ما هو مصير دولنا بعد «اتفاق لوزان»؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/4/2015
الشرق الأوسط

خاطرتان مرّتا ببالي عندما كنت أصغي قبل أيام لكلمات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم الرئيس الإيراني حسن روحاني.. بعد مفاوضات إيران النووية مع مجموعة «5+1» في لوزان.
الأولى، أن اتفاق الجميع على أن ما تحقّق في لوزان كان «إنجازا» أمرٌ يدعو إلى الاستغراب، ولا سيما في ظل التسريبات المتواترة حول وجود «نقاط خلاف» تهدّد بنسف العملية التفاوضية الطويلة برمّتها، وكذلك حرص الأطراف المتفاوضة على التركيز على الجانبين التقني والمالي في العملية، والتجاهل المتعمّد للعواقب السياسية. إذ أسهب المتفاوضون في الكلام عن تفاصيل تقنية قد لا تعني الكثير للإنسان العادي، غير أنها تشكل - بلا شك - عنصرا أساسيا في تطوير بلد ما قدرات نووية. كذلك، كانت العقوبات الدولية المفروضة على إيران أيضا مسألة مهمّة في ما يصوّره نظام طهران على أنه «حصار اقتصادي» يهدف إلى تركيعه سياسيا.

والثانية، أنه لم يعد أصلا ثمة حاجة بإيران إلى قدرات نووية - بل قل «سلاح نووي» - إذا كان المجتمع الدولي قد وافق ضمنيا على التسليم لها بالنفوذ الإقليمي الذي كانت تصبو إليه عندما رفعت شعارات «تصدير الثورة» في مطلع عهد الثورة الخمينية. أما الفارق الوحيد بين تلك الأيام الخوالي واليوم فهو أن قادة طهران ما عادوا مضطرّين إلى تبرير مشروع هيمنتهم بالإسلام، فالهيمنة الآن إمبريالية «فارسية» وفق الكلام المثير للجدل لعلي يونسي، مستشار روحاني.

عبر السنوات الأخيرة أتقن المفاوضون الإيرانيون المساومة كما لو كانوا في «بازار». ثم ازدادت ثقتهم بالقدرة على تحقيق النجاح في عهد إدارة أميركية قلبت فعليا مجمل المنظور الاستراتيجي لسياسة واشنطن الشرق أوسطية رأسا على عقب. ذلك أنه بالتوازي مع مفاوضات مجموعة «5+1» النووية كانت واشنطن منهمكة بمفاوضات سرّية مع طهران عقدت في مسقط وأبقيت مخفية حتى عن «حلفائها» العرب والأوروبيين.. يستبعد أن تكون قد أغفلت المشهد السياسي العام في العالم العربي بعدما سقطت ثلاث من دوله فعليا تحت الهيمنة الإيرانية.

ملامح الانقلاب في السياسة الأميركية، على الأقل إزاء إيران، تأكدت بعد كلام أوباما الصريح خلال مقابلتيه مع الصحافي جيفري غولدبرغ في العام الماضي. وخلالهما لام أوباما صراحةً «حلفاء» بلاده على تقصيرهم في التحسّب للتغيير الآتي، وأبدى إعجابه بطبيعة مقاربات إيران السياسية «الاستراتيجية». ثم جاء التأكيد المُطلق للانقلاب مع موافقة الإدارة الأميركية على المشاركة الميدانية في الدفاع عن العراق – تحديدا حكومة بغداد المدعومة إيرانيا – في وجه هجمات «داعش»، وهذا بعد ثلاث سنوات من رفض واشنطن المتكرّر إنشاء «ملاذات آمنة» و«مناطق حظر طيران» في سوريا لحماية المدنيين، حتى بعد استخدام نظام بشار الأسد الأسلحة الكيماوية وقصفه المدن والأرياف بالبراميل المتفجرة.

