مخاطر ومصاعب سيواجهها الأسد إذا قرر إنشاء دويلته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/7/2015
السورية نت

لم يمر وقت يتهاوى فيه نظام بشار الأسد منذ بدء الثورة السورية كما يحصل الآن، فالهزائم تنهال على رأسه واحدة تلو الأخرى دون انقطاع، مما يضيق فسحة الخيارات المتاحة أمامه، وهو ما يفسر أيضاً تزايد أعمال العنف ضد المناطق الخارجة عن سيطرته، لا سيما بعد خروج محافظة إدلب من يده وتقدم "جيش الفتح" في بقية أنحاء المحافظة وجعل جنود النظام أضحوكة العام لفرارها السريع مع بدء المعارك، تزامناً مع اشتداد معارك الجنوب وسيطرة فصائل الثوار على مناطق استراتيجية، جعلت نظام الأسد يستشعر الخطر بشكل أكبر.

جيش ينهار، واقتصاد يتهالك، واستهداف هنا وهناك، وعزلة دولية حجّمت الأسد ونظامه، وحلفاء بدأوا يتململون من غلامهم الذي استنزف مقدراتهم على الرغم من رهنه مقدرات سورية لهم. وأمام هذه الوقائع تتزايد التحليلات حول احتمال توجه نظام الأسد إلى خيار إقامة دويلة علوية اختلف المحللون في حدود بدايتها ونهايتها، لكن الملامح العامة لهذه الدويلة بحسب ما خرج على وسائل الإعلام ومسؤولين غربيين أنها ستتركز في مناطق الساحل السوري حيث جبال العلويين ومناطق سكنهم الأولى قبل أن يستولوا على حكم البلاد لأربعين عاماً.

وسواءً أصح الكلام عن انتقال النظام لتطبيق الخطة "ب" القاضية بإقامة كيان له من دمشق حتى اللاذقية أم لم يصح، فإن خيار النظام بإقامة هذا الكيان قد يكون بمثابة الجولة الأخيرة له في معركته مع الشعب السوري الذي قتل منه أكثر من 300 ألف منذ 5 سنوات. ذلك أن عزم النظام إقامة دويلة علوية له في سورية يواجه عقبات وصعوبات جمة، ويبدو أن النظام لن يكون قادراً على تجاوزها بسهولة حتى لو تلقى الدعم من حلفائه، سيما إذا قرر الثوار فعلاً مواجهة مشاريع التقسيم التي تحاك إلى سورية مهما كلف الثمن.

وبداية المصاعب التي يواجهها الأسد فيما لو مضى بإقامة دويلته تهجير السكان السنة على الأقل في طرطوس وحمص واللاذقية نظراً لحساسية هذه المحافظات الثلاث لدى النظام وما تحتويه من الجزء الأكبر من سكان الطائفة الذين يعول عليهم الأسد، ولن يكون هذا بالأمر السهل من ناحيتين، الأولى وجود بعض العلويين الرافضين لنظام الأسد والذين يخشون من حشد المزيد من مشاعر الكراهية لهم جراء وضع النظام لهم في رأس المواجهة، والثانية أن النظام سيدخل في مواجهة عسكرية كبيرة مع الفصائل المتواجدة بريف اللاذقية وتلك المتمترسة بريف حماه، ناهيك عن وجود آلاف المقاتلين المعارضين في ريف دمشق (فيما لو دخلت دمشق ضمن مشروع دويلة الأسد).

وفيما تتوزع قوات النظام في جبهات متعددة الآن على البقاع السورية، فإن خيار إنشاء الدويلة سيجبر الأسد على تحصين مناطقه وسحب قواته إليها، وإذا أخذنا بالمجريات الحالية على أرض الواقع نجد أن النظام فعلاً قد انسحب من مناطق في وسط سورية وشمالها بغية وضعها في غرب سورية. وهنا يأتي المصير السيء الذي سيواجهه الأسد ومن معه، إذ سيحشر نفسه ومن تبقى معه من قوات في بقع جغرافية محددة، تسهل على المعارضة حصارها وتختصر عليها الكثير من الجهد وستكون حينها قادرة على إنزال الضربات الموجعة بالنظام في مناطقه، لذا فإن غياب الأمان في مناطق النظام سيفقده أهم عامل في نشوء الدول واستمرارها.

وعند الحديث عن جيش للنظام، فإن الأسد سيكون مدركاً لحقيقة أن السوريين يحجمون عن الانضمام إلى صفوفه، حتى من أبناء الطائفة العلوية التي ترفض عائلاتها إرسال أبنائها إلى المعارك، وأكبر دليل على ذلك وقوع مواجهات في مناطق النظام بين الأمن العسكري وأهالي القرى المؤيدة الرافضة لزج أبنائها في معارك خاسرة هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن القوات المحلية كـ "درع الساحل" تدل على تبدل أولويات القرى المؤيدة من مساندة الأسد إلى تشكيل قوة عسكرية لحماية أنفسها فقط مما تحمله قادم الأيام. وإذا كان الأسد سيلجأ هنا إلى استقدام الميليشيات الأجنبية فهل يضمن قبول السكان في مناطقه (الذي سيحرص على عدم إزعاجهم حفاظاً عليهم) للميليشيات.

