مبادرة أخرى للالتفاف على جنيف

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/8/2015
العربي الجديد

قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2 في فبراير/شباط 2014، برعاية الأمم المتحدة، سعى المبعوث الأممي آنذاك، الأخضر الإبراهيمي، إلى إشراك إيران التي لم تشارك في المؤتمر الأول قبل عامين من ذلك التاريخ. نجح مسعى الإبراهيمي حينها لدى الأمين العام للمنظمة الدولية، بان كي مون، الذي وجه دعوة لطهران، سرعان ما سحبها، بعدما تبين له، نتيجة اتصالاته، أن طهران لا توافق على مرجعية المؤتمر المتمثلة في قرارات جنيف 1 عام 2012، والتي تستند إلى مقترحات كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والمبعوث إلى سورية حينذاك. وتتمحور القرارات والمقترحات حول قيام حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في دمشق. 

 

تعيد إيران الكرة، وتطرح ما تسميه مبادرة مُعدّلة لحل الأزمة السورية، أطلقتها في طهران الإثنين 3 أغسطس/آب الجاري، وهي تقفز على ما بات موضع إجماع إقليمي ودولي، هو قيام الحكومة الانتقالية العتيدة، وذلك باستبدالها بما أسمتها المبادرة "حكومة وحدة وطنية" بنداً ثانياً في المبادرة، بعد البند الأول المتعلق بوقف إطلاق النار. أما البند الثالث فيشتمل على إعادة تعديل الدستور السوري، بما يتوافق وطمأنة المجموعات الإثنية والطائفية، فيما يتضمن البند الرابع إجراء انتخابات بإشراف مراقبين دوليين. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين عبد اللهيان، إن المبادرة وضعت بالتشاور مع حكومات أخرى في المنطقة، ثم تلا ذلك قوله إن بلاده سوف ترفع المبادرة إلى الأمم المتحدة من أجل تبنيها. 

من الواضح أن المبادرة إيرانية وروسية وسورية، يدلل على ذلك أنها أعلنت في طهران، بحضور نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، ووزير خارجية دمشق، وليد المعلم الذي سارع إلى إعلان الموافقة على المبادرة. وسبق أن عمل كل من موسكو وطهران على تنحية مرجعية الحل السياسي، بعقد لقاءات بين النظام وأطراف من المعارضة. لكن موسكو تمنح نفسها هامشاً أكبر من المناورة بالإعلان، بين آونة وأخرى، عن قناعتها بأن مرجعية جنيف 1 هي الصالحة للحل، ما تبدّى في لقاء موسكو 2، لكنها لا تفعل شيئاً لحمل حليفها في دمشق على الالتزام بهذه المرجعية، والتقدم نحو التفاوض. 

من دواعي الغرابة أن تجد طهران في "نفسها" طرفاً مؤهلاً لوضع حلول، ذلك أن الأزمة السورية تفاقمت بفعل تدخلها، متعدد الأشكال والمظاهر، والذي لم يتوقف حتى الساعة، وابتداء بسبب مساندة طهران القمع الدموي للانتفاضة التي كانت سلمية خالصة في شهورها السبعة الأولى. "من دواعي الغرابة أن تجد طهران في "نفسها" طرفاً مؤهلاً لوضع حلول، ذلك أن الأزمة السورية تفاقمت بفعل تدخلها، متعدد الأشكال والمظاهر، والذي لم يتوقف حتى الساعة"

وقد رأت طهران، كما هو جليّ، أن توقيعها الاتفاق النووي مع الغرب، جعلها في موضع قبول لدى المجتمع الدولي، ما يؤهلها لطرح مبادرة بشأن الأزمة السورية، وهو استنتاج متسرّع، وبالذات بخصوص هذه الأزمة، فالقاصي والداني يعرف مدى الضلوع الإيراني في الأزمة، مباشرة، أو عبر مليشيات عراقية وأفغانية ولبنانية، ذات ارتباط بطهران. ويعرف أن لا ثقة ولا اتصالات متبادلة بين طهران والطرف السوري "الآخر"، متمثلاً بقوى المعارضة. 

