مخاطر وقوع واشنطن بفخ الأسد مرة أخرى

صورة ريتشارد إنجيل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/9/2014
NBC NEWS

(ترجمة السورية)

تقدر الـ CIA وجود حوالي 31,000 مقاتل لتنظيم الدولة في سورية والعراق يقومون بقتل وإذلال كل من يعارضهم – إنها جماعة موت مهووسة بنشر وحشيتها على الانترنيت، مثل مقطع الفيديو الأخير الذي يظهر قطع رأس عامل المساعدات البريطاني دايفيد كاوثورن هاينس.

لكن البيت الأبيض يتعهد بقتالها، معلناً بأن الولايات المتحدة الآن في حرب مع تنظيم الدولة وسوف تبني تحالفاً عالمياً لتسحق الجماعة. إلى الآن، الرد الأكثر حماساً للأمر جاء من قبل نظام بشار الأسد.

لا يكاد يعتبر الأمر مفاجئاً بالواقع، فنظام الأسد يتبع تكتيكاً ثابتاً لاستخدام المليشيات الإسلامية لتوليد عدم الاستقرار – ثم الاعتماد على الولايات المتحدة لتدمرهم.

لقد خدعت واشنطن بالأمر مرة، وقد تقع في المصيدة مجدداً. إن تنظيم الدولة هي صنيعة نظام الأسد، وقد قام بهذا بطرق كثيرة. والآن سورية تريد من الولايات المتحدة تدمير الجماعة. لقد رأينا هذا السيناريو قبلاً.

نيسان 2003

في نيسان 2003، بدا الشرق الأوسط مختلفاً جداً عما هو اليوم. كانت القوات الأمريكية قد غزت العراق للتو. وشاهد العالم القوة الجوية والمدرعات والقوات الأمريكية وهي تحطم جيش صدام حسين في 21 يوماً، بينما لم يكد يلحق بالقوات الأمريكية أي خسائر تذكر.

صدام، الذي كان حينها أعتى رجل سلطة في العالم العربي، كان هارباً. الخطابات في واشنطن وفي التلفاز الأمريكي كانت عدائية جداً، كان هناك تيه يراه الجميع. وبالنسبة للشرق الأوسط، بدا أن آلة الحرب الأمريكية قد أُطلقت ولم تكن مستعدة لتهدأ حالياً.

وقد ناقش معلقو التلفزيون الأمريكي ومحللوه نقاشاً مفتوحاً حيال أي نظام يجب أن تتم مهاجمته بعد العراق. أيكون سورية، أو ربما إيران، التي هي منبر في محور الشر؟

بعد أسبوع من وقوع بغداد بيد القوات الأمريكية، قال بيل برستول من مجلة the Weekly Standerd لـ Fox News: "الأمر لا يتعلق بامتلاكنا للائحة تصفية أو اختيار للأهداف واحداً وراء آخر، أو أي شيء من هذا القبيل. علينا أن نكون جديين حيال أسلحة الدمار الشامل، وحيال الدول التي ترعى الإرهاب. سورية لديها برنامج لتصنيع أسلحة الدمار الشامل. وهم من أكبر رعاة الإرهاب".

كتبت تشارليز كراوثامير في The Washington Post عام 2005: "سورية هي الجائزة. إنها ضعيفة وحرجة، وهي المركز الجغرافي للمحور، نقطة شحن الأسلحة، وهي ملاذ الإيرانيين والإرهابيين الإقليميين... إن كان بالاستطاعة مهاجمة سورية، فإن المحور سيتحطم".

جارة جيدة؟

سورية وإيران قررتا فعل كل ما تستطيعان لتعثرا الأمريكيين في العراق ولتثبط من عزيمة واشنطن لشن أي حرب جديدة في الشرق الأوسط.

أطلقت سورية المليشيات الإسلامية في العراق. النظام القمعي في دمشق كان لديه العديد من المتطرفين في سجونه. وصدام فعل ذات الشيء، فقد أفرغ سجونه قبل غزو الأمريكيين. أذكر رؤية المتطرفين الإسلاميين وهم يمشون في بغداد في الأسابيع التي سبقت الحرب الأمريكية.

بحلول 2004، كانت المليشيات الإسلامية تقوم بما هو متوقع منها. كانوا يقاتلون القوات الأمريكية. كانوا يفجرون أنفسهم عند نقاط التفتيش. كانوا ينفذون ما سمته القوات الأمريكية في الأيام الأولى "بالتمرد". حينها، معظم المليشيات الإسلامية، خاصة المقاتلين الأجانب، الذين أتوا للعراق جاءوا عبر سورية. كانت الحدود مفتوحة لهم.

