مسار الحزبية السورية خلال قرن- سنوات اسقاط الوعي الاحتلالي 1946 - 1949

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/5/2016
السورية نت
المؤلف: 

تعود عملياً الولادة النشطة والفعلية للأحزاب السياسية السورية إلى نشوء الدولة السورية ككيان مستقل بذاته عن السلطة العثمانية، وتطورت مع وقوع هذا الكيان بعدها تحت سلطة الانتداب الفرنسي.

فبسبب ظروف خاصة قبل الحرب العالمية الثانية تمكنت القوى الوطنية في البلاد على التخلص من الاحتلال الاجنبي قبل غيرها من دول المشرق العربي، وقد لعبت الحركة الوطنية فيها بليغ الأثر في استقلالها. فمع انتهاء الحرب وجلاء القوات الأجنبية عن الأراضي السورية في ربيع 1946 دخلت سوريا مرحلة جديدة على المسرح السياسي قوامها اسقاط الوعي الاحتلالي وتشكيل الدولة بوعي وطني متمثل بالقوى الوطنية. حيث كان معظم مثقفي سوريا وسياسييها تلك الاثناء - كما يقول د.رضوان زيادة - "يتوزع بين أحزاب أيديولوجية متنافسة كحزب البعث والحزب الشيوعي والإخوان المسلمين والحزب السوري القومي الاجتماعي‏".

بالإضافة إلي الأحزاب التي تفرعت عن الكتلة الوطنية، والتي أعتبرت في هذه الفترة الكتلة الحزبية الأبرز على الساحة السياسية بعد الاستقلال، إذ إﻧﻘﺴﻤﺖ - وهي الكتلة ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ في البلاد -  ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺘﻴﻦ ﺳﻴﺎﺳﻴﺘﻴﻦ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﻭﻟﻴﺒﺮﺍﻟﻴﺔ ﺗﻮﺣﺪﺗﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﻋﺎﻡ 1947 .

ففي هذه الفترة أخذت الفئات الحزبية الناشئة ذات التوجه الأيديولوجي في الصعود في مقابل تراجع نسبي واضح للأحزاب الليبرالية. فسوريا اليوم والتي هي دولة تامة ومستقلة ظهر جلياً للجميع أن مستقبلها مرهون بزعمائها السياسيين وهم الرجال الذين قادوا النضال لأجل حرية البلاد واستقلالها. لكنهم شكلوا فريقاً لا تجربة له في تسيير أمور الحكم والدولة لذا واجهت السنوات الاولى من الاستقلال بقيادتهم العديد من المشاكل الإدارية الحادة  .

 حيث تميزت سنتا 1946 و 1947 - كما يقول "جوردون هـ. توري في كتابه "السياسة السورية والعسكريون (1945-1958) - بإخلال وفساد كبيرين في العمليات الحكومية في شكليها النيابي والإداري ما جعلها عرضة للصراعات العربية الإقليمية والدولية.

هذا الأمر انعكس بوضوح على الانتخابات التشريعية التي جرت في تموز 1947 والتي هي أول انتخابات في ظل الاستقلال، وقد احتفظ فيها الحزب الوطني الحاكم بـ 40 مقعداً في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً وهم عبارة عن ائتلاف غير متماسك بمنهاج حزبي غامض، إذ دعا برنامجهم إلى ضرورة احترام الدستور والمساواة والعدالة الاجتماعية واستقلال الأقطار العربية جميعها وانقاذ سوريا من الاستعمار الاقتصادي.  كما نجح أكرم الحوراني في تلك الانتخابات عن حزب الشباب ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي كذلك فاز الاخوان المسلمون بمقعد واحد ولم ينجح ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وجميل مردم عن الكتلة الجمهورية وأكثر من 50 من المستقلين بأي مقعد.

لكن في إيلول من نفس العام جرى تعديل على الدستور نص على إعادة شكري القوتلي رئيساً للجمهورية لمدة أربع سنوات أخرى والذي بدوره كلف جميل مردم بتشكيل الحكومة، هذا التعديل لاقى معارضة كبيرة في الداخل وعلى أثره دخل حزب البعث في صفوف المعارضة لأنه عدّ إعادة الترشح تجديداً للحكم الديكتاتوري.

و بسبب أحداث أيار في فلسطين سنة 1948، وانتشار الفوضى السياسية وشيوع عدم الاستقرار وعدم قدرة القوى التقليدية في إبرام عقد وطني يجمع كافة الأحزاب والكتل البرلمانية، أدركت القوى الوطنية عجز وافلاس القوى التقليدية عن إدارة البلاد والتي من خلالها أيقن السوريين عدم مقدرة هذه القوى  الدفاع عن مصالح الشعب العربي الفلسطيني، ما دفع باتجاه استقالة حكومة جميل مردم وتشكيل حكومة جديدة بعد يومين برئاسته ثم استقالت للمرة الثاني في نفس العام وتم تكليف هاشم الاتاسي بتشكيل الوزارة الجديدة. و بسبب تلك الأزمة طرأت عدة ﺗﺤﻮﻻﺕ مهمة على الحركة الحزبية السورية، فقد ساهمت في نمو واضح لليسار كمنافس للأحزاب اليمينية المحافظة، ومنها برز تقارب أيديولوجي واضح أدى إلى ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺗﻨﻈﻴﻤﻲ ﺑﻴﻦ حزب البعث العربي ﻭﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻛﻲ بزعامة أكرم الحوراني والذي ﺃﺳﻬﻢ ﻓﻲ إعطاء قوة لليسار في المشاركة في الحياة السياسية ومنه للاندماج لاحقاً . كما أصبح الشيوعيين وكذلك الاخوان المسلمون أكثر تنظيماً في المجتمع السوري في هذه الفترة عما سبقها.

 تلك الأمور لم تحل لوضع حد لاستمرار السخط الشعبي على الإدارة الحاكمة في البلاد . الأمر الذي طبع الحياة السياسية التي عاشتها سورية في هذه المرحلة بعدم الانتظام وبالاضطراب السياسي وشيوع الفوضى والتظاهرات، ما فتح الباب على مصراعيه للتدخل العسكري المباشر .

تعليقات