مبادرتان سياسيتان.. بدلا من واحدة.. لحل الأزمة السورية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

القدس العربي
المؤلف: 

في الوقت الذي تواصل طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة غاراتها على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في العراق وسوريا، يعمل كل من المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا ونائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف على مبادرتين سياسيتين لحل الأزمة في سوريا. ويعتمد اللاعبان الأممي والروسي، كل من جانبه، على صيغة «الغموض الخلاق» فلا يتسرب شيء من «المبادرتين» إلا بالقطارة. من المحتمل أن كلتا المبادرتين غير ناضجتين لتطرحا على أطراف الصراع للقبول أو الرفض، بقدر ما تتم بلورتهما بالتوافق مع تلك الأطراف. لكن منهجية كل منهما باتت معلنة ويمكن تلخيصها فيما يلي:

تقوم مبادرة دي مستورا على الانطلاق من الميداني إلى السياسي، ومن الجزئي إلى الكلي. هذا ما يعنيه «تجميد القتال» بدءاً من مدينة حلب، أو ما يعرف بـ»حلب أولاً». وهو ما يعني توافق النظام والمجموعات المعارضة المسلحة في مدينة حلب على وقف العمليات القتالية ليحتفظ كل طرف بمواقعه، وفتح ممرات لعمليات الإغاثة للمدنيين. بنجاح هذه المرحلة الأولى تنقل التجربة إلى مواقع أخرى فيها جبهات قتال بين الطرفين، وهما قوات النظام والميليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانبه من جهة، وما يسمى بـ»المعارضة المعتدلة» من جهة ثانية. يتجنب دي ميستورا التطرق إلى موقع الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية التي تقاتل في حلب إلى جانب النظام، كما لم يعلن عن القوى المشمولة بصفة «الاعتدال»، وإن كان مفهوماً وضع كل من تنظيم الدولة «داعش» وجبهة النصرة خارج المشاورات في إطار المبادرة.

هذه الإنجازات الجزئية على مستوى الميدان، إذا تم تحقيقها، باتت الطريق سالكة نحو الحل السياسي الشامل الذي سيجمع النظام والمعارضة في قوة واحدة لمحاربة داعش وأخواتها.
تنطلق المبادرة الروسية، في المقابل، من فوق إلى تحت، أي من «الحوار» بين النظام والمعارضة في موسكو ثم في دمشق، وصولاً إلى حل سياسي يتوافق عليه الطرفان في نوع من تقاسم السلطة بينهما. من المحتمل، هنا أيضاً، أن الحل السياسي ليس هدفاً بحد ذاته، بل مجرد وسيلة لإعادة التموضع لتشكيل جبهة موحدة ضد «التطرف».
ما يوحي بجدية موسكو هذه المرة بخلاف المناسبات السابقة، ومؤتمر جنيف 2 ضمناً، هو أن ممثل بوتين القوي بوغدانوف ذهب «بنفسه» إلى الائتلاف المعارض في اسطنبول ليطرح عليه الأفكار الروسية الجديدة، في حين أنها طالما تجاهلت هذا الإطار المعترف به دولياً، وفضلت التعامل مع معارضة قريبة منها و»معتدلة» في معارضتها للنظام الكيماوي في دمشق كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة ومجموعة قدري جميل والشيخ معاذ الخطيب.

ما الذي غيَّرَ من السياسة المتصلبة لموسكو في دفاعها عن النظام وجعلها تبذل جهوداً دبلوماسية بحثاً عن حل سياسي؟ يربط كثير من المراقبين بين هذا التغير وما انتهت إليه المفاوضات الدولية مع إيران بشأن مصير برنامجها النووي. فالتمديد الذي ترافق مع تصريحات متفائلة من الجانبين الأمريكي والإيراني أقلق موسكو بصورة جدية، وهي الحاضرة على طاولة المفاوضات والعارفة بدقائقها، من تقارب أمريكي – إيراني قد يرقى إلى مستوى التحالف ويترك موسكو خارج كل الحسابات في رسم مصائر الإقليم المضطرب الممتد من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا، خاصةً وأن علاقة نظام دمشق الكيماوي بإيران تتجاوز في متانتها علاقته بموسكو بكثير. أضف إلى ذلك أن الإدارة الأمريكية تبدو بعيدة كل البعد عن البحث عن حلول سياسية للأزمة السورية، وتقتصر اهتماماتها على مواصلة الحرب على داعش في العراق وسوريا، وعلى ترتيب تحالفاتها مع الدول الاقليمية في خدمة هذه الحرب.

موسكو التي باتت تعيش عزلة دولية خانقة بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم واستمرارها في تغذية الاضطرابات في شرق أوكرانيا، وآثار العقوبات الاقتصادية الغربية المطبقة بحقها التي بدأت تظهر بقوة، إلى جانب التكاليف الباهظة للحرب النفطية عليها من خلال خفض الأسعار، راحت تبحث عن مخارج أو مسكنات لأزمتها المتفاقمة. من ذلك زيارة بوتين الباذخة إلى أنقرة وما نتج عنها من اتفاقات اقتصادية طموحة. ومن ذلك حركتها الدبلوماسية النشيطة بحثاً عن شركاء سوريين من النظام والمعارضة على أمل تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير لبوتين يعوّضه عن عزلته الدولية وتدهور حال الاقتصاد الروسي.

من جانبها، لا تبدو واشنطن على أي درجة من القلق أو الاستياء من تفرد موسكو بالمسألة السورية. من المحتمل أن إدارة أوباما تعرف محدودية تأثير القيادة الروسية على نظام دمشق الكيماوي، وتراهن على شريكها الإيراني الذي يتفرد بهذا التأثير. إضافة إلى أنها على دراية عميقة بمشكلات المعارضة السورية، سواء من حيث هزال تمثيلية الأطر السياسية جميعاً بما فيها الائتلاف، أو من حيث قوة المنظمات الإسلامية المتطرفة كداعش والنصرة مقابل تراجع وزن المجموعات المسلحة المعتدلة المحسوبة على الجيش الحر. من هذا الإدراك الواقعي لمفردات المشكلة السورية، تركت الإدارة الأمريكية المجال لموسكو لتلعب في الوقت الضائع بلا جدوى عملية، مع إمكان الاستفادة من المشاورات التمهيدية الجارية على خطي دي ميستورا وبوغدانوف معاً لإنضاج وضع قد تتلقفه واشنطن مستقبلاً لفرض تصورها الخاص للحل السياسي على الأطراف. وذلك من غير أي تلكؤ في حربها المتواصلة على داعش، تلك الحرب المديدة التي سترسم خطوط تحالفات جديدة عبر الإقليم وصولاً إلى خلق ستاتسيكو جديد لما بعد الحرب.

الإنضاج المشار إليه في الأسطر السابقة هو قياس مدى الإرهاق الذي أصاب السوريين من سنوات أربع من حرب مجنونة قتلت ربع مليون وشردت نصف السكان. طريقة استجابة الأطراف للمبادرتين الأممية والروسية ستشير إلى مدى الإرهاق الذي أصابها. ينطبق ذلك على كل من النظام والمعارضة. وبصورة أولية يمكننا أن نلاحظ التجاوب الإيجابي المعلن من الطرفين مع كل من المبادرتين، على رغم الشروط المتطرفة التي طرحاها. لم نعد نسمع ذلك الرفض المسبق الصاخب للمبادرات السياسية الذي كنا نسمعه كثيراً إزاء المبادرات السابقة، مع أن المبادرتين الجديدتين أكثر هزالاً من سوابقهما وأقل قابلية للتطبيق.