الجنرالات الأمريكيون في العراق والمسؤولون العراقيون المعينون حديثاً اشتكوا بمرارة، متهمين سورية بمحاولتها تخريب التجربة الديموقراطية في العراق. وكانت بلدة القائم الحدودية السورية هي المنفذ الرئيسي للمتطرفين الإسلاميين للدخول إلى العراق. وأصبحت سورية هي المنفذ للمتطرفين من مصر، وليبيا، وأفغانستان، واليمن، والمملكة العربية السعودية ومن بلاد إسلامية أخرى ليقوموا بالجهاد ضد القوات الأمريكية في العراق.

في عام 2007، قال سفير أمريكا في بغداد حينها جون نيغروبونت لـ The Washington Post بأن الاستقرار في العراق يعتمد على ملاحقة إيران وسورية "لإيقاف تدفق المقاتلين والذخائر عبر حدودهم... أربعين إلى سبعين مقاتل أجنبي يأتون عبر الحدود السورية كل شهر".

وحينها كان الرئيس جورج بوش آملاً بأن سورية "تفعل كل ما بوسعها لإيقاف تدفق الانتحاريين والقتلة إلى العراق. نحن نتوقع من سورية أن تكون جارة جيدة للعراق".

لقد زرت القائم عدة مرات وقابلت المسؤولين العراقيين الذين قالوا بأن المقاتلين الإسلاميين يعبرون الحدود بشكل علني بمساعدة من حراس الحدود السوريين.

خلال الأعوام التالية، الإسلاميون – الذين دعوا أنفسهم لاحقاً بالقاعدة في العراق – سيسببون مشاكل للقوات الأمريكية. واستطاعت القوات الإسلامية أخذ مدينة الفلوجة العراقية، تقريباً بذات الطريقة التي استطاعت فيها تنظيم الدولة أخذ مدينة الموصل العراقية هذا الصيف.

تحول الأسد

بحلول عام 2008، كان نظام الأسد يغير مواقفه. المتطرفون الإسلاميون في العراق نمو ليصبحوا خطراً جدياً ولا يخضع للسيطرة، متحدياً ليس فقط القوات الأمريكية، بل مهدداً بزعزعة المنطقة بأكملها، بما فيها سورية. لم تعد الحرب الأمريكية ضد سورية وشيكة. وكان عهد الرئيس بوش بنهايته. ورئيس جديد سيكون في المكتب قريباً. قرر الأسد الانقلاب على الإسلاميين ومساعدة القوات الأمريكية على تنظيف الفوضى التي كان هو يتحمل جزءاً من مسؤولية حدوثها. بدأ نظام الأسد باعتقال المقاتلين الإسلاميين في دمشق. أصبح الأسد شريكاً سرياً فاعلاً فيما وراء الأحداث. وحتى قامت قوات العمليات الخاصة الأمريكية بتنفيذ بعض عملياتها داخل سوريا أحياناً.

في تشرين الأول من عام 2008، قامت قوات المغاوير الأمريكية بمداهمة عبر الحدود إلى سورية وألقت القبض على المقاتل الإسلامي المعروف بأبو غادية. وكان متهماً بكونه أحد أهم مهربي المقاتلين والمال بين العراق وسورية لصالح القاعدة في العراق.

قال مصدر عسكري أمريكي مع معرفة مباشرة بالعمليات الخاصة الأمريكية: "عليك أن تفهم، لقد كانت الحكومة السورية واحدة من أفضل أصدقائنا، لقد كانوا متعاونين جداً. كان السوريون يعتقلون لنا المطلوبين".

أعيد تأهيل الأسد بسرعة. فجأة، أصبح يُصور على أنه مجدد يمكن الاعتماد عليه. حتى أن دمشق أصبحت أنيقة. ورشحت Travel magazine دمشق كوجهة آمنة للسياحة الغريبة. في عام 2012، Vogue Magazine نشرت تعريفاً متألقاً لزوجة بشار الأسد أسماء، كان عنوانه "زهرة في الصحراء"

"أسماء الأسد شابة متألقة وأنيقة للغاية – أكثر السيدات الأوليات سحراً ونضارة. أسلوبها لا يعتمد على بريق قوة الشرق الأوسط الوهاجة ولكن على قلة الزينة المتعمدة. إنها مزيج نادر: جميلة نحيلة ذات أطراف طويلة ذات عقل تحليلي مدرب على الارتداء ببساطة ماكرة. دعتها Paris Match (عنصر الضياء في بلد مليء بمناطق الظلال) إنها سيدة سورية الأولى".

