ما الذي يعنيه الاتفاق الإيراني بالنسبة لسورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/7/2015
Carnegie Endowment For International Peace
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

لقد حدث أمر تاريخي للتو. في الاتفاق الذي عقد في فيينا، وافقت حكومة إيران على أنها "لن تسعى مطلقاً وفق أي ظروف، لتطوير أو امتلاك أي أسلحة نووية." في المقابل، سيتم رفع أغلب العقوبات الدولية عنها بشكل تدريجي.

بالنسبة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، قد يكون هذا الإنجاز في السياسة الخارجية هو تتويج فترته الرئاسية. "اليوم بعد عامين من المفاوضات، حققت الولايات المتحدة، مع حلفائنا الدوليين، أمراً لم تتمكن من تحقيقه عقود من العداء: اتفاق شامل طويل الأمد مع إيران سيمنعها من الحصول على سلاح نووي،" قال الرئيس هذا في خطاب له بعد أن تم توقيع الاتفاق.

يدعو البيت الأبيض اتفاق فيينا بـ"الاتفاق التاريخي" وإن صفة التاريخي تبدو بأنها الصفة المفضلة لذلك اليوم – لدى كل الأطراف. على سبيل المثال، اعتبرت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني يوم 14 تموز "يوماً تاريخياً" واحتفى وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند بالاتفاق على أنه "اتفاق تاريخي"، بينما فضل وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف عبارة "اللحظة التاريخية".

في الجهة المقابلة، اعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي (ووزير الخارجية) بنيامين نتنياهو "خطأً تاريخياً". ووافقه سياسيون إسرائيليون آخرون بعبارات استنكار مماثلة، مثل نائبة وزير الخارجية تيسيبي هوتوفيلي التي دعت الاتفاق بـ"الاستسلام التاريخي." ولكن وزير التعليم الإسرائيلي المتشدد نفتالي بينيت غير من تلك العبارات وكان له رد فعل تاريخي عوضاً عن ذلك، محذراً من أن خطوة إيران التالية قد تكون القضاء على لندن ونيويورك.

أثناء ذلك، اعتبر المعلق حول أمور الشرق الأوسط، والدبلوماسي الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر أن الاتفاق لا يمثل "كارثة تاريخية" ولا "تحولاً تاريخياً."

في سورية، حيث تمثل الحكومة الإيرانية الداعم الرئيسي لحكومة الرئيس بشار الأسد، لم تكن المعارضة سعيدة بالأنباء كما كان متوقعاً. ولكن الرئيس نفسه ابتهج – وقام بسرعة بإرسال برقية تهنئة للقائد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي أشاد فيها بـ"الإنجاز التاريخي."

هل سيحصل الأسد على المزيد من الأسلحة؟

كل من روسيا والصين تسعيان الآن للدخول إلى سوق الأسلحة الإيراني، الذي سينتعش بالتأكيد ما أن تبدأ أموال النفط بالعودة إلى خزائن الحكومة في طهران. قدر بعض المعلقين أن روسيا تتوقع حوالي 13 مليار دولار من مكاسب تصدير الأسلحة ولن يصدم أحد بمعرفة أن الكرملين كان يدفع لرفع عقوبات الأسلحة مباشرة بعد الاتفاق.

تجارة الأسلحة الإيرانية تهم سورية إلى حد كبير. فبينما تركز أولوية الكرملين بالطبع على تحسين دفاعات إيران الخاصة، أثبتت الأعوام الأخيرة أن إيران ترى أن أمنها الخاص يرتبط بشكل لا يفصم مع شبكة الحلفاء المحليين والوكلاء الذين زرعتهم في سورية والعراق ولبنان خلال العقود السابقة. هؤلاء الحلفاء يتضمنون الأسد وعدة ميليشيات سورية مؤيدة للحكومة، ولكن أيضاً الفصيل الشيعي اللبناني حزب الله والميليشيا الشيعية العراقية التي تقاتل في كل من العراق وسورية. وبعد أن أنفقت المليارات على دعم حلفائها الإقليميين حتى مع ما عاناه اقتصادها بسبب العقوبات الدولية القاسية، من غير المرجح أن تتراجع إيران الآن.

