مدلولات وتداعيات لقاء الائتلاف وتيار بناء الدولة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/5/2015
السورية نت
المؤلف: 

تؤكد خطة الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية منذ تولي السيد خالد خوجة رئاسته، أنها تسير وفق سياقات تستهدف تحسين الأداء السياسي والوطني لجسد اخترقته إلى حد التوغل مناهج الاستقطاب والفئوية والغايات الآنية، وطالت هذه الخطة ومنفذيها جملة من الانتقادات وأخرى من الثناءات، وهذا ديدن الأفعال السياسية التي يرتضيها البعض ويمتعضها الآخر وكل حسب قناعاته وقراءاته لمشهد الأحداث ومدخلاتها ومتغيراتها، ولعل المتفق عليه عند الجموع الثورية هو المبادئ والرموز والقيم الثورية فهو لا ينفع أن تخضع للمساوات والتنازلات وذلك نظراً لارتباطها الوثيق بجوهر الثورة السورية ومشروعها القيمي والحضاري، وفي ذات السياق يجب التنويه أن لا تكون هذه المبادئ والرموز والقيم مادة تسويقية للابتزاز وفق غايات ومصالح لا تنسجم مع هذا المشروع وأبعاده الحضارية.

وبناء عليه يمكنني الدخول في سياق تحليل صورة المؤتمر الصحفي الذي تم عقده مؤخراً بين الائتلاف الوطني وتيار بناء الدولة والذي يأتي استمراراً لخطة الائتلاف التي تستهدف وفق إعلان القائمين عليها وعلى رأسهم رئيس الائتلاف الحالي التعاون والتنسيق الائتلاف مع أطراف المعارضة الأخرى في سبيل تنسيق العمل الوطني لخدمة الثورة وإسقاط النظام وتقريب يوم الانتصار. ورافق هذا المؤتمر معطاً له ارتدادات وارتكاسات بالغة الحدية والمتمثل بتنحية علم الثورة السورية من الصورة العامة للمؤتمر مما جعل هذا المؤتمر مادةً إعلامية ملتهبة تناولت هذا الحدث على أنه تنازلٌ عن رمز مهم من رموز الثورة السورية.

يفيدنا تفكيك الصورة بكل أجزاءها وإعادة بناءها إلى جملة نتائج سأعرضها وفق الترتيب التالي: 

أولاً: انتهى اللقاء بعدة رسائل سياسية تفيد ببدء نهج جديد لتيار بناء الدولة، وأهمها إقراره أنه "ما من حل سياسي ينقذ سورية مما هي فيه إلا رحيل بشار الأسد وزمرته"، و" أن الأسد لن يكون له دور مستقبل سورية، والحوار الوطني الشامل بين السوريين هو المدخل لاجتراح الحلول المقبولة، التي تنهي معاناة الشعب، وتوفر الأمن والاستقرار للبلاد". وأن الدولة المنشودة في سورية "دولة مدنية ديمقراطية تعددية، تنعم بالحياة الدستورية وسيادة القانون، الذي يتساوى أمامه جميع المواطنين، ويتمتعون بمنظومة الحريات العامة والخاصة. وأنها دولة ترد المظالم إلى أهلها. تنصف الضحايا، وتحاسب المرتكبين والمجرمين والفاسدين أمام محاكم عادلة وعلى قاعدة المسؤولية الشخصية". كما عبر الطرفان عن أن "تأسيس جيش وطني للثورة السورية أصبح أمراً ملحاً لمواجهة استحقاقات المستقبل بعد أن تهتك جيش النظام وبانت بداية نهايته". وهذه الرسائل بشكلها العام مقبولة خاصة أنها نفيد بنجاح الائتلاف بسحب بعض أوراق ما يسمى بـ “المعارضة الداخلية" من يد النظام الذي ما فتئ عن استغلالهم وتوظيفهم في مبادرات وطروحات تستهدف تعويمه. إلا أن هناك تساؤلات تبقى مفتوحة دون إجابة وهي:

  1. ما هو حقيقة دور تيار بناء الدولة في هذه المرحلة خاصة أن سيرته الذاتية تفيد بأنه ذو إداء متواضع لا يرتقي لطموحات الثورة ولا تعبر أهدافه عن أراء شريحة مؤثرة من المجتمع السوري؟
  2. أليس الأجدى تكتيكياً ترميم التصدعات الداخلية قبل بناء تحالفات خارجية؟
  3. ما هو الثابت والمتغير لدى التيار وما مدى تقاطعاته مع طموحات الثوار السوريين، وما هو الضمان بعدم تغيير هذا المنحى الجديد الذي أعلنه رئيس هذا التيار؟
  4. ما هي نظرة التيار تجاه الجيش السوري الحر، وهل حسم موقفه تجاه قوات ومليشيات النظام؟

 

ثانياً: عدم لحظ علم الثورة السورية في هذه الصورة، ومرد هذا الخطأ الجسيم الذي تم ارتكابه إلى عدة أسباب تتعلق بخلل وأخطاء في الفرق التنظيمية وهذا عائد إلى عدم احترافية هذه الفرق، أو إلى اضطرابها الموضوعي والمنبثق من توصيات المسؤول السياسي المتمثلة بعزوف التيار عن الوقوف إلى جانبه، وفي كل الأحوال يجب النظر إلى هذا الخطأ ضمن محورين:

