محـطـتان

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/2/2015
السورية نت

قلنا في مقالة سابقة قبيل انعقاد مؤتمر موسكو، أن لا راعي المؤتمر ولا مكانه مؤهلان لإيجاد حل للأزمة السورية، فالروس جزء أساسي من المشكلة، فلا فائدة ترتجى من هذا المؤتمر. لكن المؤتمر انعقد وبوجود بعض قوى (المعارضة) ووفد النظام وبرعاية (الوسيط) الروسي فيتالي نعوم كين، ولمدة ثلاثة أيام (27-29/1/2015). وحيث أن أي مؤتمر يُقيّم عبر ثلاث نقاط: مكوناته – مجرياته – ما يتمخض عنه، فهذا المؤتمر بالذات ليس بحاجة إلى تقييم، فالنتائج كانت معروفة سلفاً، لكننا وبالرغم من البديهية التي تقول: "المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة"، وكذلك: هكذا حضور مع هكذا وسيط ستكون هكذا نتائج، فإننا مضطرون أن نقول شيئاً لأولئك الذين حضروا تحت مسمى (المعارضة):

1- باعتراف الجميع، كان المؤتمر بروتوكولياً شكلياً ليس إلا، وما سمي بـ (منتدى موسكو) لم يقدم شيئاً سوى بريق انتصار فاقع للنظام، وإلى حد ما للروس، وكان ذلك متوقعاً منذ ما قبل البداية، كما قدم انتصاراً فاقعاً أيضاً للمعارضة الوطنية التي رفضت الحضور بالتزامات سياسية أو عقلانية أو أخلاقية، ونقول: إنّ من لم يكن يتوقع هكذا نتائج فهو قاصر سياسياً، وإذا كانت معروفة، فلماذا الحضور؟.

2- (المعارضة) التي حضرت برؤاها الثلاث (السياسية – الإنسانية – كتلة كردية اختارت الحضور)، معروفة بشكل أو بآخر، أنها تتمترس تحت عباءة النظام، فلم تتحدث عن الوضع الانتقالي ولا عن رأس النظام ولا عن ما يزعج بشار الجعفري. إن مقياس أية معارضة حقيقية هي في رفضها المطلق للنظام الجائر أو أي دور له في مستقبل سوريا، وبالتالي الرفض المطلق لكل ما يمتّ إلى هذا النظام أو يتحالف معه أو يدعمه، سواء أكانت دولاً أو قوى أو أعمالاً أو أفكاراً، وإنّ مقولة المعارضة المعتدلة أو معارضة الداخل أو غيرها من المسميات تأتي في النهاية لخدمة بقاء النظام وشرعنته.

3 – ما يغذي الأمل ويمده ببعض النور، هو صدور بيان عن بعض شخصيات المعارضة التي شاركت في المؤتمر، إثر صدور ماسميّ بمبادئ موسكو، حيث أشاروا إلى رفض المبادئ وركزوا على نقاط ثلاث:

 أ- لا حيادية للوسيط رغم ادّعاءاته.

            ب- عدم استعداد النظام لتنفيذ أية مطالب.

           ج- رفض شرعنة بعض الأطراف المتدخلة في الشأن السوري.

وأخيراً، فإن ما نأمله هو أن تعيد المعارضة - أية معارضة - حساباتها بعد هذا المؤتمر، وأن لا تراهن على ما لا يقبله العقل والمنطق، رغم الجحيم الهائل للمآسي، ورغم التضييق المتعمد لآفاق الحل، لكن النصر دائماً للشعوب ولو بعد حين.

 

ثانياً- مَنْ بعد معاذ الكساسبة؟

داعش وكرأس حربة للإرهابيين، لم تترك لأحد خياراً سوى خيار محاربتها وبكل اقتدار، ولكن فعالية هذه المحاربة - مع الأسف - تختلف من دولة لأخرى، وما ظهر ويظهر للعيان هو أن تلك الفعالية مقترنة إلى حد بعيد بتصرف داعش الدامي تجاه تلك الدولة بالذات، فمعلوم أن الغارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، بدأت وازدادت فعالياتها بعد إعدام داعش لرهائنهم، ولتضع الدول الغربية على سكة التعامل الجدي مع هذا الطاعون الخبيث.

وجاءت حادثة شارلي إيبدو في باريس، لتهز أوربا والعالم، وتضع فرنسا على سكة التعامل الجدي مع الإرهاب، فعقدت اجتماعات سرية وعلنية، ووضعت خططاً للداخل والخارج، حتى أصبح يوم 7-1- 2015 يوماً تاريخياً، لدرجة يقال: ما قبل شارلي إيبدو وما بعد شارلي إيبدو.

ومن فرنسا إلى الأردن كان إحراق الطيار الشهيد معاذ الكساسبة حادثة مروعة دوّت في كافة أصقاع العالم، ولتضع الأردن على سكة التعامل الجدي مع الإرهاب، فقطع الملك زياراته، وانعقدت اجتماعات ووضعت خطط وراحوا ينفذونها بفاعلية، هذه الحادثة غير المسبوقة والتي هزت ضمير العالم أيضاً تحول يومها إلى يوم تاريخي، فمآل الحال بعد معاذ لن يكون أبداً كما قبل معاذ.

تُرى على من سيكون الدور بعد معاذ أو الأردن؟؟

الإرهاب واحد لا دين له ولا وطن، معروف للجميع ومكشوف، وسيفه مسلط على جميع الرقاب، فلماذا يتقاعس البعض أو يناور آخرون، أو يفلسفون الأمر ويتجنبونه خبثاً أو لامبالاة، ولا يحاربونه بجدية إلا إذا أدمت سيوفهم الرقاب؟.

الكثير من الدول تتنظر حيال هذا الإرهاب، وتكتفي بالاستنكار والإدانة، وكأنهم أدّوا واجبهم وكفى الله المؤمنين شر القتال، حتى أنهم ينسون أو يتناسون لمجرد أن الواقعة ليست عليهم بالذات وأنه لن يطالهم مثل غيرهم.

نعلم تماماً أن هذا الإرهاب المنظم والضخم والدقيق ما كان له أن يستمر لولا دعم ومساندة بعض الدول أو القوى له، لتحقيق انتصارات مشبوهة وبطرق غاية في الخسة، ويبدو أن هذه الدول لم تأخذ العبر من التاريخ الذي يظهر أن ما تقوم به من صنع قوى إرهابية لاستخدامها ضد منافسيها في حروب مخفية شرسة وحقيرة، سرعان ما سينقلب عليها، فستحول تلك القوى ضرباتها باتجاه صانعيها، والأمثلة كثيرة. إن الاتكاء على الإرهاب هو إرهاب بحد ذاته.

وأخيراً فإن الأمر يقتضي جدية التعامل مع هذا الوباء من قبل الجميع، ليس فقط ضد تلك القوى الإرهابية المكشوفة، وإنما ضد تلك الدول والقوى التي تقف وراءها أيضاً، وإن أي تلكؤ أو انتظار في هذا المجال هو انتحار.