مخاطر الاستغلال الدولي لـ «الحرب على داعش»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/12/2015
العرب القطرية

المعادلة هي الآتية: المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» - «داعش» إمّا أن يبقى فيها أو تُحَرّر فيتقاسم المحتلون والمحرِّرون تدميرها. مشهد عين العرب- كوباني لا يزال في الأذهان، ومَن لم يرَه ويريد أن يكوّن فكرة ليس له سوى أن ينقر اسم المدينة على «يوتيوب». تأكد ذلك في معركة تكريت، في مارس- أبريل الماضي، وتجدّد الآن مع بدء معركة تحرير الرمادي، عاصمة الأنبار، وبوادر تحرك في محيط الرقة. أما معركة الموصل، التي تبقى المعقل الأهم لـ «داعش»، فليست متوقعة قبل الربيع المقبل، إذا اكتملت الاستعدادات، وإذا انتهى تحرير الرمادي من دون تداعيات على خلفية الصراعات الداخلية والإقليمية الناشبة حالياً.

رغم أن «أبطال» الأخطاء المميتة التي أدّت إلى نشوء «داعش» وانتشاره معروفون جيداً - الاحتلال الأميركي للعراق، ثم التغلغل الإيراني فيه، فنظام نوري المالكي، ونظام بشار الأسد في سوريا... إلا أن أياً منهم لا يريد أن يتعلّم أو يصحح سياساته بشكل واضح وصريح. جميع قادة التنظيم إمّا مرّوا في سجون بغداد تحت الإشراف الأميركي وبعده، أو تواروا بعد الاحتلال وحلّ الدولة ومؤسساتها ولاسيَّما الجيش والأمن. ولم يعد خافياً أن الإدارة الإيرانية للنظام العراقي، بعد انسحاب الأميركيين، كان لها الأثر المباشر والمدمّر في تخريب الهدوء النسبي الذي توصّلت إليه سياسة «الصحوات السنية»؛ إذ وضعت تنظيم «القاعدة» آنذاك، بفرعه المحلي، أمام حقيقة أن البيئة السنّية لم تعد حاضنة له وترغب في ترتيب مصيرها في النظام الناشئ، إلا أن إيرانيي هذا النظام شاؤوا عكس ذلك وسلكوا منهجاً لا وطنياً ولا تعايشياً، وواصلوا الضغط إلى أن خرج «القاعدة» من المخابئ التي توارى فيها وبنسخة «داعش» الجديدة.

كان يُراد شراء «شرعية» التدخل الإيراني في العراق، والحكم الذي تبنّاه وأداره، بكون خصومه ومعارضيه السياسيين مجرد «إرهابيين». وهذا بالضبط ما اتّبع في سوريا، حيث فُتحت المسالك لـ «داعش» منذ 2013 وقدّم له أعوان النظام و «خبراء» إيران كل التسهيلات ليتمكّن من اختراق مناطق سيطرة المعارضة ويصبح طرفاً يُستَخدم في تشويه صورة الثورة السورية ودعم الدعاية الأسدية القائلة إن كل مَن يقاتلون النظام هم «إرهابيون». وحتى بعدما وقعت الواقعة منتصف 2014 واضطرار المالكي (بموافقة إيرانية) لطلب مساعدة الأميركيين، ظلّ هؤلاء يحاججون بمقولة «ألم نقل لكم إن الخطر الإرهابي داهم؟»، ولا يزالون إلى الآن مصرّين على أن حصل كان بسبب تقصير الآخرين أو لأن هناك «دولاً أخرى» تدعم الإرهاب وتموّله. ورغم أن الولايات المتحدة وضعت شروطاً لتدخلها في العراق استوحتها من الأخطاء (استبعاد المالكي تشكيل حكومة جديدة أكثر تمثيلاً وإعادة تأهيل الجيش) وعملت على إنشاء «تحالف دولي» لمحاربة الإرهاب، إلا أنها لم تشأ الخوض في أسباب ظهور «داعش» لأنها كانت مهتمة باستمالة إيران قبل الاتفاق النووي واستمرّت بعده. ومن أجل تكريس الأخطاء ذاتها، تبدو أميركا وروسيا متفاهمتين الآن على إعادة تأهيل النظام السوري من خلال خدعة «الحل السياسي».

