ما لا يفهمه أوباما حيال سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/11/2014
Foreign Policy
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

من المرجح أن تحكم الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة لهزم "الدولة الإسلامية" بالفشل. وفي الواقع، إنها تخاطر بتحقيق عكس هدفها المراد: زيادة قبول الجهاديين في سورية والعراق وفيما يتجاوزهما، مع تركهم المجال مفتوحاً لتمدد "الدولة الإسلامية" إلى مناطق جديدة.

يرجع ذلك بجزء كبير منه إلى أن الولايات المتحدة تعاملت إلى الآن مع مشكلة "الدولة الإسلامية" بمعزل عن الوجوه الأخرى للصراع الممتد عبر الحدود بين سورية والعراق. وما لم تأخذ إدارة باراك أوباما نظرة أكثر شمولية، فإنها ستكون عاجزة عن الرد بفعالية على الوضع المتردي على الأرض.

الخبر الجيد هو أن البيت الأبيض لازال بإمكانه تغيير مساره – وبالفعل، فإن الرئيس أوباما طلب حسبما أفادت التقارير مراجعة استراتيجية إدارته في سورية. وخلال وضعه على طريق جديد للمضي قدماً، فالبيت الأبيض بحاجة لفهم ثلاث نقاط حيال "الدولة الإسلامية" والمشهد العسكري الذي تنفذ عملياتها ضمنه.

  1. النمو أساسي لمستقبل "الدولة الإسلامية"، وأفضل فرص لتحقيق ذلك موجود في سورية:

يعتبر عرض القوة ضرورياً لقدرة الجماعة الجهادية على الفوز بمجندين وداعمين جدد. وفي جو من الاستقطاب الطائفي ووسط الغضب السني المتزايد من الاستخدام العشوائي للعنف من قبل الحكومتين السورية والعراقية والمليشيات المتحالفة معهما، فقد كانت الميزة الأهم لـ"الدولة الإسلامية" هي مقدرتها على التباهي بسلسلة من الانتصارات الباهرة. كما أن اغتنامها للأراضي عكس قوتها، التي تناقض كثيراً وضع منافسيها السنة، مثل الشخصيات السنية السياسية البائسة في بغداد والمعارضة المسلحة المعتدلة التي تقاتل في سورية. الزخم في أرض المعركة يقدم أيضاً لـ"الدولة الإسلامية" علامة تسويقها الجذابة التي تخفي فيها ما هو في النهاية نتاجها المألوف المنفر: الحكم الاستبدادي للحزب الواحد، المفروض بالقوة الوحشية وقوات الأمن السرية.

"كونوا متأكدين أيها المسلمون من أن دولتكم جيدة وفي أفضل حالاتها"، قال هذا "خليفة" "الدولة الإسلامية" أبو بكر البغدادي في آخر حديث مسجل له. "لن تتوقف مسيرتها وستستمر بالتوسع، بإذن الله".

وعلى الرغم من أن حملتها الدعائية تبين العكس، ففي الواقع وضعت "الدولة الإسلامية" التوسع وتوحيد سلطتها في المناطق العربية السنية في أولوياتها بقدر ما تحاول السيطرة على الأراضي والموارد من القوات والحكومة الكردية، وتقوم بذلك في هوامش منطقتها أو في المناطق المعزولة – مثل مدينة كوباني السورية الشمالية – التي تعد ضعيفة بشكل خاص.

لـ"الدولة الإسلامية" حافز لأخذ هذه المواقع السهلة، ولكن حيازة مناطق العرب السنة تقدم مكاسب أكبر. كل تقدم في هذه المناطق لا يساهم وحسب في زيادة زخم الجماعة المعروض، إلا أنه يأتي أيضاً على حساب المنافسين السنة المحليين. يعد ذلك حاسماً، لأن القوات المحلية هذه لديها إلى الآن أفضل سجل لدحر المنظمة من المناطق العربية السنية في العراق وسورية. فالقبائل السنية والثوار طردوا الجماعة – التي كانت معروفة حينها بـ"الدولة الإسلامية" في العراق – مع مساعدة الأمريكيين في عام 2007 و2008، وقد طردتها الجماعات الثورية من مدينة حلب ومن معظم شمال غرب سورية في بداية عام 2014.

إن استطاعت "الدولة الإسلامية" تنحية مثل هؤلاء المنافسين واحتكار المقاومة السنية للحكومة المكروهة ولقوات المليشيات، فإنها ستضمن بقاءها للمستقبل المنظور. ولقد حققت هذا بفعالية في العراق بالفعل وتأمل الآن أن تحقق ذلك في سورية.

يبدو أن الهدف ذو القيمة الأعلى بالنسبة لتوسع "الدولة الإسلامية" في سورية والعراق هو الريف السوري في شمال حلب. تتحكم فصائل الثوار بهذه المنطقة ولكنها متمددة أكثر مما تستطيع في سعيها لصد "الدولة الإسلامية" قرب بلدة مارع بينما تكافح في الوقت نفسه لمنع النظام من تطويق قواتها داخل مدينة حلب، التي تقع 15 ميلاً إلى الجنوب. إن صّعد الجهاديون من هجماتهم على مارع في المستقبل القريب، فإن قوات الثوار التي تصارع بالفعل لتبطئ تقدم النظام في حلب لن تكون قادرة على الأغلب على منع "الدولة الإسلامية" من تحقيق مكاسب مهمة.

