مخابرات ومناقلات وتكهنات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11يوليو/تموز 2019
القدس العربي
المؤلف: 

 

تحدثت تقارير صحافية، مؤخراً، عن جملة مناقلات في أجهزة مخابرات نظام بشار الكيماوي، فسرتها بالتنافس الروسي ـ الإيراني على التحكم بعميلهما، بغية الاستفراد بمصير التركة الأسدية. فما هي القصة؟ وهل لها معان سياسية بما يتجاوز غريزة الأمن الذاتي للنظام؟
لعل التغيير الأبرز، في المناقلات المذكورة، يتمثل في تعيين محتمل، لم يتأكد رسمياً بعد، لرئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك بصفة «نائب رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية»، إضافة إلى إعفاء جميل الحسن من رئاسة مخابرات القوات الجوية. الواقع أن صحيفة «المدن» الإلكترونية سبق ونشرت تقريراً عن اجتماع عقد، بإشراف روسي، في الجنوب بين ضباط إسرائيليين وسوريين، ترأس الأخيرين منهم اللواء جميل الحسن.
ما جاء في التقارير الصحافية بشأن تفسير إعفاء الحسن من منصبه، وربط ذلك بالاجتماع الأمني مع الضباط الإسرائيليين، في إطار رغبة روسية مفترضة بالتخلص من النفوذ الإيراني في مفاصل النظام، لا يعدو كونه تكهنات لا يمكن التأكد منها، إلى الآن، ولا نفيها أيضاً. ما هو مؤكد أن الحسن، وقادة آخرين في أجهزة المخابرات، قد تجاوزوا سن التقاعد، وجرى التمديد لهم سنة بعد سنة. ويفترض روتين التعاملات بين قيادات تلك الأجهزة ورأس النظام تغييرات دورية، ترفيعاً في الرتب أو إحالات إلى التقاعد، من غير أن يحتمل الأمر إضفاء دلالات سياسية عليه.
ولكن هناك عاملاً آخر له علاقة بـ«فلسفة» حافظ الأسد في شؤون أمن النظام، أو غريزة الأمن الذاتي للعائلة الحاكمة. واحد من أهم بنود تلك الفلسفة أو الغريزة يتمثل في السعي إلى عدم نشوء مراكز قوى داخل بنية النظام، كما كانت الحال قبل 1984، حين كان ضباط كبار في الجيش وأجهزة المخابرات، كرفعت الأسد أو علي دوبا أو علي حيدر أو شفيق فياض أو محمد ناصيف أو محمد الخولي، يشكلون رؤوساً يتمتعون بولاءات خاصة بهم من ضباط فرقهم العسكرية أو أجهزتهم، تعلو على الولاء العام لرأس النظام. كان كل من هؤلاء يلقب بـ«المعلّم» لدى أتباعه.
تعود كلمة «المعلم» إلى نظام الحرف، حيث يكون على الأجراء طاعة المعلم طاعة عمياء، فهو الذي يعلمهم الصنعة، ويراقب عملهم، ويحدد ساعات العمل وأجوره، ويملك عليهم سلطة أعلى من أي سلطة أخرى، بما في ذلك سلطة الأب. إن الخروج على سلطة المعلم تكافئ معنى الخيانة أو الكفر، حتى لو كان مرد ذلك إلى طاعة سلطة أخرى خارجية أكثر جبروتاً. واستخدمت كلمة المعلم في سوريا في مجال الأعمال، الصناعة والتجارة وغيرها، إضافة إلى الجيش والمخابرات، وحتى في مؤسسات الدولة البيروقراطية والخدمية والاقتصادية، للتعبير عن علاقة السلطة بين الرؤساء والمرؤوسين، في صورتها التقليدية التي تجاوزها العصر. الطاعة والولاء الأعميان هما عماد «أخلاقيات» نظام المعلم/التابع.

