ما الذي يريده بوتين من سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/10/2015
Front Line

(ترجمة السورية نت)

بالنسبة إلى فلاديمير بوتين، مسألة سورية ليست فقط حول دعم الرئيس بشار الأسد، بل هي حول مكانة روسيا في العالم.

منذ بدأت الغارات الجوية الروسية في سورية في الشهر الماضي، استخدمت روسيا القتال ضد الإرهابيين أمثال داعش حجةً لتأييد حكومة الأسد.

لكن التدخل العسكري الروسي في سورية بدأ بينما كانت روسيا بحد ذاتها تصارع في ظل العقوبات الغربية، والاقتصاد المريض والعزل الدبلوماسي الذي جاء نتيجة لضمها القرم ودورها في الصراع في شرق أوكرانيا. حملتها في سورية تحمل المخاطر التي تأتي مع أي تدخل أجنبي – الخسائر المتصاعدة والتكاليف المستمرة وخطر الوقوع في مستنقع، وحدوثها في وقت قريب جداً بعد أوكرانيا، حيث عانت روسيا لإخفاء دورها العسكري، تزيد فقط من احتمال فقدان الدعم الشعبي.

إذاً لماذا المراهنة؟

يقول الخبراء قد يكون الأسد ذو قيمة، حيث كان الحليف الذي يقدم لروسيا موطئ قدم في الشرق الأوسط، لكن التدخل يدور حول شيء أكبر من ذلك بكثير وهو ضمان النفوذ الروسي في المنطقة ومكانها على طاولة المفاوضات.

"الروس قد لذعوا لفترة طويلة تحت الاستراتيجية الغربية في عزل روسيا، ولهذا كانت هذه فرصة لتقول عليكم أن تتعاملوا معنا. نحن لاعب حقيقي في هذه الأزمة’"، حسبما يقول اندرو وايس، نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

نظراً لممانعة الولايات المتحدة على ما يبدو من التعمق في الانخراط في الحرب الأهلية السورية، والضغوط الشديدة التي تواجهها الدول الأوروبية نتيجة لأزمة اللاجئين، رأى بوتين فرصة لإعادة تأكيد النفوذ الروسي حسبما يقول الخبراء.

النقطة التي تريد روسيا توضيحها من خلال تدخلها هي " أنها يمكن أن تكون حليفاً مفيداً، أو خصماً إشكالياً"، ولذلك لا ينبغي أن تكون معزولة، حسبما يقول مارك جاليوتي، وهو خبير في الأمن الروسي في مركز جامعة نيويورك للشؤون العالمية.

بينما تتشابك الحدود والشواطئ الأوروبية تحت ضغط من مئات الآلاف من اللاجئين، وغالبيتهم العظمى من السوريين، تقدم روسيا للقادة (مع وجود الأسد إلى جانبها) بصيصاً من الأمل في إيجاد حل تفاوضي للصراع. ومع ذلك، اتهم مسؤولون أمريكيون روسيا التي تصر على أنها تستهدف مقاتلي داعش، باستهداف جماعات الثوار المدعومة من قبل وكالة المخابرات المركزية في المقام الأول في غاراتها الجوية.

تغيير الموضوع

قدمت سورية الفرصة للكرملين لتحويل الموضوع عن النزاع في شرق أوكرانيا، حسبما يقول وايس. حيث تصاعدت الحملة السورية بينما انحسر القتال في أوكرانيا تدريجياً إلى جمود غير مستقر. وقد أدت الحرب الأوكرانية إلى مقتل ما يقرب من 8000 شخص، بما في ذلك الجنود والانفصاليون والمدنيون، وأثراً من الدمار المادي والاقتصادي الذي أدى إلى نزوح 1,4 مليون على الأقل من منازلهم – ليست قصة مجيدة سهلة لروسيا.

هذه المناورة يمكن أن تؤتي ثمارها، وفقاً لمركز استطلاعات الرأي العامة الروسية، المعروفة باسم فتسيوم، الذي قال في الأسبوع الماضي أن تصنيف موافقة بوتين ضرب رقماً قياسياً بلغ ما يقرب من 90 في المئة في أعقاب الغارات الجوية في سورية.

"ويرتبط هذا المستوى الكبير من الموافقة على عمل الرئيس الروسي بالأحداث في سورية في المقام الأول، وبالغارات الجوية الروسية على المواقع الإرهابية هناك"، حسبما يقول مركز الاستطلاع. ومع ذلك يوحي الخبراء بأن استطلاعات الرأي في روسيا تُأخذ مع حبة ملح. فعلى سبيل المثال، لم ينزل تصنيف موافقة بوتين إلى اقل من 80 بالمئة منذ آذار عام 2014 على الرغم من الركود المتفاقم في روسيا.

وقد ساعد بوتين على تعزيز الدعم الشعبي من خلال إدعائه بأن حملة سورية تهدف لتوجيه ضربة ضد الإرهابيين الذين يشكلون تهديداً لروسيا، في حين أنهم آمنون في بلد شخص آخر.

