محادثات فيينا عن سورية هي البداية فقط ... ولكن نحن بحاجة لقفزة من الخيال

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/11/2015
The Guardian
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

أن تكتب عن سورية، هو بمثابة الخوض في غمار منزلقات جمة، فالوضع ليس فقط معقد، فقد شهدنا على مدى الأربع سنوات الماضية انهيار بلد بأكمله والأهم من ذلك مجتمعاً بكامله، فيما وقف العالم يشاهد من بعيد عذاباً طال أمده في بلد بعيدة وشعب لا نعرف عنه شيئاً.

وخلال هذه السنوات تبعنا قيادة الرئيس أوباما المترددة والتي وصفها مؤيدوه بأنها "سياسة حذرة"، وشاهدنا كيف انهار النظام العالمي الذي أنشئ في 1945 تحت وقع التهديد الإرهابي وتوسع "تنظيم الدولة الإسلامي"، كما ازدادت موجات اللاجئين من الحرب والمهاجرين لأسباب اقتصادية على الشواطئ اليونانية، فارين من بلاد تحتاجهم بشدة.

كيف نفسر سباتنا بتفسيرات عقلانية تردي الأسباب إلى الغموض الاخلاقي الذي يكتنف الشرق الاوسط؟

 هذه هي خلفية النقاش السياسي الحالي في المملكة المتحدة، فالبعض يقول أن كارثة كهذه كان لا بد أن تحدث بعد عقود من القمع والسلطوية من حكومة ديكتاتورية، فالحكومات تنتج ردود الشعوب، وفي منطقة حيث الدين هو ما يشكل التعبير السياسي فإن المتطرفين والراديكاليين تجذبهم الصراعات الأهلية الوحشية والتعبئة السياسية، كما أن جهودنا الرامية إلى التدخل في الماضي، وعلى الأخص في العراق، كانت كارثية ولمصلحة الغير، وسايكس بيكو كانت جذر كل هذه المشاكل.

البعض الآخر يقول بأن هدفنا الرئيسي هو القضاء على "تنظيم الدولة الإسلامية" والجماعات الإرهابية الاخرى بشكل جذري وأن قضيتنا بالأساس هي مكافحة الإرهاب، فلا يمكن التوهم بأننا نستطيع تغيير العالم وجعله أكثر اماناً بالنسبة لنا في المقام الاول، وإن كان هذا يعني تفضيل بشار الأسد على البغدادي فكأننا نعقد صفقة مع الشيطان نفسه.

لا شيء من هذا يكفي فالعالم أكثر تعقيداً مما نتصور، وأذكر عندما كنت سفيراً في دمشق بين 2006 و2007، إجرائي لمحادثات منتظمة مع وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، وواحدة على الأقل مع الأسد، حول المخاطر الداخلية من الرعاية السورية للمقاتلين الأجانب المتطرفين المتوجهين الى العراق. وكان الهدف السوري هو منع انتصار الولايات المتحدة في العراق، ولكن إذا انتصر الجهاديون في ذلك، فالهدف القادم سيكون سوريا، وفي مثل هذا العالم، الحدود تعني القليل.

فمع الحدود المترابطة و الصلات التي هي أقوى واكثر عدداً الآن، فإن أي سياسة تهدف بجدية لحل الوضع السوري يجب أن تعالج الأزمة في العراق ولبنان وإيران وتركيا ومصر وليبيا واليمن ودول الخليج العربية، فتنظيم الدولة منتشر في جميع أنحاء المنطقة وعلى الرغم من أنه قابل للهزيمة لكن امتداده الجغرافي عبر الصحاري الكبيرة في شرق سوريا وغرب العراق وشمال أفريقيا - يعطيهم المرونة وقبولاً عالمياً لم يسبق له مثيل.

إن هزيمة "تنظيم الدولة" له الأولوية المطلقة ولكن الاحتواء _ وهو التوجه العام لسياسة التحالف في هذه اللحظة يثير السؤال الآتي " من يحتوي من؟ "

فقوات الأمن العراقية ما زالت خارج منطقة الرمادي في العراق منذ ستة أشهر وهناك مؤشرات قليلة على محاولة جادة لاستعادة الرقة أو الموصل، وفي الوقت نفسه فإن "تنظيم الدولة" يوسع من أنشطته خارج المنطقة، في تركيا حيث قتل ناشطين، ادعاءه تدمير الطائرة الروسية، الإغارة عبر وسط ليبيا وإطلاق عملياته في سيناء واليمن، والآن في باريس.

وهزيمة التنظيم ليست بالشيء البسيط فأشكاله مختلفة وتشكل تهديداً خطيراً حيث يستمد الأوكسجين من الفشل السياسي في العراق ومن وحشية بشار الاسد وحلفائه الإيرانيين واللبنانيين والروسي في سوريا وانهيار اليمن وليبيا، ولذا فإن أي محاولة حقيقية لمكافحة هذا التنظيم يجب أن تسعى لمعالجة التشوهات السياسية والفكرية والتي رفعت من  شأن هذه الجماعات وغيرها .

ولهذا نحن بحاجة إلى استراتيجية أكثر تماسكاً لمكافحة التنظيم وإزاحة الأسد ليحل محله بديل أفضل وأن ندعم العراقيين الراغبين بدولة غير طائفية لا تكون تابعة لميلشيات إيران، بالإضافة إلى إحلال الاستقرار في ليبيا واليمن بعيداً عن التطرف.

لكنها مهمة ضخمة في وقت تبدو فيه سياسة الغرب والولايات المتحدة مثقلة بالتردد والتراجع أمام إقليم قلة من يفهمه، و أعتقد حقاً أن ديفيد كاميرون وكبار وزرائه الطموحين لا يستطيعون فعل شيء خصوصاً بعد الفشل الذريع للتصويت عن سورية في آب 2013، ونتائج السياسة المكسورة التي ظهرت بعد فترة تدخل توني بلير في العراق والانقسامات في الحزب.

في النهاية ما زلنا بحاجة إلى الولايات المتحدة لعقد اجتماع سياسي (كما فعلوا في دايتون) وحشد القوة العسكرية اللازمة التي يجب أن تقوم عليها السياسة، إنها الدولة الوحيدة القادرة على القيام بذلك على نطاق عالمي، محادثات فيينا حول سوريا هي البداية، أود فقط لو أن ذلك لم يكن رداً على التدخل الروسي في سورية بل كان قبل أربع سنوات كجزء من أممية الولايات المتحدة المتجددة.

وآمل ولكن بيأس أن نرى في نهاية المطاف تسوية سياسية جديدة ومكفولة دولياً كنسخة موسعة من اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب في لبنان، وليس تكراراً لفشل جنيف 2014. من هنا يجب أن نبدأ، حيث يجتمع كل السياسيين بهدوء وعلى طاولة واحدة.

كما أن هناك دلائل على أن قوات الأمن العراقية يجري تعزيزها من قبل الولايات المتحدة والغرب، وأننا يمكن أن تتحرك نحو بداية التسوية السياسية في اليمن، وأن صانعي السياسة يفكرون أكثر عمقا بسورية موحدة لا مجزأة.

لتحقيق كل هذا معاً نحتاج إلى قفزة خيالية لم نرها منذ عقود، كما يتطلب من دول المنطقة أنفسهم تحمل المسؤولية لإنهاء الصراعات، فما حدث في اتفاق الطائف يجب أن يحدث مرة أخرى.

الكلمات الدلالية:

تعليقات