بمرور الزمن، يتحول «المعلم» في قطعة عسكرية أو جهاز مخابرات إلى مصدر خطر محتمل، بما أنه قادر على إصدار أوامر ملزمة لمرؤوسيه بالهجوم، مثلاً، على قصر الرئيس أو مبنى الإذاعة والتلفزيون، لإصدار البيان رقم واحد. وقد حدثت محاولات انقلابية عدة على حافظ الأسد في السبعينيات جرى القضاء عليها في مهدها، غالباً بسبب تخاذل أحد المشاركين في المحاولة ووشايته برفاقه، أو بفضل شبكة المخبرين داخل الجيش وأجهزة المخابرات التي طورها حافظ الأسد بصبر وثبات. كانت آخر تلك المحاولات هي تلك التي قادها شقيقه رفعت الأسد حين كان حافظ طريح الفراش، فتصدى له «المعلمون» الآخرون، علي حيدر وشفيق فياض وعلي دوبا، لينتهي الأمر بالمجموعتين إلى الإقصاء من «جنة السلطة».
تلعب المناقلات الدورية دور الترياق لخطر استتباب الأمر للمعلمين، فينقل رئيس جهاز الأمن السياسي إلى رئاسة أمن الدولة، أو رئيس إحدى الفرق العسكرية إلى رئاسة الأمن العسكري، وهكذا… بهذه الطريقة يجري قطع الطريق على حفاظ أي معلم على ولاء قطعته العسكرية أو جهاز المخابرات الذي يرأسه، بصورة مستدامة، فلا يشعر الضابط باستقرار مديد ليكوّن ولاءات جديدة. كذلك يتيح نظام المناقلات هذا نشوء تنافس بين كبار الضباط من قادة الأجهزة والقطع العسكرية، وفقدان الثقة فيما بينهم، بحيث يكون كل منهم في خوف دائم على منصبه المرتبط بقرار بسيط من «المعلم الكبير». لنتذكر، على سبيل المثال، كيف استدرج رئيس شعبة الأمن العسكري، علي دوبا، اللواء علي حيدر إلى مقره وقام باعتقاله ووضعه في زنزانة منفردة.
لا رؤوس كبيرة في نظام الأسد الأمني. هذه هي القاعدة التي كرسها حافظ بعد 1984. فلا معنى لنقل هذا اللواء أو ذاك من رئاسة جهازه إلى رئاسة جهاز آخر.
إلا إذا صحت التكهنات بمدى النفوذ الروسي على «المعلم الكبير» الذي تضاءل شأنه كثيراً في السنوات السابقة. هذا ما لا يمكن تخمينه بإسناد الأخبار إلى «مصادر مجهولة».
إلى ذلك، هذه مناسبة للتمييز بين أجهزة المخابرات السورية وأجهزة الاستخبارات المعروفة في كل دول العالم. فالأخيرة تتبع، عادةً، السلطة السياسية المتبدلة وفقاً لمبدأ تداول السلطة، وتكمن مهمتها الرئيسية في حفظ الأمن الوطني في الداخل وإزاء الخارج، فتجمع المعلومات عن كل ما يمكن أن يشكل خطراً محتملاً على أمن وسلامة الدولة والمجتمع. أما أجهزة المخابرات السورية، فهي كثيرة متعددة، ذات عقيدة واحدة هي حفظ أمن الحاكم أو العائلة الحاكمة، واختراق المجتمع وتلغيمه بشبكة مخبرين واسعة، وشن الحرب عليه إذا اقتضى الأمر. ويحمي القانون أي «تجاوزات» من تلك الأجهزة، بما في ذلك التعذيب والقتل وجبي الخاوات ومشاركة عصابات التهريب وغيرها من الأنشطة غير القانونية في أرباحها… بما يجعل من التجاوزات قانوناً عاماً في حقيقة الأمر.
أما بخصوص تعيين مملوك في منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية، فهو نوع من تكريم نهاية الخدمة لا أكثر. فبحدود علمي، الشخص الوحيد الذي شغل منصباً بهذا الوصف هو رفعت الأسد بعد القضاء على محاولته الانقلابية في العام 1984.