"قبل ذلك، كان هناك مقاومة، لأن الناس لا يريدون أن يروا أبنائهم يموتون في سورية"، حسبما يقول غاليوتي. ولكن حتى الآن، "تم تقديمه بشكل كبير بوصفه تدخلاً آمناً كلياً" – من وجهة النظر الروسية، فهي تقريباً "حرب ضد الإنتان".

التكاليف

على كل حال، فقد مات جندي واحد على الأقل على الأرض. أكدت روسيا قتيلها العسكري الأول في سورية يوم الثلاثاء، ولكن على حسب رواية الجيش فالجندي فاديم كوستينكو البالغ من العمر 19 عاماً، قد انتحر.

التكلفة الأخرى الواضحة للتدخل، إلى جانب إمكانية إصابة أو قتل الجنود الروس، هي التكلفة الاقتصادية. تكلف الغارات الجوية في سورية ما يقدر بنحو 2,3 مليون دولار إلى 4 ملايين دولار يومياً، وفقاً لما قاله أحد كبار المحللين في تقرير فاينانشل تايمز مؤخراً. يأتي هذا الإنفاق في الوقت التي تظهر فيه الأرقام الحكومية أن الاقتصاد الروسي يكافح في ظل العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط، التي انكمشت بنسبة 3,8 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وبنسبة 4,3 في المئة في الربع الأخير. وفي الوقت نفسه، أفاد البنك الدولي أن معدل الفقر في روسيا قد ارتفع إلى 15,1 في المئة، الذي تفاقم بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ليس للتدخل "نفقة ضخمة" في الوقت الراهن، ولكنه "نفقة حقيقية والميزانية الروسية قد تمددت إلى أقصى حد"، وفقاً لويليام بوميرانز، نائب مدير معهد كينان للدراسات الروسية المتقدمة في مركز وودرو ويلسون. "في ميزانية بوتين لعام 2015، من الواضح أنه اختار البنادق بدلاً من الزبدة، فقد زاد من الإنفاق العسكري وإنفاق الدفاع، وخفّض الإنفاق على الصحة والتعليم"، حسبما يقول بوميرانز.

في عام 2014، أعلن مسؤول في وزارة الدفاع الروسية أن ميزانية البلاد الدفاعية في 2015 ستصل إلى رقم قياسي وهو 81 مليار دولار، أو 4,2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في روسيا في ذلك الوقت، وفقاً لصحيفة موسكو تايمز. وقال المسؤول، الأدميرال فلاديمير كومويدوف، "هذه المعايير هي أعلى بكثير مما كانت عليه في عام 2014، عندما كانت نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي 3,4 في المئة".

حتى الآن، لم تكن روسيا قادرة على الاعتماد على احتياطي العملات لملء العجز في الميزانية، ويقول بوميرانز، ولكن "في مرحلة ما، سيتعين على بوتين أن يشرح للروس سبب عدم إنفاقهم أي شيء لتحسين مستوى معيشتهم، واشتراكها فقط في أنواع مختلفة من الحروب".

 مجاهيل التدخل

في الوقت الراهن، يبقى من غير الواضح إلى أي مدى قد تكون روسيا مستعدة للذهاب، وكم من الموارد مستعدة لإنفاقها في سبيل تأمين مكان الأسد، حسبما يقول الخبراء. لأن واحداً من أهداف روسيا الرئيسية هو الإثبات للولايات المتحدة وأوروبا أنه لا غنى عنها في حل الأزمة، فقد تكون مفتوحة على مجموعة من الخيارات المحتملة – من الحفاظ على الأسد، إلى الانتقال إلى حكومة أخرى صديقة لموسكو، أو ببساطة إخراج روسيا من برد التفاوضات الدولية.

وهناك عامل مجهول في التدخل الروسي – قوة القوات في الميدان لدعم حكومة الأسد (من الجيش السوري إلى الميليشيات الشيعية وحزب الله ومستشاري إيران العسكريين)، قدرة روسيا على تنفيذ جهد عسكري على المدى الطويل، وما إذا كانت الأحداث على أرض الواقع ستجبر روسيا على تصعيد حملتها.

"حتى الان، كل شيء يحدث بشكل صحيح بالنسبة لروسيا في سورية، في مرحلة ما، سوف نرى طائرات تسقط، أو سوف نرى هجمات على غرار الهجمات الإرهابية على قواعدها. وحينها سيكون السؤال هل سيشعرون بالحاجة إلى التصعيد ويحاولون ويرسلون المزيد من القوات؟ هذه هي طريقة الانزلاق إلى هذه الحروب – التي تعتقد أنه يمكنك السيطرة عليها". حسبما يقول غاليوتي.

"إنه رهان بوتين على أنه يمكنه الدخول والخروج بسرعة، وبطريقة أو بأخرى مع سمعة معززة وحتى نصر ربما"، حسبما يقول بوميرانز. ولكنه حذر من أن " الشرق الأوسط لا يبدو بأنه يمنح الناس حروب قصيرة منتصرة".

تعليقات