"ماري" أول منبع للنظم الإدارية..باحث سوري يميط اللثام عن كنوزها من جنيف

الباحث السليم
سبت 23 يونيو / حزيران 2018

مُنذ نعومة أظفاره وهو يحلم بأن يصبح عالم آثار. كيف لا، وقد وُلِدَ في مدينة تَدمر، إحدى أهم المدن الأثرية في العالم أجمع. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف جهود خالد السليم لتحقيق حلمه. هذه الجهود التي تكللت مؤخراً بفوزه بالمركز الثالث في المسابقة العلمية "أطروحتي في 180 ثانية"  التي أقيمت في جامعة جنيف، ليتأهل بذلك للتصفيات النهائية على مستوى سويسرا التي أقيمت في جامعة فريبورغ يوم 7 يونيو/حزيران 2018. 

بعد حصول خالد السليم على درجة البكالوريوس في علم الآثار من جامعة دمشق، تم اختياره للعمل كَمُعيد في جامعة دير الزور لتدريس مادة اللغة الأكّادية. ووُفقاً للنظام التعليمي في سوريا، يستفيد المتخرج الذي يُعَيَّن كمعيد في الجامعة من منحة حكومية للحصول على درجة الماجستير، وبعدها الدكتوراه، يعود إثرها إلى سوريا لشغل منصب أستاذ في الجامعة.

في عام 2009، تم إيفاد السليم إلى جامعة ليون 2 في فرنسا، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الآثار وتاريخ العوالم القديمة، برسالة تحمل عنوان "المُعاهدات في الشرق الأدنى في الألفية الثالثة والثانية ق.م".

وعقب اجتيازه هذه المرحلة في عام 2011، ورغبته بالشروع في إعداد أطروحة الدكتوراه، بدأت الأحداث في سوريا، مما أدى إلى توقف المنحة الدراسية.

ومع وجود مقعدٌ شاغرٌ في جامعة جنيف، قرر التقديم إلى هنا للحصول على درجة الدكتوراه، وباشر في عام 2013 بأطروحته التي تحمل عنوان: "التنظيمات الإدارية في القصر الملكي الكبير في مملكة ماري في الألفية الثانية ق.م".

من ماري إلى متحف جنيف

المصادر الأساسية التي يَستَند إليها السليم في أطروحته هي من مدينة ماري بشكل أساسي، ومن القصر الملكي في ماري بالذات.

وكما يوضح: "في عام 2002، تم اكتشاف نحو 1000 رقيم طيني كتبت باللغة الاكادية في القصر الملكي [قصر زمري ليم]، يعود إلى بداية الألف الثاني ق.م.. وعلى الفور، تم استدعاء البروفيسور أﻧﻄﻮان ﻛﺎﻓﻴﻨﻴﻮ [وهو بروفسور في جامعة جنيف، مُختص بعلم اللغات في البعثة الآثارية الفرنسية في ماري]، مع فريقه اللغوي لدراسة النواحي اللغوية لهذه النصوص"

"وكما كَشَفت هذه الدراسات، كانت هذه النصوص إدارية بالدرجة الأولى. لذا كان من الضروري دراسة النواحي الإدارية في هذه النصوص. لكن هناك مصادر أخرى موجودة في متحف الفنون والتاريخ بجنيف (Musée d'histoire de geneve)، حيث توجد العديد من الرقم المسمارية التي جلبت من العراق ومن سوريا، وهي أيضاً نصوص إدارية تسمح لي بالمقارنة، بالإضافة إلى المراجع التي تقدمها المكتبات الموجودة في جامعة جنيف"

ومنذ اكتشاف مملكة ماري بالصدفة في عام 1933 [عندما كانت مجموعة من البدو تدفن أحد موتاها في تل الحريري]، توالت مواسم تنقيب مُتعددة، كَشَفَت عن ما يزيد عن 25 ألف رقيم مكتوب باللغة الأكادية، قَدَّمت معلومات هامة عن مختلف نواحي الحياة في ماري - التي كانت ميناءً على نهر الفرات - والممالك المجاورة في تلك الفترة.

وكما يقول السليم: "كانت هذه النصوص تَذكر أن مدينة ماري كانت مقراً للسلالة العاشرة بعد الطوفان، وهو ما يعني أنها كانت تحكم كل بلاد الرافدين تقريباً".

وبحسب الباحث "كان الاعتقاد السائد هو وجود حضارتين فقط، هما حضارة وادي الرافدين والحضارة المصرية، وكان كل ما يتعلق بسوريا يُعتَبَر منطقة هامشية لم تلعب دوراً حقيقياً في تاريخ المنطقة. لكن مع اكتشاف مملكة ماري، ومملكة إيبلا ومملكة أوغاريت، أصبحنا نعلم أن منطقة سوريا لعبت دوراً كبير في التاريخ"

وبالمقارنة مع حضارات وادي الرافدين [كالسومرية والبابلية والآشورية مثلاً]، لم تَحظ مملكة ماري بما تستحق من الاهتمام الذي يليق بأهميتها التاريخية منذ اكتشافها.

مركز مُتقدم

أطروحة خالد السليم لم تحظ باهتمام العديد من علماء اللغة وعلماء الآثار في سويسرا فَحَسب، لكنها وَجَدَت صدى ايجابياً أمام جمهور واسع حَضَر لمُشاهدة المسابقة العلمية "أطروحتي في 180 ثانية" التي أقيمت في جامعة جنيف يوم 12 أبريل/نيسان الماضي، والتي فاز بها السليم بالمركز الثالث، ليتأهل بذلك للتصفيات النهائية على مستوى سويسرا، التي أقيمت في جامعة فريبورغ يوم 7 يونيو/حزيران 2018.

"هذه المسابقة كانت موَجَهة بالأساس إلى جمهور عريض، مما يُحتم على المتسابق تقديم الموضوع بلغة علمية مُبسطة، لكي تكون فكرة البَحث مَفهومة تماماً. وقد حظي الموضوع بالاهتمام، لأنني أتطرق إلى فترة تعد مُظلمة تاريخياً، لعدم وجود وثائق تتحدث عن فترة بداية الألف الثاني ق.م. في منطقة سوريا. وعن طريق هذه النصوص الإدارية، نأمل بتقديم بعض المعلومات التي تساعدنا على فهم طبيعة السلطة الحاكمة والتنظيم الإداري في هذه الفترة"

حتى الآن لا توجد معلومات كافية عن طبيعة الأضرار في الموقع. لكن تقرير مديرية العامة للآثار والمتاحف، تحدث عن أضرار في القصر الملكي الذي تهدم بالكامل تقريباً، كما تطرق إلى الكثير من أعمال التنقيب غير الشرعية التي طالت ماري وغيرها.

وبرأي الباحث، فإن أحد الوسائل لعدم نسيان هذه المواقع هو القيام بعمل منشورات علمية حولها دائماً، "وهذا أضعف الإيمان"، كما يقول.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تطالب بوقف الهجوم على جنوب سوريا.. وأمريكا تحمل روسيا مسؤولية التصعيد

المصدر: 
SWI - السورية نت

تعليقات