مسار الحزبية السورية خلال قرن من "الكوربوراتية"إلى محاولات الفكاك من إِسار الوطنية 1847 - 1949

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/12/2015
السورية نت
المؤلف: 

من الضرورة بزمان مناقشة صيغ كل مرحلة لمعرفة مسار الحراك الحزبي لها، وبالذات مناقشة صيغ محددة لتنظيمات وأحزاب محددة باعتبارها عامل مهم لمعرفة التحولات التي مرت بها الدولة السورية منذ نمو البذور الأولى للحراك الحزبي السوري الذي تشكل على أساس جمعيات خيرية - أقرب ما تكون لبذور مجتمع مدني منه إلى حزبي- إلى التشكل على أساس علماني في اطار الهوية الوطنية إلى محاولات الفكاك من إِسار الوطنية والغوص والبحث عن هويات جديدة في اطار القومية والتمرد عن الصيغ الوطنية التي طرحتها الأحزاب التقليدية، في تأثر واضح بالنمط الحزبي الغربي خصوصاً في القوميات العلمانية من مثل القومية السورية التي أعلنها انطون سعادة والمستقاة من الفكر القومي الاجتماعي الألماني (النازي) والقومية العربية المنظّمة التي اطلقها البعثيين  والمنتقاة افكارها من حركة البعث الإيطالية الداعية لتوحيد إيطاليا.

ففي العموم إن النسبة الأعظم من الأحزاب في العالم تقع في بلدان العالم الثالث، تلك البلدان التي تسير في طرق وعرة للفكاك من إِسار التخلف وتحقيق معدلات مطلوبة في التنمية. حيث أن قضايا التخلف والتنمية والديمقراطية ومعاصرة الفكر الحداثوي وإصلاح الجهاز السياسي والفكاك من الديكتاتوريات العسكرية هي سمة الاجتماع السلمي في هذه البلدان.

والحالة السياسية والاجتماعية السورية لا تخرج عن النمط الدائر في العالم الثالث. لكن ما يميزها عن سواها في محيطها العربي أن الحديث عن الأحزاب في سوريا لم يكن شأناً نخبوياً بقدر ما هو وظيفة مجتمعية متكاملة منذ إعلان الدولة السورية وحتى آخر انقلاب سياسي عام 1963.

ليعود هذا الحراك من جديد برؤى جديدة اليوم أثر الصراع الدامي الذي شهده المجتمع عقب الحراك الثوري للإطاحة بالحكم الشمولي في البلاد والذي رافقه جملة من التغيرات الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية الهائلة والتي أطلقت ميلاد قوى جديدة تحمل مزيج متناقض من توجهات وتطلعات تطمح إلى القيام بدور محوري وهام في صياغة مستقبل البلاد عبر مشاركة سياسية تفتح أمامها آفاق العمل السياسي الحر والهادف لممارسة السلطة بطريقة مجتمعية في دائرة المشاركة والمسؤولية.

فالخبرة السياسية تثبت أن العلاقة الطبيعية والصحيحة والمبنية على قواعد ديمقراطية وتعاقدية داخل كل حزب من جهة وبين تلك الاحزاب والسلطة العامة للدولة من جهة أخرى هي الضمانة الأساسية لوحدة أي بلد. بالتالي إن انفتاح المجتمع على الأحزاب وانفتاح السلطة التي يحددها ويصوغها الشعب عليها واشراكها في صنع القرار يأتي ضمن سياق عملية إصلاحية شاملة "سياسية اقتصادية واجتماعية" لأجل بناء دولة حديثة متماسكة تكون قادرة على وضع حلول لمشاكلها بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة وبالتالي تحقيقها، وهذا ما تفتقر له القاعدة الحزبية اليوم في غياب واضح للقانون ما يجعلها تساهم في تمزيق وحدة البلاد.

