ما الذي يريده الروس في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/9/2015
السورية نت
المؤلف: 

جاء التدخل العسكري الروسي المباشر في الشأن السوري مؤخراً، ليلقي حجراً (من نوع مولوتوف) في بحر "الصراع على سورية " المتلاطم الأمواج والمتعدد الأطراف لدرجة قصوى. وما زالت اندياحات نزول القوات الروسية على البر السوري واستهدافاتها المتوقعة، تحتل المكان الأول بين سطور الأعمدة وبرامج الشاشات في العالم. فليس الحدث تفصيلاً صغيراً، ولن تكون مراميه ونتائجه بسيطة وأنية وعابرة.

أظهرت تصرفات روسيا السياسية والعسكرية باستمرار حقيقة موقفها السلبي من الربيع العربي وأهدافه منذ انطلاقته عام 2011. كما أظهرت عدم تفهمها لمطامح الشعب السوري وأهداف ثورته، وعدم مبالاتها حتى بالاستحقاقات الإنسانية والإغاثية لبلد يدمر، وشعب يتعرض لمقتلة منظمة. بل استمرت بتزويد القاتل بالسلاح وحمايته من الإدانة الدولية في المنظمات الأممية. وفي جميع الحوارات السياسية الروسية مع المعارضة ومؤسساتها التمثيلية الأكبر (المجلس الوطني ثم الائتلاف) – والتي اتخذت شكل المناكفة والتراشق بالثوابت الخاصة لكل طرف – تمترست السياسة الروسية وراء استحكامات من المقولات والمواقف، تنتمي للحقل الأيديولوجي الذي يمارس السياسة عبر الشعارات. وطرحت بوجهنا باستمرار موضوعات من قبيل كلام الحق الذي يراد به باطل: روسيا غير معنية بالأشخاص، مصير الأسد يحدده السوريون، يهمنا المحافظة على الدولة السورية ومؤسساتها. إضافة إلى جهودها التي لم تتوقف لتصنيع معارضة للسوريين وفق هواها وعلى مقاساتها. وفي كل لقاء أو زيارة، كانت تخرج من جعبة "معهد الاستشراق" أسماء جديدة، تسوِّقها للانخراط في صفوف المعارضة، دون أن تتعب من تكرار المحاولات الفاشلة لتجريعها للسوريين رغم كل مظاهر الصد.

بنزول الدبابة T92 بطاقمها الروسي على الساحل السوري، خرجت السياسة الروسية من استحكاماتها المواربة إلى مسرح العمليات بشكل سافر. يتم ذلك في ظروف مواتية لها، جعلت معظم الأطراف الإقليمية – إن لم يكن كلها – تتلمس أصابعها من مواضع احتراق قائمة أو محتملة، حيث يصبح الانغماس في الشؤون الذاتية والخاصة سيد الموقف. وفي ظرف دولي، تشهد فيه سياسات الدول الفاعلة وهناً كبيراً وتردداً لا يمكن إخفاؤه. حتى أن الإجراء الروسي يتم ابتلاعه بطريقة توحي بالتفهم والقبول، وإعلان استعداد للتعامل معه بطريقة ما. وكأن هذا التدخل جاء مفاجئاً، ويتم في غفلة عن القوى والأجهزة ومراكز الرصد.

سورياً: تقول روسيا بتدخلها العسكري إنها معنية بالأشخاص (بشار الأسد)، لأنهم يمثلون جوهر نظام أتقنت التعامل معه لعقود طويلة، وصار على حافة الانهيار من العزلة والضعف والتهتك، بعد الهزائم الكبيرة التي مني بها خلال عام 2015. وبعد أن فشلت جهود الروس وجهود الإيرانيين في إعادة تأهيله. ولم يعد الدعم كافياً والمساندة عن بعد تؤدي الغرض. فها هي روسيا تجعل جيشها جيش احتلال، وتضعه في خانة الميليشيات الطائفية التي استقدمها النظام للدفاع عنه. وتسخر وزنها الدولي لمنع انهيار الأسد كشخص ونظام.

