ماذا يريدون من تركيا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/1/2015
السورية نت

كلنا نعلم الأهمية الجيوسياسية المتنامية يوماً بعد يوم لتركيا. ونتابع جميعاً على الجانب الآخر الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط وإفريقيا وحتى في أوربا. إن القوى المؤثرة لم تعد تكتب سيناريوهات لمدة 20 – 25 سنة كما في السابق. إنهم يضعون مشاريعهم حيز التنفيذ سريعاً باستخدام وسائل الاتصال الحديثة. ولفهم ذلك يكفينا تذكّر التغيرات التي جرت في السنوات الأخيرة على شعوب المنطقة.

لا شك أنّ هناك العديد من السياسيين وأصحاب الرأي والإعلاميين الذين فقدوا موقعهم وأهميتهم وتأثيرهم بعد تأصيل الديمقراطية وتطبيقها في تركيا، إلا أنهم مازالوا يرون أملاً متمثلاً في أنّ سياسة تركيا الجديدة ستجعلها "تعيش في عزلة"، في حين أنّ هناك جهات في الغرب بدأت ترى أن السياسة التركية هي جزء من الحل لكثير من المشاكل في المنطقة والعالم.

كل الأمور السابقة التي حصلت من احتجاجات "غازي بارك"، مروراً بتحفيز عصيان العلويين، والأكراد بعد أحداث عين العرب، واتهام تركيا بدعم تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، لم تكن سوى تدخل من الاستخبارات الغربية عن طريق "أصدقائهم" في الداخل من أجل تعطيل تلك المسيرة نحو التحول لمستقبل أفضل لتركيا.

وأثناء القيام بذلك حاولوا تأجيج نفوس الناس على أردوغان من خلال القيام بأعمال إرهابية في الأزقة والشوارع والأحياء، حيث كان الهدف المشترك لكل تلك الأعمال هو شخص أردوغان نفسه، ومحاولة إقصائه عن حاضنته الشعبية الكبيرة، ليسقط من عين المجتمع والناس، وكانوا يريدون الإيقاع بعد ذلك بكل الأشخاص الذين دعموا أردوغان في هذه المسيرة، من خلال زجهم في السجون وإرجاع تركيا إلى دولة القرن العشرين القومية.

وكي لا تحاول تركيا النهوض مجدداً بعد القضاء على أردوغان وحاشيته، أرادوا استهلاك كل مصادر الطاقة في تركيا خلال سنوات، وسحب تأثيرها في الدول صاحبة النفوذ فيها، وقطع الطريق أمام أخذ دور هام لها في المنطقة وفي النظام العالمي، من أجل تكبيل الدولة التركية لأطول فترة زمنية ممكنة.

لقد أرادوا جعل تركيا بجغرافيتها وسياستها تحت الهيمنة والوصاية كما كانت في السابق، وقطع الطريق أمامها في أن تصبح قوة إقليمية مستقلة عن الأقطاب العالمية.

ولكن تركيا أدركت منذ أمد بعيد الكثير من الألاعيب والمخططات التي تحاك ضدها، فأمسكت بزمام الكثير من الملفات التي كان يُراد أن تتحول ضدها، فاستوعبت سياسات إقليم كردستان العراق، وحولته إلى حليف يدعم الاقتصاد التركي ويحارب تطرف حزب العمال الكردستاني، وبدأت الشركات التركية تفتح لها فروعاً هناك ليتكون فيما بعد ترابط عضوي بين البلدين بالشكل الذي يسمح لتركيا بكسب ورقة كان يُراد أن تكون ضدها. كذلك توجهت السياسة الخارجية التركية لفصل بعض الملفات الخارجية عن بعضها البعض، وجاءت الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو ووزير خارجيته إلى إيران لتزيل الأوهام حول إمكانية نشوب حرب مباشرة أو غير مياشرة بين البلدين في سوريا يكون المستفيد الأكبر منها أعداء تركيا. حصل كل ذلك في الوقت التي بقيت فيه تركيا محافظة على مبادئها في رسم سياساتها الخارجية المتمثلة في دعم الثورات العربية. يعاني البعض بكل تأكيد صعوبة في فهم تغيرات السياسة التركية تجاه بعض القضايا، لأن الكثيرين مازالوا يفكرون بالعقلية التقليدية التي تقوم بمعالجة مشكلة عن طريق خلق مشكلة أخرى، وفي الحقيقة إن السياسة الخارجية لتركيا ليست تغيراً وإنما تغييراً في الأولويات وطريقة التعامل، ولكن الجوهر بقي واحداً، وهو إقامة الشرق الأوسط الجديد الذي ينعم بالاستقرار والرفاه والأخوة والسلام، وهذا لن يكون في ظل أنظمة مترهلة ومستبدة غير قادرة على النهوض ببلدانها، وسياساتها رهينة بيد بعض الدول التي لا تريد الخير لتركيا وللمنطقة.

تركيا الآن تلعب أخطر لعبة في تاريخها، وهي أكبر تحدٍ لها منذ انهيار الدولة العثمانية، وهي تزيد من حدة الاعتراض على معادلات التوازن في النظام العالمي، وتدعو الدول المظلومة لاتخاذ هذا الطريق، وهي تحضر مجتمعها ونفسها من أجل خوض غمار هذا الكفاح والتحدي.

لهذا لم ينجحوا في إيقاف تركيا من المضي قدماً في طريقها، وهكذا فشلوا في تحقيق سيناريو أوكرانيا في تركيا، بسبب إدراك الشعب التركي للمؤامرة الدولية، بفضل قيادة حكيمة تسعى بكل ما تملك لأن تكون تركيا الجديدة كابوساً للمتآمرين والطغاة، وحلماً ونصيراً لكل المظلومين الذين يحلمون بالحرية والكرامة والعدالة.