لكن رغم ذلك لم يعد لدى السوريين اليوم أن مفهوم الحزب هو مفهوم النزعة الشخصانية الضيقة كما كان في عهد البعث، فهو مفهوم واسع وعريض. وحتى يرسم مبتغاه في الشارع الغاص بالمشاكل والتعقيدات لا بد وأن يبدأ إذ بدأ أبجدياً بألف الالتزام وينتهي إذ انتهى بلام العقل وياء الوعي، وإن تأطير الشباب - والنخب منهم - في حركة حزبية منظمة وتوسيع المشاركة السياسية عبر آلياتها المختلفة يعني أن وعاء الخبرة السياسية وطروحات الحلول لمشاكل المجتمع ستتسع بدورها، ويعني أن مزيداً من الخيارات والفرص ستطرح على الساحة لمواجهة التحديات وفي مقدمتها إخراج البلاد من دائرة العنف والسعي لتشكيل سلطة تتبنى مفهوم العدالة الانتقالية والتنمية السياسية والاقتصادية وتعزيز وتمتين وحدة البلاد.  وإن ذلك سيمنح المجتمع مستوى معقول من الاستقرار يتيح لأفراده اختيار عدد من البدائل المطروحة لإقرار العدالة والتنمية.

والحديث عن الحركة الحزبية في سورية هو حديث قد يطول، إذ شهد الحراك الحزبي السوري خلال قرن الكثير من التطورات والتحولات التي كانت تمليها طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومدى تأثير التطورات الإقليمية والدولية في كل مرحلة.

كيف كانت البداية ?

 فالحزبية السورية تعود الى أواخر القرن التاسع عشر، فقد عرف الشارع السوري وقتها بعض من الجمعيات والأحزاب والتيارات والحركات السياسية والاجتماعية، وجميعها أحزاب هزيلة وهشة، وذات برامج سياسية غير واضحة المعالم، وهي حركات اجتماعية بدائية استهدفت الغاء الأقطاع وتحرير المرابعين والفلاحين. كما أن كثير منها هو جمعيات خيرية وثقافية يدفعها الحماس الوطني للمطالبة بإقامة حكم ذاتي في ظل الحكم العثماني على التشكل. فظهرت جمعيات أدبية وعلمية عديدة مثل جمعية العلوم والفنون في بيروت عام 1847 ثم الجمعية العلمية السورية عام 1857 وكانت تهدف تلك الجمعيات إلى ايقاظ الوعي القومي وتوعية الناشئة وبث الروح القومية بينهم وبعث الأدب والتاريخ العربي. أما الجمعيات السياسية فتعد الجمعية السرية في بيروت عام 1875 أول جمعية سياسية في الوطن العربي نادت بالاستقلال الذاتي لسورية متحدة مع لبنان وبجعل اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية وجعل الخدمة العسكرية محلية ورفع القيود عن حرية التعبير، كما ظهرت جمعيات اجتماعية مثل الجمعية الخيرية في دمشق عام 1878والتي تهدف الى نشر التعليم والقيام بأعمال البر والاحسان.

و في القرن العشرين كان الحزب الاتحادي في مطلع العقد الثاني أول التجمعات التي أخذت شكل واسم الحزب بالظهور، ثم تلا ذلك توالي الأحزاب بالتشكل والظهور العلني، فظهر في العام 1911 مجموعة من التوجهات الحزبية كان أهمها الجمعية العربية الفتاة التي ظهرت في باريس ثم انتقل مقرها إلى لبنان فدمشق وتعد من أكثر الجمعيات التي صاغت بأهدافها مستقبل الأمة العربية إذ هدفت إلى النهوض بالأمة إلى مصافي الأمم المتقدمة وتحقيق الاستقلال الذاتي للبلاد العربية.

كما ظهر في نفس العام عدة أحزاب صغيرة منها حزب الاتحاد العثماني أو الحزب الصادق وحزب الأحرار ..

