محللون: الإدارة الذاتية الكردية مهددة في سوريا بعد انهيار تنظيم الدولة

عناصر من وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا - أرشيف
سبت 23 مارس / آذار 2019

على مدى أربع سنوات، قاتلت القوات الكردية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" بدعم من الأميركيين، متجنبة المواجهة مع نظام الأسد، لكنهم اليوم وبعد انهيار "الخلافة الإسلامية" وقرار واشنطن سحب قواتها من مناطقهم، يخشون على مصير "إدارتهم الذاتية" بعدما عملوا لسنوات على إرسائها.

ويواجه الأكراد تهديدات تركيا المتواصلة بشن هجوم جديد ضد ميليشيا "وحدات حماية الشعب الكردية" التي تصنفها أنقرة إرهابية قرب حدودها من جهة، وتعنّت نظام الأسد الراغب بإنهاء وجود إدارتهم و"استعادة السيطرة على كامل البلاد" من جهة ثانية.

وتصاعد نفوذ الأكراد تدريجياً في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية 2011. وتمكنوا من تأسيس قوات عسكرية وأمنية، فضلاً عن مؤسسات عامة والتدريس باللغة الكردية. وأجروا انتخابات محلية في مناطق "الإدارة الذاتية".

وفي محاولة لقطع الطريق على تهديدات تركيا، خاض الأكراد منذ الصيف مفاوضات مباشرة مع نظام الأسد، لم تفض إلى نتائج ملموسة بعد في ظل تباين وجهات النظر وإصرار النظام على استعادة مناطقهم عبر المفاوضات أو الحسم العسكري.

ويقول الأستاذ الجامعي والخبير في الشأن السوري فابريس بالانش لوكالة "فرانس برس": "سيجد الأكراد أنفسهم عالقين بين سندان الجيش السوري ومطرقة الأتراك" مرجحاً أن يصار إلى "تقاسم شمال شرق البلاد بين الحكومة السورية والجيش التركي".

ويبدو مستقبل الأكراد مهدداً اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قواته الداعمة لهم من شمال شرق سوريا، والتي شكلت حتى الآن رادعاً أمام أي هجوم تركي، رغم أنه لم يجر بعد تحديد موعد الانسحاب.

وأعلنت "قوات سوريا الديمقراطية" (تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري) اليوم السبت القضاء التام على "خلافة تنظيم الدولة"، التي ضمت في العام 2014 مناطق شاسعة في سوريا والعراق المجاور تعادل مساحة بريطانيا.

"مصير مجهول"

ويرى الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير أوغلو أن "الأكراد يواجهون اليوم مصيراً مجهولاً"، مشدداً على أن "الخطر الأكبر يأتي من تركيا".

ويخشى الأكراد أن يشكل الانسحاب الاميركي ضوءاً أخضر لتركيا، خصوصاً مع تكرار أنقرة تهديداتها. ولحماية مناطقهم ومكتسباتهم، يجري مسؤولون أكراد منذ أشهر محادثات ولقاءات مع أطراف عدة، أبرزها زيارة الرئيسة المشتركة لمجلس "سوريا الديمقراطية" إلهام أحمد إلى واشنطن حيث التقت ترامب.

وفي محاولة لتهدئة الوضع بين حليفيها، اقترحت واشنطن إنشاء "منطقة آمنة" بعمق ثلاثين كيلومتراً على طول الحدود بين الطرفين، تتضمن أبرز المدن الكردية، حيث رحبت أنقرة بالاقتراح لكنها أصرت في الوقت ذاته على أن تدير تلك المنطقة، الأمر الذي رفضه الأكراد بالمطلق، مطالبين بانتشار قوة دولية.

ويوضح جيفير أوغلو أن "غالبية المدن الكردية تقع عند الحدود مثل منبج وكوباني وتل أبيض والدرباسية والقامشلي".

وتخشى أنقرة حكماً ذاتياً كردياً قرب حدودها، وتصنف "وحدات حماية الشعب" الكردية منظمة إرهابية، وتعتبرها امتداداً لـ"حزب العمال الكردستاني" الإرهابي الذي يقود تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود.

