مسرحية المقترعين السوريين

صورة حسن عباس

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28 /05/ 2014
المدن
المؤلف: 

على زجاجي سيارته الأمامي والخلفي علّق شاب صورتين للرئيس السوري بشار الأسد، ومن نافذتها الأمامية أخرج علم حزب الله. كان يسير في أحد شوارع الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت بسيارته التي تحمل لوحة يظهر عليها اسم دمشق. مشهد يقع بين مشهدين متناقضين يلخّصان اقتراع السوريين في لبنان.
 
المشهد العام عكس التحضيرات الجديّة التي قام بها حلفاء النظام السوري في لبنان. تم تركيب المشهدية التي تسمح بالتقاط الصور لـ"عرس الديموقراطية السورية". الهدف الأساسي لم يكن تجميع الأصوات لإنجاح المرشح بشار الأسد. الهدف الأساسي كان الصورة. النظام السوري وحلفاؤه قرروا التقاط صورة ووضعوا بعض اللاجئين السوريين في الإطار المرسوم. لذلك لم يكن مستغرباً البتة أن يعمد التلفزيون السوري إلى الانتقال مرّات عدّة إلى لبنان لبث المشهد ـ الصورة.
 
الأربعاء، استيقظ اللبنانيون على مشهد زحمة سير خانقة سببها توافد الكثير من اللاجئين السوريين إلى سفارة بلادهم في اليرزة، شرق العاصمة بيروت. البعض تحدث عن "عشرات الآلاف" ولكن الأرقام الصادرة عن وزارة الخارجية السورية تؤكد أن 40 ألف لاجئ سوري هم من سجلوا أسمائهم في السفارة للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات السورية. هم إذاً آلاف السوريين مَن سبّب زحمة السير على طريق يسلكها يومياً في الصباح آلاف اللبنانيين الذاهبين إلى أعمالهم أو إلى مدارسهم.
 
أربعون ألف سوريّ من أصل مليون ونصف المليون لاجئ بحسب التقديرات الرسمية أو من أصل مليون ومئة ألف لاجئ بحسب الأرقام الصادرة عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. هذه المشاركة الهزيلة صنعت صورة طبعت الجوّ اللبناني في هذا النهار. بين 2،6% و3،6% من اللاجئين السوريين (هذا على افتراض أن كل الذين سجلوا أسمائهم في السفارة توجهوا إليها) سمحوا للسفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي بالإطلالة عبر شاشة الـ"أل. بي. سي" والتبجّح بدعوته السوريين إلى "عدم التوجه إلى السفارة بأعداد كثيفة". نجحت المسرحية.
 
على طريق الحدث التي توصل إلى غاليري سمعان حيث تلتقي مجاميع السوريين المتوجهين إلى سفارة بلادهم، كان يسير موكب مؤلف من حافلات وميني باصات و"بيك آبات" تنقل وفداً انتخابياً سورياً يرفع صور بشار الأسد والأعلام السورية. فور وصوله إلى أول طريق الحازمية التقى بوفود أخرى كان يحمل بعض المشاركين فيها طبولاً تدقّ على إيقاع طبول الحرب الدائرة في سوريا منذ أكثر من ثلاثة سنوات.
 
آلاف السوريين انتشروا في الشوارع والطرقات المؤدية إلى اليرزة منذ الصباح حاملين عدّة "احتفاليتهم" من أعلام وصور لرئيسهم. مئات منهم كانوا يسيرون على أقدامهم وإلى جانبهم آلاف يستقلون الحافلات والسيارات للمشاركة في انتخابات الخارج. لم يخل المشهد من صدامات خفيفة مع القوى الأمنية اللبنانية المولجة حمايتهم بسبب عدم التزامهم بتعليماتها.
 
في السابعة صباحاً فتحت السفارة السورية أبوابها للمقترعين. ولكن، "نظراً للاقبال الكثيف على الاقتراع"، بحسب تعبير السفير السوري، تقرر تمديد الاقتراع حتى الساعة العاشرة مساءً وتخصيص يوم غد الخميس لمن لم يستطيعوا الإدلاء بأصواتهم. "هذا ما يفرضه حجم الاقبال"، قال علي. في تصريحاته، ضخّم السفير السوري مما يحصل. مشاركة ضئيلة للاجئين السوريين في الانتخابات سمحت له، في تصريح أدلى به إلى "الوكالة الوطنية للإعلام"، باعتبار أن "السوريين في الداخل والخارج، إحساسهم بالسيادة كبير وهذه الحماسة على الانتخاب تعبير عن رفض كل صيغ المؤامرة التي حيكت ضدهم، وتعبير عن الشعور بالأمان والقوة والسيادة لبلدهم، فسوريا هي الناخبة والمنتخبة". "هذا ردّ على كل الذين راهنوا على إسقاط سوريا، وتعبير على أن الشعب السوري متمسك بأرضه ووطنه وسيادته"، قال في حديث إلى التلفزيون السوري.
 
هذه الصورة التي نجح النظام السوري وحلفاؤه اللبنانيون في صناعتها لم تأت من فراغ، فهي نتيجة لمشاهد جزئية متعدّدة غابت عن الإطار الذي التقطته الكاميرات. لا شك في أن الأسد يحظى بشعبية حقيقية في بعض أوساط اللاجئين ولكن هذه الشعبية لا تفسّر لوحدها ما حصل في اليرزة.
 
في الصباح الباكر، كان حارس إحدى البنايات السكنية في عين الرمّانة يتناقش مع أخيه. أخبره بأنه غير قادر على الذهاب إلى السفارة لأنه لا يستطيع الابتعاد عن البناية لوقت طويل فردّ عليه أخوه: "سوف يطبعون على قسيمة العودة (بطاقة يعطيها الأمن السوري للمواطن الخارج من البلاد) أننا شاركنا في الانتخابات ومن دون ذلك لن نستطيع الدخول إلى سوريا". هذا جزء من شائعات كثيرة عمل البعض على بثها في أوساط اللاجئين السوريين.
 
وفي الصباح الباكر كان المشهد صادماً في موقف حيّ السلّم، أحد الأحياء الشعبية في ضواحي بيروت الجنوبية. هناك، رُفع علم سوري كبير إلى جانب مكبّرات صوت تصدح منها أغاني تشيد بالرئيس بشار الأسد. في تلك الزاوية من مساحة الموقف تجمّع حوالى ثلاثمئة سوري، من نساء ورجال وحتى أطفال صغار لا يحق لهم الاقتراع، تمهيداً لنقلهم بحافلات كبيرة إلى اليرزة. كانوا يسجلون أسماءهم لدى منظمي الحدث ثم يستقلون الحافلات. بينهم انتشر الشباب المنظمون وكانوا يرتدون قمصاناً عليها "زوبعة" الحزب السوري القومي الاجتماعي أو علم حزب الله.
 
تم التقاط الصورة الانتخابية الأولى. الآن يجري التحضير لالتقاط صورة ثانية، في الثالث من حزيران.