وفي أواخر العام 1912 تأسس في القاهرة "حزب اللامركزية الإدارية العثماني" على يد مجموعة من الزعماء السياسيين والمفكرين أبناء الجالية السورية في مصر. وكان لهذا الحزب دوراً مهماً إلى جانب زعماء النهضة وقادة التيارات السياسية والثقافية في بلاد الشام للتحضير للمؤتمر العربي المنعقد في باريس عام 1913 للمطالبة بإصلاحات إدارية ومالية وسياسية في ظل حكم لا مركزي في بلاد الشام.

إعلان الدولة السورية

استمرت النشاطات السياسية والثقافية بالظهور العلني في البلاد من جهة ومنعها وملاحقة رجالاتها من جهة أخرى حتى نجاح الثورة العربية الكبرى في 30 أيلول عام 1918. حيث أخذ السوريون يتجهزون لاختبار تجربتهم الأولى في إدارة بلادهم بأنفسهم في ظل حكم وطني. إذ شهدت تلك الفترة التي قاد حكمها الملك فيصل والممتدة على مدى عامان من أيلول عام 1918 شهدت ولادة عدة أحزاب ظهر أغلبها في أوساط السوريين في مصر من مثل:

  • - حزب الاتحاد والذي تأسس في القاهرة في كانون أول من العام 1918 من قبل بعض المسلمين والمسيحيين السوريين اللاجئين في مصر بالإضافة إلى بعض أعضاء حزب اللامركزية الإدارية واقتصرت مطالب هذا الحزب بوحدة سوريا الطبيعية.
  • - وحزب "اللجان اللبنانية السورية" الذي نادى بضرورة سلخ سورية عن كل سلطة تركية فعلية كانت أو اسمية واستقلال سوريا ووحدتها التامة بالإضافة إلى الفصل التام بين القضية العربية والقضية السورية. ويعد هذا الحزب نواة القومية السورية التي شقت طريقها في ثلاثينيات القرن العشرين فيما بعد.
  • - ونشأ في مصر أيضاً الحزب الحر المعتدل والذي يختلف عن الحزبين السابقين في أنه يطالب بأن تكون الولايات المتحدة الامريكية وصية على سوريا.
  • - كما ظهر في شباط من العام 1919 حزب الاستقلال العربي ليكون مظهراً خارجياً لنشاط الجمعية العربية الفتاة السرية والتي كان الأمير فيصل عضواً بها، ويعتبر هذا الحزب بمثابة الهيئة السياسية الأولى في العهد الفيصلي وأكثر التنظيمات السياسية تماسكاً في تلك الفترة ويطالب هذا الحزب بضرورة استقلال العرب ووحدتهم الشاملة ضمن حدود الوطن العربي الطبيعية، ومن أبرز اعضائها كان "يوسف العظمة- هاشم الاتاسي- شكري القوتلي واحمد مريود واخرون".
  • كذلك ظهر في نفس العام حزب التقدم ليكون واجهة علنية نيابياً للجمعية العربية الفتاة. وآخر الاحزاب ظهوراً في هذا العهد هو الحزب الوطني السوري أواخر كانون ثاني عام 1920.

إذ تمتاز هذه الاحزاب ضمن هذه الفترة بالبساطة وغياب الخبرة الحزبية على إدارة وتنظيم نفسها. لكن الأمر اختلف في فترة الاحتلال الفرنسي خصوصاً في أيامه الأخيرة. كما أن الطابع العام لهذه الأحزاب غلبه التوجه الوطني العلماني، حيث يعد خطاب الملك فيصل عند دخوله سوريا المردد “الدين لله والوطن للجميع" المظلة الشرعية لتلك الأحزاب وقانونها الأساسي طوال تلك السنتين.

ماذا عن الفرنسيين ?