وتمكنت تركيا مع فصائل من الجيش السوري الحر، إثر هجوم واسع العام الماضي من السيطرة على منطقة عفرين، ثالث أقاليم الإدارة الذاتية الكردية. لكن شن هجوم جديد لا يبدو اليوم بهذه السهولة، مع وجود لاعبين دوليين فاعلين في سوريا وعلى رأسهم روسيا، أبرز حلفاء نظام الأسد.

ويقول جيفير أوغلو "موقف روسيا حاسم، ويدرك الأكراد جيداً أن ما حصل في عفرين كان نتيجة ضوء أخضر من (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين".

ويضيف "بالنسبة إلى بلد في حالة حرب، فإن النموذج الذي وضعه الأكراد مناسب ويعمل بطريقة جيدة"، موضحاً أن ما يريدونه هو أن "يحصلوا على اعتراف بنظامهم السياسي ومنهجهم التعليمي".

"استسلام بلا شروط"

قبل اندلاع الثورة، عانى الأكراد على مدى عقود من سياسة تهميش اتبعتها الحكومات المتلاحقة، وتضمنت سحب الجنسية من عدد كبير منهم، ومنعهم من تكلم لغتهم أو الاحتفال بأعيادهم.

وخلال السنوات الماضية، حمل النظام على الأكراد منتقداً تحالفهم مع واشنطن، حتى أن بشار الأسد اتهم المقاتلين الأكراد بـ"الخيانة"، قبل أن يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: المفاوضات أو الحسم العسكري.

وكرر وزير الدفاع بحكومة الأسد في 19 آذار/مارس تأكيده أنه سيتم سيتم التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية "بالأسلوبين المعتمدين من الدولة السورية: المصالحات الوطنية أو تحرير الأراضي التي يسيطرون عليها بالقوة".

ورجح محللون أن يدفع قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، الأكراد إلى تعزيز تفاوضهم مع نظام الأسد كحل بديل يحميهم من أي هجوم تركي. إلا أن المفاوضات مع النظام تبقى صعبة مع رفض الأخير لمبدأ "الإدارة الذاتية"، مقابل إصرار الأكراد على الاحتفاظ بمؤسساتهم وقواتهم العسكرية.

ويقول بالانش "يريد النظام استسلاماً من دون شروط، لن يسمح لهم النظام بالإبقاء على الإدارة الذاتية" بينما يملك الأكراد "ورقة ضغط واحدة، وهي أن يقبل الأسد بالإدارة الذاتية مقابل الانتشار السريع للجيش على الحدود السورية التركية".

وفي هذا السياق، لا يزال لدى الأكراد أمل آخر وهو أن يبقي الأميركيون وجودهم في سوريا حتى لو بالحدّ الأدنى.

وبعدما أعلنت واشنطن قرارها بإبقاء نحو مئتي جندي أميركي في سوريا، في مهمة "لحفظ السلام"، عاد ترامب ليؤكد في 20 آذار/مارس أنّ نحو 400 جندي سيبقون في نهاية المطاف "لبعض الوقت".

ويرى الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد نيكولاس هيراس لـ"فرانس برس" أنه "يمكن للولايات المتحدة ألا تغادر سوريا" على المدى المنظور.

ويشير خصوصاً إلى خيار آخر يتضمن الإبقاء على عسكريين من التحالف الدولي، ومتعاقدين عسكريين من شركات خاصة.

وفي وقت سابق، حذّر مسؤولون أميركيون أنه من شأن أي تخل تام عن المنطقة، أن يسهم في إعادة ظهور "تنظيم الدولة" مجدداً.

ويضيف هيراس "تدرك كافة الأطراف الفاعلة أنه لا يمكن الإقدام على أي خطوة قبل أن تتضح ماهية القرار الذي ستتخذه الولايات المتحدة".

اقرأ أيضا: "ترامب" يعلن خسارة "تنظيم الدولة" جميع أراضيه في سوريا

المصدر: 
أ ف ب - السورية نت

تعليقات