ولكن في الوقت الذي نُشرت فيه المقالة، كانت سورية وعائلتها الحاكمة – التي دعتها Vogue بـ "الديموقراطية جداً" – في أزمة مجدداً. كان الربيع العربي قد بدأ في الشرق الأوسط مع دعم من إدارة الرئيس أوباما.

الإدارة الأمريكية تخلت عن الرئيس المصري حسني مبارك. وفي ليبيا، الثوار كانوا يحملون السلاح، وتمت مساعدتهم في النهاية بشكل مباشر من قبل القوات الجوية الأوروبية والأمريكية. وكان نظام معمر القذافي قريب من الانهيار أيضاً. القائد الليبي قتل وتم الاعتداء عليه من قبل جماهير غاضبة. وبدأ السوريون بالنهوض، وظنوا بأنهم سينالون التغطية الجوية الأمريكية تماماً مثل الليبيين.

قالت إدارة أوباما بأنها ستدعم الجيش السوري الحر، وأعطت الكثير من العهود لإرسال الأموال والأسلحة لهم. ظن الثوار السوريون أن الجيش الأمريكي سيفرض منطقة حظر جوي فوق سورية. هنا أطلق الأسد الإسلاميين مجدداً. المرة الأولى، أراد جعل مهمة قوات الولايات المتحدة في العراق صعبة. هذه المرة، أراد إيقاف الثوار وداعميهم الأمريكيين.

مقامرة الأسد

أفرغ الأسد سجونه من المتطرفين الإسلاميين. كانت تلك مقامرة، لكن النظام أمل أن يسبب حقنه للمقاتلين في بركة الثوار، بتسميم المياه أخيراً. إن حجة الأسد الأساسية كانت أنه يحارب الإرهابيين، وأنه لا يقوم بقصف مواطنين ساعين للديموقراطية.

أضاف النظام التطرف للمزيج الثوري ليثبت بأنه على صواب. وتقريباً بدأ الإسلاميون فوراً بمهاجمة الجيش الحر المدعوم من قبل الولايات المتحدة. كان الثوار المعتدلون علمانيين وتحدثوا عن الانتخابات والديموقراطية. الإسلاميون، الذين لم يكونوا يدعون بتنظيم الدولة بعد، أرادوا دولة إسلامية متشددة، وفقاً لسعيهم لتطبيق تفسيرهم السلفي للإسلام. وإدارة أوباما لم تعطي الثوار أبداً دعمها الذي وعدتهم به.

نما الإسلاميون، وبالنسبة للأسد، كان الأمر سهلاً جداً. فقد كان يشير إلى المتطرفين – ويعرضهم على التلفاز السوري – كدليل على أن المعارضة لم تكن سوى مجموعة من المتعصبين الخطرين. التلفاز السوري الحكومي لم يتحدث أبداً عن الثوار الطالبين للديموقراطية. بل وصف حرب الحكومة على الإرهاب. وقام النظام بإعطاء دفع للإسلاميين.

قوات الأسد قصفت الجيش الحر السوري العلماني، وقتل آلاف المدنيين خلال العملية، لكنه نادراً ما استهدف الإسلاميين. وسمح للمقاتلين – الذين عرفوا لاحقاً بتنظيم الدولة– بالحصول على ملجأ آمن. الأمور تتغير مرة أخرى. الإسلاميون أصبحوا أقوياء جداً ومثلما تحولوا في العراق عام 2008 إلى خطر، أصبحوا الآن خطراً على المنطقة وعلى نظام الأسد.

لا يملك الأسد الأسلحة الدقيقة أو قوات ذات نظام عمليات مشابه للنظام الأمريكي كي تستطيع تطويق وقتل الإسلاميين. يريد من الأمريكيين أن يقوموا بما قاموا به بعد 2008. يريد من القوات الأمريكية أن تنظف الفوضى التي سببها. الآن يطلب مسؤولو الحكومة السورية من الإدارة مشاركة الحكومة السورية في قتال تنظيم الدولة.

إن بدأت الولايات المتحدة بقصف تنظيم الدولة، فستكون مساعدة للأسد. إنها ذات الطريقة التي استخدمتها سورية بفعالية في العراق – ولا شيء ينسخ عادة أكثر من النجاح.