المحور الأول أنه خطأ فني لا ينبغي لجسد يمثل ثورة شعب بأن يقع بمثل هذه الهفوة وبالتالي يستوجب التوضيح بأنه كذلك دون الإيحاء بأي مؤشرٍ بأنه حدث عادي وإلا كانت الارتدادات متسارعة وغير مضمونة النتائج، كما يستوجب تبني أدوات المعالجة، وبعدها انتهى الأمر لكيلا يكون العلم مادة محط تسويق وابتزاز.

أما المحور الآخر فهو مدى التوافق الوطني على العلم ذاته، ففحين نرى رفضاً لمعظم الفصائل السورية المقاتلة له مقابل أعلاماً تخصهم حتى شهدنا آلاف الأعلام بدءً من الأعلام ذات الدلالات القومية وانتهاءً بالرايات ذات المفاهيم الإسلامية، فأننا نجد حرصاً من معظم الحراكات والنشاطات الثورية المدنية وبعض من العسكرية ما زالت (وأنا منهم) ترى فيه استقلالاً من كل احتكار للسلطة واستغلال للسياسة والمواطن السوري، وراية يقتدى فيها في درب الحرية تقوي وتشد عزيمتهم ولا تثنيهم عن أداء مسؤولياتهم الوطنية والثورية، الأمر الذي يؤكد على أن هذا اللاتوافق بحاجة لعمل عميق ودقيق يستهدف التوصل لمجموعة مبادئ لا تقبل المساومة ولا التغيير وعلى كافة المستويات السياسية والعسكرية وحتى المدنية، وذلك ضمن استراتيجية ذات رؤية وطنية جامعة.

وللتذكير فإن الثورة السورية التي استطاعت القيام بعدة متغيرات في منظومة القيم السياسية السائدة. بدءً بالنشيد "الوطني" الذي اعتبر ممجداً للحريات والمعزز للكرامة الإنسانية والرابط بين الإنسان ورموزه التاريخية المشرفة، قبل ان يتغير الإحساس العام اتجاهه عندما تحول مع نظام استباح طول البلاد وعرضها إلى شعارٍ يستخدمه النظام في التسويق والابتزاز باسم الوطن، وما انطبق على النشيد الوطني انطبق كذلك على عَلَم الدولة الذي كان ساريةً في مقدمة عربات ومدرعات المؤسسة العسكرية التي سلطت حممها على شعب يريد العزة والحرية في وطنه، فغدا هذا العلم رمزاً للقهر والعنف، وانطبق ايضاً على مفهوم المقاومة والممانعة والحزب المناصر للفئات الكادحة...إلخ.

تلك الثورة التي استطاعت القيام بهذا تملي علينا اليوم بعد أربعة أعوام ضرورة أن نتمعن ونحرص بأداءنا الوطني والثوري وعلى كافة الصعد سواء الإعلامية أو حتى التنفيذية، وأن نسهم جميعاً في بناء وعيٍّ سياسي ينهي محطات الابتزاز ويثور على من يحاول جعل القضية مادة دعائية ونحاسب بشدة كل من يحاول التنازل عن الثوابت الوطنية.

وأخيراً أقر هنا أننا أمام إشكالية بالغة التعقيد وسياقات التحليل فيها تبدو كأنها سيرٌ على حد سيفٍ بتار لا يرحم، وهذه الإشكالية تنبع من أربعة أمور، أولها أنها عدم الوقوع بفخ عدم تمييز الفرق بين الثابت الوطني كمحفز على العمل الممنهج والمحترف والابتزاز باسم هذا الثابت، وبرأينا أن الخطأ بالأول إن لم يكن ضمن سياسة ونهج عام قائم على التنازل فهو يجب أن يمنح فرصة للتعليل والتصحيح، أما الثاني فقولاً واحداً ينبغي اكتشاف واضعي السم في هذا السياق وتبيان غاياتهم وأجندتهم القائمة على مبدأ اقتناص الفرص والابتزاز  باسم الرموز والقيم الثورية وتعرية خطابهم الملوث أمام الرأي العام.

 وثالث هذه الأمور هو التعجل في الاندفاعات الثورية العفوية التي تزيد من هول ما تم، وابدال هذا التعجل بتبني سياسات النصح والنقد البناء المرفق بتوصيات تتلافى هذا الخطأ الجسيم وتقوم توجهات الائتلاف وأدائه السياسي والدبلوماسي وحتى البروتوكولي الذي لطالما لم يتسم بالارتقاء إلى مستوى رجالات الدولة، والأمر الرابع هو ضرورة الانتباه إلى ضرورة قراءة كامل الصورة التي تحتوي مضامين وسلوكيات سياسية هي محل النقد والتقييم ومحل الموافقة والمعارضة، ورؤية كافة أجزائها وفق هذا السياق، 

تعليقات