بموجب اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت اتجهت فرنسا وبريطانيا تقتسمان البلاد العربية شرق المتوسط، فهاجمت الجيوش الفرنسية لبنان وسوريا، ثم دخلت دمشق في الرابع عشر من تموز سنة 1920 منهيةً بذلك حكم الملك فيصل. وطوال مدة الانتداب الفرنسي والممتدة حتى نيسان 1946 ظهرت في البلاد أحزاب وجمعيات وطنية عديدة يدفعها تنظيم نفسها والتفاف الشباب حولها لرغبتها في الوقوف في وجه الانتداب، وبالمقابل سعت تلك الحكومة للقضاء على الأحزاب الوطنية وتهميش دورها في الحياة السياسية وتأسيس ودعم بعض الأحزاب الموالية لها.

أولى الأحزاب المشكلة في هذ المرحلة كان "جمعية القبضة الحديدية" أو ما كان يعرف باسم الحزب الحديدي والتي شكلها مجموعة من الوطنيين في صيف 1921 وترأسها عبد الرحمن الشهبندر، وقد عملت هذه الجمعية بسرية تامة بسبب الأحكام العرفية التي منعت السوريين من تشكيل أياً من التنظيمات السياسية. اذ لم يستمر هذا الحزب في الحياة طويلاً و سرعان ما غاب عن الساحة.

لكن بعد فترة قليلة قام سعد الله الجابري في حلب بتشكيل جمعية شبيهة بها أطلق عليها اسم جمعية “الكف الأحمر" وكان إلى جانبه في هذه الجمعية عدد من الوطنيين أمثال إبراهيم هنانو وعبد الرحمن الكيالي وفاتح المرعشلي.

لكن هذان الحزبان وأحزاب أخرى صغيرة جداً لم تستمر طويلاً لغياب برامج واضحة لتلك الأحزاب ولقلة التنظيم بين صفوفها، على عكس أحزاب أخرى كانت على غاية من التنظيم والتي لاقت دعم خارجي واخذت تتشكل وتسير بقوة مثل الحزب الشيوعي السوري -اللبناني الذي تأسس عام 1924 من التفاف بعض الشيوعيين السوريين واللبنانيين "فؤاد شمالي، يوسف ابراهيم يزبك" وغيرهم.

إذ تبنى الحزب منذ انطلاقته التعاليم الماركسية اللينينية واعتبر نفسه جزء من الحركة الشيوعية العالمية التي كان يقود مسيرتها الحزب الشيوعي السوفييتي، وقد بني الحزب على أسس التنظيم اللينينية وكانت المركزية الديمقراطية محور هذا البناء ما اعطاه قوة تنظيمية متينة ومتماسكة، وكان يطلق على نفسه حزب الأممية الصحيحة إذ أن مفهوم الأممية لديه مندمج بمفهوم الوطنية.

بقيت السرية مسيطرة على تشكيل الأحزاب في البلاد حتى مجيء المفوض السامي الجنرال ساراي لدمشق[٧] والذي رأى أن الحكمة تقتضي إعطاء الشعب بعض الحرية السياسية لتخفيف الاحتقان الشعبي على حكومة الانتداب، نتيجة لذلك تأسس "حزب الشعب" أوائل العام 1925على اعتباره أول حزب سياسي واضح المعالم ويمارس نشاطه السياسي بشكل علني في عهد الانتداب. وتم الإعلان رسمياً عن هذا الحزب في 25/6/1925 وترأسه عبد الرحمن الشهبندر والذي تمكن من اجراء تنسيق بين حزبه وقوى سلطان باشا الاطرش في جبل العرب. لكن تنامي نشاط هذا الحزب ودوره البارز في مناهضة الانتداب دفع حكومة الانتداب لتشكيل حزب "الوحدة السورية" برئاسة صبحي بركات رئيس الدولة السورية آنذاك للحد من تنامي حزب الشعب، إذ أن غالبية أعضاء الحزب هم من الموظفين الرسميين الموالين لحكومة الانتداب. لكن بسبب عجز الحزب عن القيام بدوره وعدم قدرته عن منافسة حزب الشعب و لعب دور مهم في تخفيف التوتر ضد حكومة الانتداب، اصدرت نتيجة ذلك حكومة الانتداب قرارها رقم 413 في 1/10/1925 بحل الحزب و إلغاء الهيئات والجمعيات السياسية كلها في جميع أنحاء الدولة باستثناء الجمعيات الخيرية.