وقد استغلت الأخيرة تقرير المبعوث الأممي، دي ميستورا، ذا الطابع "الأكاديمي"، لا السياسي، مستشعرة أن هناك فراغاً دولياً بما يتعلق بـ "بورصة" الحلول، خصوصاً أن دي ميستورا خلص إلى أن الظروف غير ناضجة لعقد مؤتمر جنيف 3، وذلك بدلاً من القول إنه لا بديل عن هذا المؤتمر، وإنه يجب تهيئة الظروف بأسرع وقت ممكن لعقده، وهو ما شجع طهران على إقصاء خيار جنيف عن الأنظار. وسبق لمسؤولين أمميين، منهم بان كي مون، أن حمّلوا دمشق مسؤولية فشل جنيف 2. 

يصعب على طهران تسويق مبادرتها، فحليفها الدولي الرئيس في روسيا يراوح في مواقفه بين موسكو 3 وجنيف 3! مع منح أولوية لمحاربة داعش والدعوة إلى تشكيل تحالف ضد هذا التنظيم الإرهابي، مع تجاهل موسكو أن ثمة تحالفا دوليا/ إقليميا قائما بالفعل، ويوجّه الضربات لهذا التنظيم منذ سبتمبر/أيلول الماضي. النتائج الملموسة لهذه الضربات ما زالت أقل من المتوقع والمأمول. وكان وما زال في وسع موسكو الانضمام لهذا التحالف وتقويته، لكي يحقق نتائج أفضل ضد التنظيم الإرهابي. أما طهران فاختارت محاربة هذا التنظيم في العراق، عبر قيادتها "الحشد الشعبي"، من دون سورية. وعلى كل حال، يدعو البند الأول من المبادرة العتيدة إلى وقف إطلاق النار، وربما تعوّل طهران على هذه الدعوة، لكي يتوقف هذا التنظيم عن ارتكاب فظاعاته، ويلقي أسلحته، ويتوقف النظام، من جهة أخرى، عن إلقاء ما لا يُحصى من براميله المتفجرة، وتتوقف أنشطة فصائل المعارضة المسلحة. 

من اللافت بعدئذ أن المبادرة تتجاهل عناصر وقضايا بالغة الأهمية، مثل وجود مقاتلين أجانب (غير سوريين) على الأرض السورية، ومثل ضمان عودة ملايين اللاجئين السوريين إلى ديارهم وبيوتهم، ومثل الإفراج عن آلاف المعتقلين، وهي مسائل ليست جزئية، أو تفصيلية، حتى يقال إن معالجتها ستكون من قبيل تحصيل الحاصل لاحقاً. وبينما تقول طهران، ومعها المحور الإيراني في المنطقة، إن مقاتلين أجانب من عشرات الدول تدفقوا على سورية، فإنها لا تتبنى مطلب خروج كل المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، وتصمت على هذه المسألة البالغة الحيوية. كما تصمت على كارثة اللجوء السوري (اللاجئون ينتمون إلى الأكثرية..)، في وقت تتحدث مبادرتها عن طمأنة الإثنيات والأقليات، لاستدراج ممثلي هذه التكوينات للقبول بالمبادرة. وكأن سجل طهران في التعامل مع الأقليات والإثنيات داخل إيران، من سنّة وعرب ومسيحيين وسواهم، أمرٌ يحمل على الثقة، ويستحق الاقتداء به في الخارج، أو وصفة يمكن اتباعها لطمأنة هؤلاء. 
لعل المبادرة تساعد طهران على بعض الحضور الإعلامي، وعلى نسج علاقات سياسية عامة مع بعض الأطراف فترة من الوقت، لكنها لن تدفع نحو حلول جدية للأزمة السورية، ما دامت تتفادى معالجة الأسباب والمقدمات التي أدت إلى نشوب الأزمة، ثم أفضت، بعدئذ، إلى اتساعها وتفاقمها على نحو مأساوي.

تعليقات