تمثّل الحرب على «داعش»، تحت عنوان مشروع هو «تحرير السكان»، الخلفية السياسية لصفقة دولية- إقليمية وإعادة ترسيم الحدود بين الطوائف والأعراق، على حساب العرب. هي حرب عبثية من ألفها إلى يائها، لا بدّ منها لكنها حرب قذرة. نعرف حقيقة «داعش» الذي وثّق شروره وجرائمه على الإنترنت، وأعاد البشر الذين يعيشون تحت حكمه إلى قرون غابرة. تغلغل بين السكان ليصعب ضربه وإجلاؤه وإنهاء الوضع الشاذ الذي أقامه بمزيج غريب من العقلية الجاهلية والكفاءة الحداثية. لا مشروع له سوى ما شهدناه، لا شيء غير التسلّط فيما سمّاه «دولة خلافة» يُفترض أنها للمسلمين لكنها في واقع الأمر مشروع ضدّهم يعرّض أمنهم ومناعة مجتمعاتهم لأسوأ المخاطر. وفي أي حال باتت النتيجة مكشوفة وملموسة.

 

لكننا نجهل تماماً حقيقة نيات محاربيه ودوافعهم، نستطيع أن نقرأها في تنافساتهم كما في توافقاتهم، وفي صراعاتهم كما في تنسيقاتهم. إنهم يصوّرونها حرباً بين الخير والشر، والأرجح أنها بين شرّين تمكن طبعاً المفاضلة بينهما، فليس هناك عقل سليم يستطيع قبول أطروحات «داعش»، غير أن أحداً لا يقبل أنواع الاستعمار الجديد التي ستُفرض على العرب لقاء تخليصهم من «داعش»، فهي الوصفة الأكيدة لاستخراج «دواعش» أشدّ سوءاً من قاع مجتمعات العرب. تذكرّوا كم بحّت الأصوات وهي تقول إن الحرب الأميركية على «داعش» ساعدته على مزيد من التوسّع إلى حدّ أن مسؤولين عرباً سألوا إذا كان ذلك يحصل بإرادة وتقصّدٍ أميركيين. وها هم الروس في سوريا يقومون بالدور الذي رسمه الأسد والإيرانيون وكأنهم يدفعون المعارضة دفعاً إلى أحضان «داعش»، فقط من أجل شراء «شرعية» لنظام الأسد.

في العراق حيث تبدو الحرب ممكنة بجانبها البرّي، كما في سوريا حيث لا تبدو ممكنة بسبب افتقاد قوات للقتال واسترجاع الأرض، هناك حلقة ناقصة؛ إذ لا أحد يفكّر في «ما بعد داعش»، بالأحرى في السكان المحرّرين الذين عاشوا عقوداً سابقة منسيين ومهملين ثم وجدوا أنفسهم فجأة في قلب الحدث الدولي. كذلك لا أحد يبدو مهتمّا بالجانب السياسي الذي يجب أن يواكب الجانب العسكري والأمني من المعضلة. ففي العراق ليس هناك من يعمل من الاستحقاق المهم المتعلّق بـ «المصالحة الوطنية»، أما في سوريا فقال الأميركيون دائماً إن الحل السياسي يجب أن يسبق أو يتزامن مع تفعيل الحرب على «داعش»، ورفض الروس دائماً هذه الصيغة، ويبدو أن التفاهم الجديد بينهم وجد حلاً يرضي واشنطن بمسألة التزامن لكنه يأخذ منها الموافقة على حل سياسي وفقاً لشروط موسكو وأهمها بقاء الأسد ونظامه.

 

 

 

الكلمات الدلالية:

تعليقات