يعتبر هذا القرار احد الأسباب التي اججت الاحتقان وكانت سبباً من أسباب كثيرة لاشتعال الثورة ضد الفرنسيين (1925-1927).

قدم السوريين خلال الثورة الكثير من التضحيات وقد اثبتت الحركات الوطنية مدى تماسكها، لكن ما إن انتهت الثورة حتى تفاقمت الخلافات الحزبية بين الوطنيين السوريين وعلى الأخص ضمن إطار المؤتمر السوري الفلسطيني والذي يمثل الحركة الوطنية السورية في الخارج. حيث انقسم المؤتمر إلى جناحان، جناح يضم العلمانيين المنادين بالصداقة مع الهاشميين وعلى رأسهم عبد الرحمن الشهبندر وجناح الاستقلاليين والمنادين بصداقة آل سعود وعلى رأسهم شكري القوتلي.

نتيجة لهذه الظروف التفت القوى الوطنية السورية حول نفسها باسم "الكتلة الوطنية" وذاك أواخر العام 1927 والتي ضمت في صفوفها أعداد كبيرة من أعضاء حزب الشعب وحزب الاستقلال العربي بالإضافة إلى معظم الوطنيين الذين اشتركوا في الوحدة والاستقلال ومقاومة الانتداب.

وهذا الحراك الوطني والبطولات التي سطرها السوريين في ثورتهم ضد الانتداب دفعت السلطات الفرنسية في نيسان 1928 للاستجابة لمطالب الشعب، فأجرت على أثره انتخابات عامة شاركت فيها الكتلة الوطنية إلى جانب أحزاب اخرى فاز فيها الوطنيين فوزاً ساحقاً.

و تعتبر تلك الانتخابات وحتى ثلاثينيات القرن الماضي من أكثر الفترات التي شهدت حراك حزبي حتى ذاك الوقت، إذ لمس السوريين وقتها أنه بالإمكان أحداث تغيير وتأسيس حكم ذاتي عبر النضال ضمن تنظيمات حزبية، وتلك القناعة كانت سبباً في ولادة تكتلات وتنظيمات حزبية بقي اسم بعضها ممتداً إلى اليوم على الساحة السياسية السورية لكن المتغيرات الإقليمية والدولية قضى على بعضها واجبر بعضها الأخر على تعديل برامجه لتتوافق مع نظام الدولة العام ومع متطلبات المرحلة. كما استفادت تلك الأحزاب من الأخطاء الحزبية للمرحلة السابقة، الأمر الذي دفع تلك الأحزاب إلى الانضمام إلى تكتلات حزبية أكبر وحدوث اندماجات مع بعضها البعض تقيها الاستضعاف والانحلال كما حصل مع غيرها.

ومن الأحزاب التي ظهرت في هذه الفترة والممتدة من (1928 -1940) واستطعنا رصدها، وهي أحزاب تمتاز بالشخصنة أو احزاب عقائدية ذات توجهات قومية، إذ تعد أحزاب هذه الفترة من أقوى الأحزاب وأكثرها تماسكاً وتنظيماً والتي لازال بعضها يرسم مستقبل سوريا لليوم وأهمها:

- حزب الأمة الملكي الذي تأسس في صيف 1928 وضم كبار الضباط المتقاعدين وينادي بعودة الملكية التي نشأت في عهد الملك فيصل، وقد دخل هذا الحزب بقوة في الانتخابات التي جرت عام 1932 تحت اسم الرابطة الوطنية الملكية.

