مسرح الدمى والدم

صورة ابتسام تريسي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22 - 10 - 2018
العربي الجديد

أثار الباحث الفرنسي، بيار كونيسا، في كتابه "صناعة العدو، أو كيف تقتل بضمير مرتاح"، تساؤلات عديدة بشأن ضرورة وجود العدو، وأنواعه، وآليات صنعه، وأحصى ما ترتب عليه من مجازر في العالم.

أنّى اتّجهت تجد عدواً، سواء كان داخلياً كما في الحروب الأهلية، أو خارجياً. فهل نحن بحاجةٍ لصناعة العدو؟ ليست الإجابة صعبة بالنسبة للذين يديرون اقتصاد العالم وأزماته، وينهبون ثرواته ويستفيدون من المناطق الساخنة المليئة بالصراعات باستمرار، فهم الذين يخلقون تلك الصراعات لتحقيق أمانهم، أمّا أمان الشعوب الأخرى واستقرارها فهو غير مرغوب فيه عند الأميركان تحديداً، خصوصاً بعد أن فقدت أميركا عدوها الرئيس العلني، حين قرّر آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي، ميخائيل غورباتشوف، تفكيك الاتحاد السوفييتي، وقد صرّح يومها ألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي للرئيس، موجهاً خطابه للأميركان: "سنسدي إليكم أسوأ أنواع الخدمات، سنحرمكم من العدو". فكان على الإدارة الأميركية أن تجد عدواً تحاربه؛ لأنّها لا تستطيع البقاء من دون عدو، خاصة بعد أحداث "11 سبتمبر"، حيث قرّر بوش معاقبة العراق ودول أخرى لا علاقة لها بالتفجيرات، ولكن لا بدّ من وجودها.

لم يكتفِ بشّار الأسد بأن يكون الشعب السوري عدوه؛ لأنّ الشعب الأعزل المسالم لن يعطي لحربه مصداقية، ولن يجعلها مشروعة، فأطلق سراح المجرمين العاديين والإرهابيين من السجون، كما فعل رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، حين أطلق سراح مجرمين آخرين من سجن أبو غريب الذين كانوا النواة لتشكيل تنظيم الدولة الإسلامية في سورية، ومن ثمّ "داعش"، وهذا ليس اختراعاً أسدياً، وحتّى أبو محمد الجولاني دمية بشّار، ليس من ابتكاره الخاص، فقد سبقه الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، بصناعة دميته التي تحوّلت، بمشيئة إدارته، إلى أقوى عدو يمكنه أن يزحزح العرش الأميركي، ويهدمه على رؤوس الأميركان في لحظة، ابن لادن العدو الفرد القادر على كلّ شيء كما في السينما الأميركية.

لم يكن ابن لادن بتلك القوة التي صوّرها الإعلام الأميركي، ولم يكن يملك أكثر من ألعاب نارية توجهها الإدارة الأميركية عن بعد بحسب مصالحها الخاصة، بل بحسب مصلحة الرئيس بوش الذي كلّما انخفضت شعبيته في الدّاخل الأميركي، وأراد أن يتخذ قراراً بشأنٍ ما، يضغط الزر لتتحرّك الدمية، وتنشر تسجيلاً صوتياً فيه تهديد ما في بقعة ما من الأرض، ليوافق الشّعب الأميركي على القرار ويبصم بالعشرة. وهكذا كان لابن لادن دورٌ في أفغانستان يساوي دور جيش بأكمله، كما كانت أدواره في باقي القضايا التي اخترعتها إدارة بوش الابن.

لا يمكن اعتبار اختراع الأسد "داعش" أمراً خاصاً به سوى تقليد للماركة الأميركية بشكلٍ دقيق لا يختلف كثيراً عن الأصل. وكان واضحاً، منذ البداية، الارتباط الوثيق بين معظم الفصائل الإسلامية المسلحة ونظام بشّار الأسد، ليس لأن النظام المستفيد الوحيد من المعارك الخلبية التي افتعلها "داعش" ليسيطر على المدن المحرّرة، ويُعمل فيها السيف والاعتقال والتكفير، بحجة تعليم الناس أصول دينهم! إنّما لوضوح القرائن والأدلة على دور الأميركان في تسهيل العمليات العسكرية لداعش ودعمه، ومن ثمّ محاربته بحجة القضاء على الإرهاب. وما زالت أميركا تعلن أنّها لن تغادر سورية، حتّى تقضي على "داعش"، وتخرج إيران من مناطق سيطرتها! الغريب أنّ المصلحة أعادت إحياء "داعش"، بعد أن أعلن عن القضاء عليه. فجأة، وبحافلات مكيّفة، صار "داعش" على حدود السويداء، وارتكب مجازر في عدّة قرى، وخطفت نساء ورجالاً! وهذا ما يؤكد مقولة نيتشه: "من يحيا على محاربة عدوه من مصلحته أن يدعه يعيش". ولكنّ النظام السوري وروسيا طوّرا المقولة إنهما أعادا الحياة لجسد العدو الميت من أجل محاربته من جديد. وهذا ابتكار خاص لم يقم به بوش الابن حين صنع عدوه، فقد تركه يختفي فترات تطول أو تقصر، ويدعه يظهر، كلما دعت الحاجة إليه، فكان سيناريو ابن لادن الذي كتبه بوش، وجسّدته مجموعة إرهابية تابعة لأسامة بن لادن، وأُنتج وموِّل بمال عربي النسخة الأصلية لمسلسل "داعش" الذي لم ينتهِ بثه بعد!

وكلّما مال الحال بالأمة يتنبأ بعضهم باقتراب الساعة وظهور الأعور الدّجال. وكلّما مالت كفة الدعم بسبب المجازر والتوغل في القتل في أقبية المعتقلات لدى النظام السوري، يتنبأ المحللون السياسيون باقتراب الساعة، والساعة هي الهولوكوست الذي وعدت به إدلب آخر معاقل مدن الشّمال المحرّر. ولكي يحصل ذلك، لا بدّ لروسيا من التلويح بوجود الإرهاب في إدلب، متمثلاً بجبهة النصرة، وكان على الأعور أن يظهر، فظهر الجولاني ليقول:"هيئة تحرير الشام وحدها الباقية للدفاع عن أهل السنّة". وهذا القول كافٍ لتقديم المبرّر لروسيا والنظام السوري باقتحام إدلب برياً، بعد تهيئتها من الجوّ بالقصف الروسي، السلاح القادر على إفناء البشر والحجر والشجر في أيام قليلة، إنّه السيناريو الذي رسم لدرعا من قبل، وقبلها حلب، وقبلها حمص وكلّ المدن الثائرة.

مع ذلك، ما زال السيناريو الحقيقي غامضاً، وما يزال أهل إدلب تحت سيطرة تكهناتٍ وتحليلاتٍ من يدّعون العلم بخفايا الصراعات الدولية حول الكعكة، تاركين لبشّار الأسد دميته ليلهو بها في الوقت الضائع.

تعليقات