ما يقع في دائرة الخطر في ريف حلب الشمالي هو المنطقة الحدودية الاستراتيجية في قلب منطقة المعارضة. فإن حازت "الدولة الإسلامية" على هذه المنطقة، فسيمكنها ذلك من السيطرة على خط إمداد مهم من تركيا وستعطيها موطئ قدم تتمكن منه من التوسع أكثر نحو الغرب. أما بالنسبة لقوات الثوار المعتدلة فإن ذلك سيشكل خسارة إنسانية ولوجستية ونفسية كبيرة ومدمرة.

وضمن هذا السياق، فإن النهج الأمريكي الحالي لإعطاء الأولوية لحقل المعركة العراقي مع تأجيل الفصل في القرارات الصعبة حول سورية يتعارض مع المعطيات على الأرض.

  1. "الدولة الإسلامية" والنظام السوري معضلتان مرتبطتان بشكل لا ينفصم:

اعترف المسؤولون الأمريكيون علناً بأن تصرف النظام السوري – بل هو بطبيعته – يعد عاملاً أولياً لتغذية صعود الجهاديين وأن قوات الرئيس السوري بشار الأسد تستمر بقتل أعداد أكبر من المدنيين (والثوار) مما تفعل "الدولة الإسلامية". ويحددون أيضاً بأن دور الثوار المعتدلين سيكون أساسياً في عكس مكاسب الجهاديين. ومع هذا فإن تطبيق السياسة الأمريكية يشجع دمشق ويقوض دور الثوار أنفسهم والتي تصمم على دعمهم ظاهرياً.

وكانت غارات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قد مكنت النظام من إعادة توجيه قواته لمواجهة الثوار المعتدلين، الذين تبقى هزيمتهم أعلى أولويات النظام. ومنذ بدء الغارات ضد "الدولة الإسلامية"، حصلت قوات النظام على أراضٍ من الثوار المعتدلين في جبهات مهمة في محافظة حمص وفي مدينة حلب، وفي حالة حلب، فقد حصلوا على هذه الأراضي من جماعات الثوار نفسها التي تواجه "الدولة الإسلامية" في الريف الشمالي القريب.

إن الاستهداف في حملة واشنطن الجوية شوش على الخطوط بين الاستراتيجيات الحربية للنظام ولأمريكا فعوضاً عن أن تركز انتباهها على قصف أهداف "الدولة الإسلامية" شرق سورية، قامت الولايات المتحدة بقصف جبهة النصرة التابعة للقاعدة في غرب حلب والتي تقوم بمحاربة النظام و"الدولة الإسلامية"، جبهة النصرة التي كسبت مصداقيتها لدى قاعدة المعارضة. وفي إحدى الحالات، بدا أن الولايات المتحدة قصفت أيضاً أحرار الشام، الجماعة السلفية التي قامت بإدارة برنامجها السياسي بشكل كبير في الشهور الأخيرة والتي ينظر إليها بشكل واسع كمكون سوري أصيل من الثورة (وإن كانت متشددة). وادعاء واشنطن أن هذه الغارات استهدفت أعضاء من خلية "خراسان" السرية التي تخطط لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة وأوروبا يعد غير مقنع لدى الثوار – على الأقل لأن واشنطن لم تذكر "خراسان" علنياً أبداً حتى الأسبوع الذي سبق الجولة الأولى من الغارات.

مثل هذه الغارات تقوي المزاعم الجهادية بأن حملة الولايات المتحدة تهدف لدعم الأسد بينما تقوم بتقويض عدد من القوات الإسلامية، ولذا فإن هذه الغارات تمثل نكسة كبيرة لمصداقية هؤلاء الثوار الراغبين بالتحالف مع الولايات المتحدة. فبالنسبة لقائد الثوار الذي يسعى لإقناع مقاتليه أن التعاون مع واشنطن يصب في مصلحتهم، فإن الغارات الأمريكية التي تتجاهل نظام الأسد بينما تقوم بضرب أحرار الشام تعد صعبة التبرير. وحتى بافتراض أن "خراسان" تمثل تهديداً يبرر رد فعل عاجل، فعلى واشنطن أن توازن بحذر بين الخسارات الفورية التي يعاني منها المجاهدين في الغارات مقابل منافع التجنيد التي يكسبوها من التململ المتصاعد ضمن صفوف الثوار من نهج الولايات المتحدة.