ولن يغيب عن نظام الأسد سوء الحالة الاقتصادية التي تعيشها المدن السورية، فإذا كانت الموارد التي يحصل عليها الأسد من الـ 20 بالمئة من الأراضي التي يسيطر عليها إلى جانب الدعم المقدم من حلفائه إيران ورسيا لا يكفي لإطعام السكان في المناطق التي يسيطر عليها النظام وكما هو معلوم فإن الليرة السورية إلى مزيد من التدهور، فكيف به الحال إذا قطعت المعارضة عن مناطقه طرق الإمداد وفرضت عليه حصاراً كحصاره الذي يفرضه الآن على سكان الغوطة وبقية المناطق، فإن النظام سيكون أمام أزمة إنسانية أكبر من التي تمر بها سورية الآن، وهذا ما من شأنه أن يفقد السكان في مناطقه الأمل بتوفير الأسد لمتطلباتهم، وعليه فإن الأسد سيكون أمام بركان جديد قد ينفجر في أية لحظة ويحرق الجميع. وقد يقول قائل هنا إن روسيا وإيران ستمدانه بالمساعدات من خلال البحر وقد تقدمان له الأموال، كما أن النظام بمقدوره الاستمرار في شراء المحروقات من تنظيم "الدولة الإسلامية"، ولكن هذا الأمر ليس باليسير، فلا شيء هنا بلا مقابل، فما الذي تبقى الآن لدى الأسد لكي يمنحه لطهران وموسكو إذا كان قد رهن أجزاءً كبيرة من العاصمة دمشق لإيران ثمناً لدعمه حالياً، وإذا كان قد فقط السيطرة على أجزاء كبيرة من الموارد في سورية، وما الذي يعنيه وجود قاعدة روسية في بحر المتوسط مقابل ما ستقدمه موسكو، ومن أين سيأتي نظام الأسد بالأموال لشراء الوقود وغيرها من المتطلبات التي تمثل عصب الحياة، وعلينا ألا نغفل هنا أن  الأسد سيبقى عرضة للابتزاز من جميع الأطراف، فهل لديه قدرة على الاحتمال؟

ولا يقتصر أمر قيام الدويلة على الماديات، فهناك ما هو أخطر من ذلك، فعلى مدار السنوات الخمس الماضية شوه الأسد النسيج الاجتماعي السوري وطافت أكثر على السطح مظاهر الاستغلال وتسلط القوي في نظام الأسد على الضعيف، وغالباً ما طالت العواقب السلبية لهذه المظاهر السكان السنة، ولم تنجو منها حتى الطائفة العلوية، وعليه فإن المتنفذين في نظام الأسد الذين اقتاتوا على مدار العقود الأربعة الماضية على لقمة الضعيف لن يكون الأمر سهلاً عليهم في أن يعيشوا كغيرهم من عوام الشعب، إذ ستسود في مناطق النظام عمليات السرقة والاستيلاء والاستبعاد ولكن المستهدف هنا غالباً سيكونوا من أبناء الطائفة نفسهم، ولك أن تتخيل حالة الهرج والمرج التي سيواجهها الأسد حينها.

أما سياسياً فإن الأسد غالباً ما سيفتقر إلى الاعتراف الدولي بدويلته لأمرين، الأول للأسباب التي ذكرتها وغياب مقومات الدولة، وثانيها أن الاعتراف بدويلته سيحرج بعض الدول التي لطالما وضعت الخوف من تقسيم سورية حجة لعدم دعم المعارضة السورية، ومجرد الاعتراف بهذه الدويلة المفترضة يعني أن صاحبها سيكون في موضع لا شرعي بالمنظومة الدولية التي ترفض فيها دول عدة تقسيم البلاد.

لن يكون خيار الأسد باللجوء إلى إقامة دويلة له بالقرار الصائب، فقد يكون خياراً مؤقتاً لكنه محفوف بالمخاطر لدرجة قد تقضي عليه بالكامل، لذلك على الثوار اليوم أن يواصلوا إضعاف النظام ما أمكن ذلك، وأن يحرموه السيطرة على المناطق الاستراتيجية، وهذا في صالح الثوار لسببين، الأول قطع الطريق على النظام للتوجه نحو الغرب والبدء عملياً في مشروع التقسيم، والثاني تجنب أخطار المزيد من سيطرة "تنظيم الدولة" على مناطق جديدة في سورية قد تمكنه من الدخول في مساومات مع النظام على حساب الثورة والثائرين.

تعليقات