-وفي نفس الفترة ظهر حزب آخر هو "حزب الاصلاح" الذي أسسه حقي العظم عام 1929 والذي ضم في صفوفه أعضاء متعاونين مع سلطة الانتداب من الطبقة الارستقراطية وكبار الموظفين، لكن سرعان ما انحل هذا الحزب وظهر بديلاً عنه جسم حزبي بديل انشأه حقي العظم في اذار 1932 باسم "حزب الائتلاف" الذي ضم نواب من الجنوب المؤيدين للسلطة الفرنسية.

بعضهم لديه هوية أخرى

 وبينما كانت كل الأحزاب والهيئات السياسية السورية تتشكل على أسس وطنية واضحة جاء انطون سعادة بدعوته إلى القومية السورية التي حملها "الحزب السوري القومي الاجتماعي" من أكثر الأحزاب التي كانت مثار جدل وقتها، إذ يعتبر انطون سعادة مهندس القومية الاجتماعية السورية الذي عرفها وحددها وصاغ تفاصيلها، و أسس حزبه في 16 تشرين ثاني 932 ، بمثابة حزب سياسي إقليمي الانتشار يتخذ من البيئة السورية التي حددها انطون سعادة بالهلال الخصيب مركزاً لبعث نهضة أمة "توهم الواهمون أنها زالت للأبد" ، إذ أعلن أن الوطن العربي مكوناً من أربع أمم تكون فيه القيادة للأمة السورية، ولم يرد سعادة لحزبه أن يكون مختلفاً عن كل التشكيلات السياسية في سوريا في ذاك الوقت وحسب بل أراد منه أن يمثل ديناً جديداً.

ورغم كل ما قدمه الحزب لليوم إلا إنه لازال يعاني من عزلة جماهيرية فرضتها عليه أمور عديدة منها ما يتعلق بخطه العروبي الغامض ومنها ما يتعلق بعقيدته والتي توصف دائماً بأنها عقيدة نازية. إذ إن تأثر سعادة بالحزب القومي الألماني بزعامة هتلر تبدو واضحة جداً من خلال زوبعته بأطرافها الأربعة "حرية-واجب-نظام-قوة" والتي تكاد تتطابق مع الصليب النازي المعقوف، كما أن الفلسفة القومية الاجتماعية السورية مستقاة بطريقة لا تدع مجال للشك من الفلسفة القومية الاجتماعية الألمانية. ويمكن القول إن الحزب لازال حزب نخبة أي حزب معني بطبقة المثقفين الأمر الذي أبعده عن شريحة واسعة من العمال والفلاحين في المجتمع.

لعب الحزب دوراً هاماً في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال واثبت قدرة فائقة على التنظيم والانضباط وسبقاً في التعاطي مع العمل المسلح عن باقي التشكيلات السياسية في سوريا ولبنان، وسنلاحظ هذا التعاطي في الوقوف في صفوف المدافعين عن نظام بشار الأسد ضد الحراك الشعبي الحاصل ضده اليوم. كما أنه يعد عرّاب الانقلابات التي حصلت في البلاد بعد الاستقلال.

هذه النزعة الجديدة والتوجه الجديد دفع في آب 1933 ثلاث شبان من ذوي الاتجاه القومي العروبي وهم "فريد زين الدين من لبنان والسوري نافع شبلي والفلسطيني درويش مقداد" بالاتفاق في قرنايل في لبنان على ضرورة تشكيل تنظيم سري من القوميين العرب يواجه النزعات القومية الضيقة، وقد عرف هذا التنظيم باسم "عصبة العمل القومي" وكانت الواجهة العلنية له باسم "جمعية التحرير العربية" والتي اتخذت من دمشق مركزاً لها واخذت تدعو إلى ضرورة تحرير الأجزاء العربية والسعي لإنشاء تكتل قومي عربي.

وقد تغذت العصبة في سوريا من ثلاثة جذور (تنظيم الشباب الوطني-الحركة الكشفية-المدارس الثانوية الحكومية). لكن لم تستمر العصبة طويلاً لأنها -كما يقول بو علي ياسين في كتابه "الاحزاب والحركات القومية العربية"-قد خلطت ما بين سلطة الحكم وأجهزة الدولة ولرفضها السعي للسلطة ما أفقدها مبرر وجودها كحزب سياسي وجعلها أقرب ما تكون لنادي ثقافي أو جمعية فكرية سياسية.