تواجه واشنطن أيضاً مشكلة أكبر في تنفيذ عملياتها: كيف تأمل تقوية الثوار المعتدلين في شمال سورية إن استمر النظام بدفعهم إلى شفا الهزيمة؟ الحصة المخصصة من سياسة البيت الأبيض لتقوية هؤلاء الثوار – برنامج التدريب والتسليح لـ 5,000 مقاتل على مدى عام بميزانية 500 مليون دولار- ستكون قليلة ومتأخرة ولن تمكنهم من الحفاظ على أرضهم ضد التصعيدات المتوقعة من قبل "الدولة الإسلامية"، وضد الجهود الحالية لجبهة النصرة لمد سيطرتها داخل مناطق الثوار، وضد اعتداءات النظام المستمرة.

  1. يجب أن يختلف "التجميد" جوهرياً عن "وقف إطلاق النار" ليكون أكثر نفعاً:

يدعو المبعوث الأممي الخاص ستيفان دي ميستورا إلى "تجميد القتال" في المعركة الحاسمة بين قوات النظام والمعارضة في حلب. الهدف منه هو تخفيف الكارثة الإنسانية في شمال المدنية والسماح لكل الجماعات بتركيز مواردهم على محاربة "الدولة الإسلامية".

إن استخدام دي ميستورا لكلمة "تجميد" عوضاً عن "وقف إطلاق النار" يعد أمراً مهماً. فإن اتفاقيات وقف إطلاق النار قد فقدت مصداقيتها في سورية: فالنظام استغلها كدعامة لاستراتيجيته، كونه يقوم بمثل هذه الاتفاقيات مع الثوار ليضمن فوزاً عسكرياً أو ليسحب موارده من منطقة لأخرى. إن امتلاك النظام لقوة نارية أكبر بكثير ضَمَن له انحراف شروط الاتفاق لصالحه – وقد استخدم غالباً انتهاكات فاضحة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الحصار والقصف العشوائي، لتحقيق أهدافه. لذا فإن حالات وقف إطلاق النار لم تقد لتخفيف مستوى العنف على مستوى البلاد أو لتقليل المظالم المشروعة التي أثبتت الجماعات الجهادية أنها معتادة على استغلالها.

بمكان التجميد في حلب إنقاذ الأرواح ومساعدة الجهود الساعية لمحاربة "الدولة الإسلامية"، ولكن ذلك لن يتحقق إلا إن تم حفظ القدرة القتالية للمعارضة المعتدلة. فإن أدى ذلك إلى ضمان نصر للنظام أو إن مكّن دمشق من إعادة توظيف مواردها ضد الثوار المعتدلين في منطقة أخرى، فإنه سيصب في مصلحة "الدولة الإسلامية". وبمقدار ما يتمكن النظام من حيازة الأراضي من الثوار المعتدلين، إن كان عبر القوة أو الهدن، فإنه سيؤدي لإبعاد المنافسين السنة من طريق الجهاديين.

ومع ذلك فإن مواقع النظام حول حلب قوية جداً، نظراً لتقدمها تجاه قطع خط الإمداد النهائي للثوار إلى المدنية، ولا تملك حالياً أي حافز لتحقيق أي اتفاق يترك قدرة الثوار القتالية محفوظة. ستفضل دمشق تقديم ضربة حاسمة للمعارضة المعتدلة في حلب، وهذا ما سيؤدي لشل حلفاء الغرب المحتملين ولترك النظام وحده كالحصن المفترض ضد الجهاديين. يدرك الثوار هذا، ونظراً لتجربتهم السلبية مع وقف إطلاق النار في أماكن أخرى، فحتى أولئك المؤيدين للتجميد من غير المحتمل أن يحاولوا إقناع المتشككين في صفوفهم ما لم يروا سبباً جديداً يتيح لهم الأمل لتحقيق اتفاقية عادلة.

إن أساس المعضلة الأمريكية في سورية واضح إذاً: فتقويض الجماعات الجهادية يتطلب تقوية البدائل السنية المعتدلة، ولكن القيام بذلك قد يكون مستحيلاً ما لم يكن بالإمكان إقناع أو إجبار دمشق (أو داعميها في طهران) لتحويل استراتيجيتهم بشكل كبير. فإلى الآن يعامل النظام المعارضة المدعومة من قبل الغرب والعرب والأتراك كمصدر تهديد رئيس لسيطرته في سورية ويعامل "الدولة الإسلامية" كمصدر قلق ثانوي تقوم الولايات المتحدة حالياً بمساعدته على التعامل معه. كما أن إيران لم تفعل شيئاً لتظهر وكأنها تعارض استراتيجية النظام، بل إنها تمكّنها. ويبدو بأن دمشق وطهران تعتقدان بأن تحقيق نصر للنظام هو مسألة تتعلق بالمحافظة على مسار الصراع الحالي ببساطة. ولكن وجهة النظر هذه قصيرة المدى وقد تؤدي لتحقيق تجنيد واسع غير متوقع للجماعات الجهادية. إن أرادت واشنطن منع حدوث ذلك – وإيقاف الدورة غير منتهية من الصراع الذي قد تؤدي لإدامته – فعليها أن توازن بين العراق وسورية بشكل أفضل، وأن تحسن تخطيط غاراتها الجوية، وأن توجد طرق لتغيير حسابات دمشق وطهران.