الخلافات حول عقوبات الأسلحة التقليدية كانت حسبما أفادت التقارير هي القضية الأخيرة التي بقيت على الطاولة مع بلوغ محادثات فيينا لمراحلها النهائية. لوح الحلفاء الأمريكيون كالمملكة العربية السعودية بهذه القضية على أنها قضية رئيسية وكذلك فعل الجيش الأمريكي. ففي توصية صريحة على غير العادة، أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي أنه لا يجب "وفق أي ظروف" أن يسمح الاتفاق النووي "برفع الضغط عن قدرات إيران الخاصة بالصواريخ البالستية وتجارة الأسلحة."

إيران من جهة ثانية، قد كانت تواقة لتزيد من منافع الاتفاق بالنسبة لحلفائها، مع قول مفاوضها مؤخراً لوسائل الإعلام أن الاتفاق سيسمح لطهران "بالاستمرار بتقديم الأسلحة الدفاعية لحلفائها الإقليميين لمحاربة الإرهاب والتطرف." هذه من غير المرجح أن تكون وجهة النظر الأمريكية – ولكن الكلمة الرئيسية هنا هي "الاستمرار". لأعوام كانت الحكومة الإيرانية تقوم بالفعل بالاستخفاف بالعقوبات عبر تحويلها للأسلحة والخبرات العسكرية إلى جيش الأسد ولحفاء إقليميين آخرين. ربما أدت العقوبات لدرجة معينة من التكتم، ولكنها لم تكد تؤثر على التجارة نفسها. الذي حققته تلك العقوبات هو رفع كلفة الشراء ومنع إيران من الحصول على منتجات حديثة معينة لأجل حلفائها.

هل سيتغير ذلك الآن؟

وفقاً لوصف الرئيس أوباما للاتفاق، لن يتم رفع عقوبات الأسلحة مباشرة. عوضاً عن ذلك، سترفع بشكل تدريجي مع مراقبة الامتثال الإيراني خلال عدة أعوام. "يجب أن تتقيد إيران بالاتفاق قبل أن يتم رفع عقوبات إضافية،" قال الرئيس ذلك في خطابه في البيت الأبيض، "بما في ذلك خمسة أعوام للقيود المتعلقة بالأسلحة، وثمانية أعوام للقيود المتعلقة بالصواريخ البالستية."

شحنات صواريخ موسكو

مع ذلك، إلى حد ما، فإن الجيش الإيراني يستفيد بالفعل من الاتفاق. في شهر نيسان، أشار الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين إلى أن التقدم في المحادثات النووية هو السبب لرفعه الحظر على مبيع صواريخ S-300، وهي نظام دفاع جوي قوي لطالما سعت إيران لامتلاكه كوسيلة لمواجهة التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي.

زعمت إيران مؤخراً أنها اخترعت نسختها الخاصة عن صواريخ S-300 والتي انتجتها محلياً، ولكن ذلك كان مجرد خدع إعلامية – والدليل على ذلك هو واقع استمرار وزير الدفاع الإيراني بالرغبة للحصول على الصواريخ الأصلية روسية الصنع.

سورية أيضاً، سعت لإتمام اتفاق ما قبل عام 2011 لشراء صواريخ S-300، بعد أن أوقفت موسكو شحناتها، على أسس اقتصادية ظاهرياً. إن كان الرفع التدريجي للعقوبات الدولية على إيران سيغير من الأمور بالنسبة لجهود الأسد الشرائية أم لا، لم يتضح ذلك بعد.

إيران الأقوى تعني أسداً أقوى

بالنسبة للأسد إذاً، من غير المرجح أن ينتج اتفاق فيينا شحنات فورية للعتاد العسكري. ولكنه سيضمن على الأرجح تزايد القوة المالية والسياسية لحليفه الأهم.

الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران تلعب بالفعل دوراً هاماً في دفاعات الأسد في أماكن عدة في سورية، مع وجود مقاتلي حزب الله بشكل بارز في الهجوم الحالي على مدينة الزبداني. ولطالما تواجد المستشارون العسكريون الإيرانيون في البلاد، وإن إيران هي الممول الأساسي لشبكة ميليشيات قوات الدفاع الوطني، التي ساعدت على ملء الفراغ الذي خلفه تقلص جيش الأسد منذ عام 2012.