أيضاً ظهر في نهاية الثلاثينيات مجموعة من الأحزاب بعضها استمر وخذ يرسم ملامح السياسة وشكل السلطة بعد الاستقلال وبعضها الأخر لم يكمل لأسباب بنيوية وذاتية داخل كل حزب.  وأهم تلك الأحزاب:

1-” حزب الشباب العربي الاشتراكي" الذي اسسه عثمان حوراني 1938 والذي آلت قيادته فيما بعد لابنه أكرم الحوراني الذي بقي على حاله حتى اندماجه مع حزب البعث عام 1952.

2-” الحزب الوطني" وهو الوريث الشرعي للكتلة الوطنية، شكله في دمشق ائتلاف من وجهاء الممثلين فيها أبرزهم "شكري القوتلي-سعد الله الجابري-جميل مردم وصبري العسلي وعبد الرحمن الكيالي ولطفي حفار وآخرون.  وهو حزب كبار الملاك ورموز الحركة الوطنية ويعتبر في دستوره ان العرب أمة واحدة، كما يدعو للتقارب مع السعودية على اعتباره ممثلاً للبرجوازية الكبيرة والرجعية التقليدية، وقد شل نشاط هذا الحزب منذ 1949 بعد استيلاء حسني الزعيم على الحكم ونفيه قيادات الحزب خارج البلاد.

وقد انشق عن الحزب الوطني في نهاية الثلاثينيات مجموعة من الشخصيات الوطنية اغلبها من حلب واسسوا "حزب الشعب"، تمتع أعضاء الحزب بالشفافية وحب الجماهير وكان الحزب الجديد من مناصري مشاريع الاتحاد العربي وخاصة مشروع الهلال الخصيب. وتعتبر أولى اهتمامات هذا الحزب معالجة المشاكل السياسية والاجتماعية بأسلوب سياسي بعيداً عن الصراعات العسكرية.  فانبرى يصارع اديب الشيشكلي ما ادى إلى انقسامه عام 1954.

وفي نفس التوقيت كان هناك العديد من الأحزاب التي لم تستمر طويلاً وقضت نحبها بعيد فترة لا تتعدى بضعة سنوات إن لم يكن أقل من تأسيسها وقد تجاوز عددها في هذه الفترة أكثر من 25 حزباً. والجدير بالذكر ان جميع هذه الأحزاب والجمعيات لم تكن تملك ترخيصاً لا من الحكومة المحلية ولا من ممثلي الانتداب، اذ اختفت غالبيتها عن ساحة العمل السياسي لأسباب وعوامل تتعلق بمجمل الاوضاع الداخلية وتطورها، وبعضها يتعلق ببنية وتركيبة الحزب وطروحاته السياسية وبرامجه المختلفة، ونذكر من تلك الأحزاب (حزب الميثاقيين- حزب المجاهدين- حزب لجنة الشباب- حزب الحرس الملكي الجديد - حزب الشباب الوطني - الهيئة الشعبية - الحزب التعاوني الاشتراكي - الحزب القومي العربي - حزب الاتحاد الوطني - الحزب الدستوري الحر ..)

ومع بداية الاربعينيات سمحت الحكومة الفرنسية بقيام حكومة وطنية ائتلافية بعد أن عطل المفوض السامي الفرنسي العمل بالدستور وحل المجلس النيابي وعاد للحكم العسكري الفرنسي المباشر في الفترة الممتدة من 8 تموز 1939 الى ايلول 1941 وضمت تلك الحكومة صفوف الكتلة الوطنية برئاسة شكري القوتلي وحزب الشعب.