للقلق الروسي ما يبرره بعد التهتك الظاهر في مؤسسات النظام العسكرية والأمنية، وحالة الارتباك التي تعصف بالطائفة العلوية، التي جعل النظام أبناءها وقوداً لحربه الهمجية ضد الشعب السوري. وها هي الحاضنة الاجتماعية للنظام تسفِّر أولادها خارج البلاد تجنيباً لهم من الخدمة العسكرية بعد أن قضى عشرات الآلاف من أبنائها في معركة خاسرة للدفاع عن وجود شخص وحكم أسرة. وعندما ينضم العلويون إلى جانب مكونات الشعب السوري الأخرى في الابتعاد عن سفينة النظام، وتملأ الدنيا أخبار هجرة السوريين وتهجيرهم، لينضموا إلى الملايين العديدة التي غادرت البلاد إلى دول الجوار طلباً لمكان آمن، فعن أي "سوريين" تتحدث السياسة الروسية، لتوكل إليهم مهمة تحديد مصير الأسد؟

فقدت روسيا نفوذها في المناطق التي يسيطر عليها النظام لصالح النفوذ الإيراني المستشري. ومع الوجود الروسي الجديد لم يبق حول السلطة السورية غير الغرباء. وهي تعلن أنها ستطلب المزيد منهم عند الحاجة، ويجيب الروس بأنهم مستعدون لتلبية الطلب.

أما عن المحافظة على الدولة وحماية مؤسساتها فأمر يثير السخرية. فهل الدولة موجودة في طرطوس واللاذقية فقط؟! وهل تحويل مطار حميميم من مطار مدني إلى قاعدة عسكرية للطيران الروسي من أشكال المحافظة على مؤسسات الدولة ؟! وهل التنسيق العملياتي في الأجواء السورية مع إسرائيل ينتظم في هذا الإطار؟!

التغيير القادم في سورية ليس موضع نقاش. وضرورة الحضور الروسي على الأرض الضمان الوحيد للمشاركة فيه. وتحصيل المنافع الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للاتحاد الروسي، لم تعد موضع نقاش أيضاً. ليس أقلها الثروات النفطية الواعدة في الساحل السوري، وعلمية إعادة الإعمار، والحصة الملائمة على خريطة النفوذ في الشرق الأوسط الجديد بعد التمدد الإيراني غير المسبوق.

روسيا، بعد أن تبين عجزهم عن الإمساك بمقدرات البلد. كما أن تأجيج التطرف والعنف والأعمال الإرهابية، ستكون من أفضال التدخل الروسي ومشاركته في "الجهود الدولية لمحاربة داعش".

إقليمياً: ليس لإيران حليف حقيقي وثابت بالشأن السوري غير النظام. أما روسيا فهي منافس، يمر في موقع الحليف بشكل عابر ومؤقت. وبعد المؤشرات العديدة والواضحة على تصديق الاتفاق النووي مع إيران، تشتد عوامل المنافسة بينهما. في وقت تزداد فيه احتمالات توثيق التعاون مع الغرب كبديل للعلاقات التي بنيت مع روسيا في ظل المقاطعة والعقوبات الدولية على إيران.

شاركت روسيا في جميع الجهود السياسية والعسكرية والاقتصادية لدعم نظام الأسد ومنع انهياره، وأحياناً لدرجة أكبر مما فعلته إيران (حمايته من القرارات الدولية في مجلس الأمن). لذلك لا تستطيع أن تقبل بدور ثانوي على خريطة المصالح الممكنة في إرث النظام المنهار. ولأن لإيران مرتكزات مدنية (اجتماعية واقتصادية وأيديولوجية) في كل من الدولة والمجتمع في سورية، فليس لروسيا إلا أن تتمسك بمقومات النفوذ المتاحة والفعلية على الأرض. والوجود العسكري يحقق ذلك بسرعة وسهولة، خاصة وأن لها صلات وثيقة وقديمة مع عدد كبير من الفعاليات العسكرية والأمنية في النظام. وقد يثم ذلك برضى عربي. لأن المخاطر الإيرانية على المنطقة، في غير مكان منها، أشد خطراً وأعظم أثراً من غيرها. على أمل أن يكون الوجود الروسي على حساب الوجود الإيراني وطارداً له، رغم أن الاثنين قوة احتلال أجنبي لأرض عربية.

