وقتها مازالت تدور حول الحفاظ على الإرث السوفييتي في سوريا، ومع ازدياد رقعة المظاهرات السلمية وتبلور حالة مميزة من الإصرار عند الشعب السوري على إكمال طريقهم للخلاص من الطغمة الحاكمة المستبدة، استمر الروس بمد النظام السوري بالوقت من خلال استعمال الفيتو أكثر من مرة في أكتوبر ٢٠١١ ثم فبراير ٢٠١٢ ثم يوليو ٢٠١٢ ثم في مايو ٢٠١٤ ، وهو بذلك يحاول أن يرسخ مبدأ الإفلات من العقاب في ظل عجز دولي كبير، ومع ازدياد وتيرة الاحتجاجات الشعبية الواسعة وخروج جيش الأسد من ثكناته باتجاه بيوت السوريين وليواجه أبناء سوريا في شوارعها، قامت روسيا بزيادة الدعم بشكل ملحوظ للأسد الذي أخذ دور الدعم اللوجستي ولم يأخذ شكل التدخل المباشر بعد.

 قررت روسيا  تحويل سوريا من منصة انطلاق لها نحو المتوسط إلى منصة للانطلاق نحو العالم الجديد الذي توهّمت أن تكون فيه قطباً فتستعيد أمجاد الاتحاد السوفييتي القائم على القتل والدم أصلاً.

الدّب الروسي يخرج من قفصه بمباركة واشنطن

لم يستطع النظام السوري خلال سنوات من القمع والقتل بكل أنواع السلاح من منع تقدم الثوار أو زرع الخوف في قلوبهم بل إن المتابع للأحداث يدرك أنه كان آيل للسقوط في صيف ٢٠١٣ لولا الدعم الإيراني المباشر، قررت روسيا في تلك الفترة تحويل سوريا من منصة انطلاق لها نحو المتوسط إلى منصة للانطلاق نحو العالم الجديد الذي توهّمت أن تكون فيه قطباً فتستعيد أمجاد الاتحاد السوفييتي القائم على القتل والدم أصلاً، واستفادت روسيا من الثغرة ما بين التردد التركي وحالة الضياع العربي وعدم الصدق الغربي.

حيث استطاعت تركيا خلال السنوات الماضية فرض نفسها كلاعب اقليمي أساسي في قضايا المنطقة لكنّ تركيبتها الداخلية والأزمات السياسية وقلّة اللاعبين في معسكرها جعلها تنتهج سياسة اتّسمت بالتوازن القلق. أما الموقف العربي فاتسم بالتخبّط عامة، حتى أن بعض مواقف أعضاء الجامعة العربية تضادّت إلى أن تنافت ناهيك عن انشغال اللاعب السعودي المؤثر في القضية السورية بالتمدّد الإيراني وما يحمله من تهديدات على أمن الخليج العربي، بالإضافة إلى الموقف الأميركي الذي لم يتسم بالصدق والوفاء مع الحليف الخليجي.

كل هذه العوامل شكّلت لروسيا فرصة كبيرة للانقضاض على ما كانت تحاول فعله عندما خطت الخطوات الأولى خارج قفصها باتجاه اوكرانيا وخصوصا بعد حالة التغاضي الاميركي الغير مسبوق مما شجعها للتوجه إلى سوريا عسكرياً في سابقة في تاريخ روسيا الحديث.

وكانت داعش هذه المرة أيضاً الورقة السحرية للتحشيد الدولي فشكلت الذريعة الأبرز تحت العنوان العريض مكافحة الإرهاب (وسنفصّل في مقال آخر دور تنظيم الدولة).

والواقع اليوم أن روسيا تضرب في مناطق الثوار وتعلن قصفها لتنظيم الدولة، كالذي يقول للناس أنه يصطاد السمك في الهواء فهو بذلك إما مستخف لعقولهم أو أنهم متواطئون معه وراضون بفعله.