أولى الجماعات السياسية وأشهرها على الاطلاق و المشكلة في ذاك العقد كانت "حركة الاحياء العربي" و "حركة الاخوان المسلمين في سوريا" وهما طرفي النقيض، فالأولى  أسسها ميشيل عفلق عام 1941، وتعتبر هذه الحركة النواة الاساسية الأولى لحزب البعث، حيث اصدرت هذه الحركة بيانها الأول في شباط من نفس العام وما لبثت إن وضعت مبادئها القومية موضع التنفيذ عندما أعلنت تأييدها لثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 941 ، وعلى أثره تم انشاء حركة نصرة العراق، وبمساعدة صلاح الدين البيطار تم تأسيس حركة البعث العربي عام 1943.

ما حركة الإخوان المسلمين تم تأسيسها في العام 1945 على هيئة جمعية دينية شكلها الدكتور مصطفى السباعي، وقد حققت الحركة نجاحاً شعبياً وأخذت تمارس دورها كمنظمة سياسية تحت اسم "الكتلة الإسلامية الاشتراكية"، وفي عام 1954 وقفت ضد الضباط الأحرار في مصر وناصرت المرشد العام للإخوان في مصر حسن الهضيبي، إلا أنها بعد تحقيق مصر إنجازات سياسية أيدوا عبد الناصر. وقد لعب مراقبها العام مصطفى السباعي دوراً أساسياً في تميز موقف الإخوان تجاه عبد الناصر عن بقية الإخوان في الوطن العربي لأنه كان أكثر وعياً بالمسألة القومية وكان يركز على الدور العربي ويؤيد الوحدة العربية.

 وفي نهاية الاربعينيات لم يكن في سوريا قوة سياسية حائزة على تأييد جماهيري واسع، فتمكن شكري القوتلي وسعد الله الجابري من جمع أحزاب إقليمية الى جانب الكتلة الوطنية وتشكيل معارضة وطنية أخذت تستقطب تأييداً شعبياً حتى انتخب القوتلي رئيساً للجمهورية وتكليف سعد الله الجابري بتشكيل الحكومة ...

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكوربوراتية : نسبة الى Corporatism أي انتشار الاتحادات والنقابات والجمعيات في المجتمع واضطلاعها بدور رئيس يفوق دور الاحزاب أو المؤسسات السياسية الأخرى .

_________________________________________________________________________

  1. هاشم عثمان -الأحزاب السياسية في سوريا السرية والعلنية -الطبعة الأولى-2000 -دار نجيب الريس -بيروت.
  2.  بو علي ياسين -الأحزاب والحركات القومية العربية -المركز العربي للدراسات الاستراتيجية -دمشق -تنسيق وتحرير (جمال باروت وفيصل دراجي) -الجزء الأول.
  3.  د. علي سلطان -تاريخ سوريا 1908 -1918 (نهاية الحكم التركي) -دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر -دمشق -الطبعة الأولى 1987.
  4. رياض الصمد -العلاقات الدولية في القرن العشرين -المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع -بيروت -الطبعة الثانية 1986
  5.   محمد حرب فرزات -الحياة الحزبية في سوريا -منشورات دار الرواد -دمشق 1956
  6. إلياس مرقص -تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي -دار الطليعة -بيروت 1964
  7.    لبيب زويا -الحزب القومي الاجتماعي -تحليل وتقييم -ترجمة ومناقشة جوزيف شويري -دار ابن خلدون -بيروت 1973
  8.  أنطون سعادة -في الحزبية الدينية (مختارات) -دار فكر للأبحاث والنشر -طبعة أولى -بيروت 1993
  9.  صحيفة البناء -دمشق -العدد 393 -الاثنين 12 ايار 2008
  10.  مجلة أسود وأبيض -العدد 129 -دمشق 2005 -ص 12
  11.  عبد الوهاب الكيالي وعدد من المؤلفين -موسوعة السياسة الجزء الثاني -لمؤسسة العربية للدراسات والنشر -بيروت -الطبعة الاولى 1981

تعليقات