بالأمس في كلمة الرئيس أوباما تعليقا على نجاح المفاوضات مع إيران، لوحظ حرصه على إبراز أهمية الاتفاق من دون أن ينسى تغطية نفسه دبلوماسيا بكلمات تشكيك و«حفظ خط رجعة»... لا أتصوّر أنها تنطلي الآن على أحد من متابعي الخط البياني لمسار سياسة إدارته. غير أن أبرز ما حملته كلمة أوباما سياسيا للمنطقة قوله أن واشنطن على الرغم من الاتفاق ستظل ملتزمة «بأمن حلفائها»، وابتداء - بطبيعة الحال - مع إسرائيل، مع إشارته إلى الاختلاف العلني في وجهات النظر إزاء إيران مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبعدها طمأن دول مجلس التعاون الخليجي إلى استمرار التزام واشنطن «بأمنها»، وأعلن عن دعوته قادتها لقمة تعقد في كامب ديفيد قريبا جدا..

المشكلة هنا ليست مع مَن اختار أوباما أن يطمئن.. بل مع المساكين السيئي الطالع الذين اختار أن يتجاهل.. لقد أغفلت كلمة أوباما أي إشارة إلى العراق وسوريا واليمن، حيث تخوض إيران حروبا ميدانية حقيقية، وأيضا أي إشارة إلى لبنان المحتل واقعيا حيث يمنع حزب الله - التابع لإمرة الولي الفقيه بلسان أمينه العام - منذ نحو عشرة أشهر انتخاب رئيس للجمهورية ما لم يكن مطيّة له. وفي الدول الأربع، التي تجاهلها الرئيس الأميركي، يعلن القادة العسكريون والأمنيون الإيرانيون على الملأ أنهم الآن يسيطرون على عواصمها.
قبل سنوات نبّه أحد ملوك العرب مما وصفه بـ«الهلال الشيعي» الذي تعمل لإنشائه إيران في منطقة الهلال الخصيب (العراق وبلاد الشام)، وفي ما بعد صُحّح الوصف ليغدو «الهلال الفارسي»، وهو المصطلح الأقرب بكثير إلى الحقيقة.

ثم انتقد رئيس عربي - سابق الآن - ما اعتبره «ولاء مذهبيا كاملا لإيران عند بعض الشيعة العرب». وخلال هذه الحقبة، قبل «الربيع العربي» المدفون، تعزّز النهج المذهبي العدواني والصريح في غير بلد عربي، وتزايد التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية تارة بالمزايدة - حتى على الفلسطينيين - في موضوع «تحرير فلسطين»... وطورا في رفع شعارات «العداء لأميركا وإسرائيل».

غير أن ما حمله «الربيع العربي» من اهتزازات وتجارب محبطة مؤسفة كشف عن عمق أزمة العقل العربي، ومساوئ حقبة الديكتاتورية المزمنة وتأثيرها الفظيع في تدمير النسيج الاجتماعي في كثير من كيانات المنطقة. ومن ثَم، مع اليأس العميق والإحباطات المتراكمة وانهيار المؤسسات وتداعي الثقة بالطروحات الوطنية والقومية، وكذلك الهروب إلى التشكيك بكل شيء وإلغاء كل مخالف، ظهرت آفة الإرهاب المتطرّف. هذه الآفة لفرط سوء الحالة العامة وجدت مَن يبرّرها، ويتعاطف معها من دون أن يدرك أن الهروب اليائس إليها هو بالضبط ما يسعى إليه أعداؤهم.. لوضعهم جميعا في خانة الإرهاب، وبالتالي جعل قتالهم مهمة ضرورية مطلوبة من المجتمع الدولي.
إن كلام أوباما عن «حماية» الحلفاء العرب مع إطلاق يد إيران في دول عربية أخرى سياسة مدمّرة لأننا هنا إزاء «سيناريو» حماية دول عربية من «هلالين فارسيين» شمالي وجنوبي يطوقانها.
فهل نقبل أن نصبح «محميّات» بعدما ظنّنا لبعض الوقت بأنّنا صرنا دولا مستقلة؟