استشراف المستقبل

قد تكون روسيا كما أسلفنا قد استشعرت قرب نهاية الأسد ولمست تآكل بنية نظامه فتدخلت لتنقذ بقاءه، أو أنها تحاول كسب وقت مستقطع في زحمة الأحداث وصخب سماء سوريا لإيجاد البديل الضامن لمصالحها، أو غيره من الاحتمالات التي تطول لكن مجرى الأحداث يعطي إشارات واضحة بأن الزمن القادم لن يكون كالسابق وبأن المعادلة الدولية تغيرت وبأن تاريخاً جديداً يكتب للمنطقة والعالم، وبأن صلاحية حدود القرن الماضي قد انتهت والآن يتم العمل على محاولة رسم حدودٍ مهجّنةٍ جديدة.

وعن مصير الأسد فإن السلوك الروسي ينبئ بأن وجوده في الوقت الراهن أمر لا تفاوض عليه، لكن ذلك لا ينفي احتمال أن يكون مؤقت حتى إيجاد البديل الضامن للمصالح الدولية وفق الترتيبات الجديدة، وأصبح الكلام عن الحل المعتمد على استقلال القرار السوري مدعاة للضحك ومضيعة الوقت.

وإن من أخطر الأمور التي لابد من الحديث عنها بل وإفراد كتابات تفصيليه عنه توصيف شكل الصراع حيث أن الضربات الروسية ستعزز من عالمية الصراع السوري على حساب إضعاف العامل الوطني الفاعل، وبالطبع فإن زيادة الفاعل الغير السوري في مجريات الأحداث الميدانية سيكون له أثر سلبي على مسيرة الثورة السورية وسيزيد من تعقيد المشهد.

قد يكون هذا المشهد القاتم يحوي بين ركامه نقطة مضيئة كنا نبحث عنها منذ سنوات، وقد تكون هذه الأحداث اليوم هي اللحظة التاريخية المنتظرة والفرصة الكبرى لحرف حركة التاريخ باتجاه مصلحة شعبنا ونجاح ثورته.

إن التدخل العسكري الروسي المباشر له ما بعده، وتأثيره قد يتخطّى الحدود السورية وخاصة أنه تم بموافقة أميركية، لكنه من ناحية أخرى من الممكن أن يشكّل لدينا قوة دافعةً ولحظة تاريخية للقيام من جديد واسترداد قوّة التأثير وقدرة الحسم.

اليوم نستطيع القول بأن كلّ السوريين الأحرار في خندق واحد وبوعي مشترك يواجهون الأسد ومن وراءه، حيث كان سابقاً غياب أجزاء من الصورة سبباً في تفاوت تصورات الثوار في سوريا حول طبيعة الصراع القائم، الآن نقف جميعا في نفس المكان على اختلاف مشاربنا، وتاريخيّة اللحظة وأهميتها تفرض علينا العمل على إنضاج مشروعنا الثوري الشامل والعمل على تأسيس البديل الجدير بثقة أبناء شعبنا قبل ثقة الغرب والشرق.

وقد تكون المحاور الأهم للعمل عليها الآن:

  • ترسيخ وحدة الصف بين العاملين في المجال العسكري من الثوار والاستفادة من الخطوات الكبيرة والمراجعات التي تقدمت بها عدة فصائل إسلامية كبيرة والمراكمة على إنجازات جيش الفتح في الشمال وثوار ريف دمشق خلال الأشهر الماضية.
  •  مواكبة الطرح السياسي للأحداث الدولية وجعل سقف المطالب السياسية ممتد إلى تشكيل تحالفات دولية جديدة، واتساق الطرح السياسي مع الحراك الثوري الميداني من خلال مد جسور ثقة بين العاملين في كل الحقول.
  •  تضافر الجهود كافة لإنجاح نموذج إدارة المناطق المحررة.

الخلاصة

إن التدخل العسكري الروسي المباشر له ما بعده، وتأثيره قد يتخطّى الحدود السورية وخاصة أنه تم بموافقة أميركية، لكنه من ناحية أخرى من الممكن أن يشكّل لدينا قوة دافعةً ولحظة تاريخية للقيام من جديد واسترداد قوّة التأثير وقدرة الحسم.

تعليقات