ولكن مساهمات إيران الاقتصادية واللوجستية في الجهود الحربية للأسد قد تكون أكثر أهمية حتى. الاتصالات السياسية الإيرانية والمنظمات الإيرانية والتمويل الإيراني يدعم حركة ناقلات النفط التي تسمح لاقتصاد الأسد وبنيته التحتية وقدرات توليد الطاقة لديه بالاستمرار. الدعم المالي الإيراني وشحنات المساعدات قد مكنت من شراء النفط وواردات أساسية أخرى. وحديثاً في 19 أيار وقعت إيران وسورية اتفاقاً جديداً بقيمة مليار دولار من القروض، مقدمة حبل نجاة آخر لاقتصاد الأسد المنهار.

القيام بدعم الأسد وحزب الله والحكومة العراقية وعدة حلفاء أكراد وفلسطينيين وغيرهم يمثل مشروعاً مكلفاً للغاية بالنسبة لإيران. بشكل خاص سورية التي بدت منذ عام 2011 كهوة بلا قعر ترمي إيران داخلها نفطها التي عملت بجد للحصول عليه وأموالها من دافعي الضرائب التي بلغت المليارات. خلال الأعوام القليلة السابقة من الضغط الاقتصادي الذي سببته العقوبات، بدا أن العديد من الإيرانيين قد بدأوا بالتذمر من التكاليف. ولذلك فإن رفع العقوبات المالية والنفطية مهم جداً بالنسبة للأسد. المزيد من الأموال لإيران يعني المزيد من الأموال لسورية، أو على الأقل يعني ضغطاً محلياً إيرانياً أقل لتخفيض المستوى الحالي للتمويل.

ومع الثروة تأتي المغازلة. ستفتح الأسواق الإيرانية مجدداً بعد الأعوام الشحيحة بسبب العقوبات. سيكون لدى النظام والحكومة الأموال الكافية لبدء مشاريع إصلاح كبيرة للبنية التحتية. لذا فإن العديد من شركاء تجارتها الحاليين والسابقين (الذين يتضمنون بالتأكيد أفراد الاتحاد الأوروبي) سيقومون على الأغلب بالتقليل من اعتراضاتهم على السياسات الإيرانية الإقليمية إن كان هذا ما سيتطلبه الأمر لمشاركتها. من الممكن، بل من المرجح، أن يساعد هذا إيران على ترويج نظرتها الخاصة للحرب السورية.

الأسد يأمل ذلك بوضوح، مشيداً باتفاق فيينا على أنه "نقطة تحول أساسية" في العلاقات الإيرانية مع بقية العالم.

هل سيغير الاتفاق إيران؟

في عالم السياسيات السورية التآمري، تنتشر الشائعات حول "شروط سرية تتعلق بسورية" ضمن الاتفاق. تخشى المعارضة حدوث اتفاق سري ينفع إيران والأسد، بينما يخشى مؤيدو الحكومة من أن إيران ستتحرك الآن نحو تحسين علاقاتها مع الغرب من خلال التضحية بالأسد. لا يبدو أي من الاحتمالين مرجحاً وإن المفاوضين قد كانوا محقين على الأرجح عندما زعموا أن عملية فيينا ركزت على المسألة النووية بشكل حصري. ولكن ليس من السر أن هنالك أفراد من الجانبيين يريدون رؤية تقارب أشمل، أو زيادة للتنسيق في الصراع ضد الدولة الإسلامية المتطرفة.

مع توقيع الاتفاق النووي وربما تأمينه، أصبح هنالك مجال فجأة لبدء محادثات جديدة. أو إن كانت تجري تلك المحادثات سراً، سيكون بالإمكان تسريع هذه المسارات الدبلوماسية الموازية دون الخشية من التأثير على المحادثات النووية. مهما حدث، فإن العراق وسورية ستكونان من أهم القضايا بالنسبة للمشاركين، إلا أن العراق ستكون محادثاتها مثمرة أكثر من محادثات سورية.

في دفعه الشديد لعقد الاتفاق النووي، بدا أن باراك أوباما قد راهن على أن مزيجاً ما من التجارة والمحادثات سينجح أكثر بالتحفيز على سياسات إيرانية مناسبة لأمريكا من العزل والتهديدات العسكرية التي كانت في العقود السابقة. إن كان محقاً أم لا، فإن ذلك ليس بافتراض غير منطقي. بالنسبة للأسد أيضاً، يجب لذلك أن يحمل احتفال اليوم خشية من التأثير الذي قد يحمله تحسن العلاقات الإيرانية الغربية على الأولويات السياسية لطهران خلال الأعوام القادمة. ربما قد كان ذلك إنجاز تاريخي، ولكن التاريخ يتكشف بإيقاعه وأساليبه الخاصة.

تعليقات