تنضم الجهود الروسية إلى المساعي الدولية الأخرى التي تعمل للحد من طموحات تركيا ومؤثرات اندفاعها وراء تأييد الثورة السورية وتقديم الدعم لها. فلتركيا موقع فريد وهام على الخريطة السياسية والجغرافية والاجتماعية في سورية، لا يستطيع أحد أن يتجاهل ثقله وقدراته.

إن ما فعله ويفعله الروس على الأرض السورية جزء من المواجهة الكبرى مع الغرب. له أسبابه التاريخية منذ عهد القياصرة، تتعلق بالبحار الدافئة. وله شروطه الإقليمية التي توفر للروس حقلاً مفتوحاً للمبادرة والحضور دون عقبات تذكر.

دولياً: لا يمل الروس من ترديد رفضهم "تكرار السيناريو الليبي" في سورية. وهي عقدة العقد عندهم. إذ استشعروا أنهم استغفلوا من الغرب، وخسروا كل شيء هناك. يشكل الهجوم الروسي المعاكس على الوضع الدولي والإقليمي في المنطقة حالة انتقام مما جرى في ليبيا، أو محاولة لتحصيل مواقع بديلة. ويحمل في الوقت نفسه رسالة حضور بارز، يهدف إلى انتزاع اعتراف دولي بمكانة روسيا، بعد أن تم حصارها بالعقوبات الاقتصادية وتمدد حلف الأطلسي إلى حدودها، والإبقاء على الوضع في أوكرانيا قنبلة موقوتة في الخاصرة الروسية قابلة للتفجير في أية لحظة.

كما يتحقق لروسيا من وراء هذا الاندفاع السياسي والعسكري إحراج الغرب وكشف هشاشة مواقعه ومحدودية ما يمكن أن تحققه السياسات المترددة والانسحابية التي يعتمدها. (نذكر بأن الجيش الروسي لم يطأ الأرض السورية في سبعينات القرن الماضي رغم وجود معاهدة دفاع مشترك مع نظام الأسد في المرحلة السوفييتية، لأن المعادلة الدولية لم تكن تسمح بذلك). باختصار، إن ما فعله ويفعله الروس على الأرض السورية جزء من المواجهة الكبرى مع الغرب. له أسبابه التاريخية منذ عهد القياصرة، تتعلق بالبحار الدافئة. وله شروطه الإقليمية التي توفر للروس حقلاً مفتوحاً للمبادرة والحضور دون عقبات تذكر. ويستند إلى معطيات داخلية، ليست "حرب الشيشان "إلا واحدة منها. لذلك تجري عملية تسويقه روسياً وتغطيته دولياً بوضعه في إطار الحرب على داعش. رغم أنه لن يشكل تحولاً نوعياً في هذا المجال، فبضع طائرات تضاف على مهرجان القصف الجوي، ليس بوسعها أن تحدث الفرق وتقضي على الإرهاب الداعشي. على العكس من ذلك، قد يكون الحضور الروسي سبباً إضافياً لتأجيج التطرف والعنف ونشر النشاطات والمنظمات الإرهابية على نطاق أوسع في شرق المتوسط. حيث يسود الاعتقاد (ويتعزز بما فعله الروس) بوجود مؤامرة دولية على العرب السنة بظهورهم المكشوفة التي لا تستند إلا إلى جدار.

إن إنزال الجنود الروس والخبراء الجدد على الأرض السورية، يضع القضية السورية ورقة بيد سيد الكرملين، يغطي بها السياسات الروسية المخفقة في أوكرانيا ومجلس الأمن والشرق الأوسط، ويضعها باعتبار جديد على طاولة الموازين الدولية، مستغلاً موات الفاعلية في السياسية الغربية، ومعلناً عودة الروح لدبلوماسية البوارج والطائرات.

تعليقات