مسلسل فيينا والقضايا المغيبة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/11/2015
السورية نت
المؤلف: 

بعد أن احتلت روسيا موقعاً جديداً على الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، من خلال هجومها العسكري على الأرض السورية في شهر تشرين الأول الماضي، وأخذت استحكاماتها على الأرض وفي البحر والجو. قامت السياسة الروسية بالهجوم المعاكس على الساحتين الإقليمية والدولية. وقدمت أفكاراً لمسلسل من الاجتماعات والمؤتمرات تحت اسم " فيينا ". بدأت ثنائية فرباعية، وتصاعد العدد حتى شمل أكثر من عشرين دولة ومنظمة إقليمية وأممية، كما حصل في الحلقة الثالثة من فيينا التي عقدت 13 – 14 تشرين الثاني الجاري. وبدءاً من الاجتماع الثاني 30 تشرين الأول، استدعت فيينا عدداً من المشاركين كدول ومنظمات، يتساءل كثيرون عن أهمية هذا الحضور ومشروعيته وضرورته. وكذلك عن نوع المساهمة التي تنتجها هذه المشاركة، خاصة وأن بعضاً من هذه الدول (إيران مثلاً) لم يعترف بالعملية السياسية، إنما يعتمد الحل العسكري، ويشارك فيه عبر قوات مسلحة على الأرض. وتشكلت بفعل ذلك المؤتمر " المجموعة الدولية لدعم سورية " لبحث كيفية الوصول إلى حل سياسي للصراع.

في البيان الصادر عن الاجتماع في 14 / 11 / 2015 تكرر ذكر بيان جنيف1 لعام 2012 ست مرات في محاولة للتأكيد على أهمية البيان المذكور كمرجعية أساس للعملية السياسية، التي تسعى لإيجاد حل سياسي في سورية. غير أن ذلك لم يستطع أن يخف حقيقة الخروج عن قاعدة جنيف وخطتها الرئيسة بشكل كامل. إذ بدا واضحاً أن هذا التأكيد المتكرر، أتى للتغطية على حجم الانحراف الذي حصل في فيينا، بعيداً عن الأساس الذي بنيت عليه العملية السياسية. وهو يشي برغبة دفينة لا يمكن إخفاؤها في العقل السياسي الروسي لدفن جنيف1 وبيانه وخطته وتفاصيله، وإخراجه من دائرة الفعل والاعتبار ليصبح شيئاً من الماضي. وكذلك ما بني عليه من مؤتمر جنيف2 وقرار مجلس الأمن 2118 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 262 لعام 2013. وللأسف نجحت السياسة الروسية في وضع رؤيتها وإرادتها على طاولة المؤتمر، وجعلتها الأساس في بناء مخرجاته. مستفيدة من امتداد إرهاب داعش وجرائمه البشعة، التي طالت مواقع عديدة في المنطقة والعالم. كان أخطرها وأشدها تأثيراً تفجيرات باريس عشية انعقاد المؤتمر. 

وفي مسعى مواز لتغييب جنيف وإرثها الإيجابي في مؤتمريها الأول والثاني، بدأ الحديث عن بيان فيينا Vienna Communique كشريك في المرجعية السياسية للحل، ثم تدريجياً تتم عملية إهمال جنيف، لتبقى فيينا في مقدمة الصورة ورهن التداول على طاولة المناقشات. والهدف من وراء ذلك طي المفهوم الأساس للحل واستبداله بآخر.  هذا المفهوم الذي حاز على قبول السوريين، ليكون المنطلق لبداية مرحلة انتقالية، تفضي إلى الحل المنشود، وهو " هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية “، وبني على أساسه مؤتمر جنيف 2. وعوضاً عن ذلك، تقدم فيينا صيغة بديلة وملتبسة، إذ تتحدث عن "حكم موثوق شامل وغير طائفي" governance دون الإشارة إلى مفهوم واضح له، أو أي ألية عملية لتحقيق ذلك. مما يمكن أن يحيل -بمراوغة غامضة -إلى " الحكومة الموسعة " أو " حكومة الوحدة الوطنية " التي اعتمدها الروس والإيرانيون، ويعملون على تسويقها. وفي أحسن الأحوال إلى تركيبة ملفقة تكون تسوية شكلية على الطاولات، وتصبح مشكلة حقيقية على الأرض، لا تصمد أمام أول امتحان. وبالتالي يبقى النظام في بنيته الأساس الأمنية والعسكرية والفئوية، مع إجراء " إصلاحات سياسية " و " تغييرات دستورية " استنسابية وغير محددة. وتبقى رهناً بإرادة النظام وضمن رغبته وفي إطار مفاهيمه.

القضية الثانية التي جرى تغييبها هي مصير بشار الأسد. فرغم الخلاف الظاهر في التصريحات بين الولايات المتحدة وروسيا بهذا الشأن، وشدة الوضوح والحسم فيما أكده مراراً -ويعيد تأكيده -عادل الجبير وزير الخارجية السعودية بشأن رأس النظام السوري، فقد خلا اجتماع فيينا ومخرجاته من أي إشارة للموضوع. مما يشي بالرغبة في تجاوزه، رغم أن جميع مؤسسات الثورة ومنظماتها العسكرية والثورية والسياسية، وكذلك الروابط والتجمعات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني ، التي وقعت على بيانات مشتركة ، كانت أكثر إصراراً على هذه القضية والتمسك بأولويتها ومحوريتها في أي حل .

إن مصير بشار الأسد وموقعه في إطار أي حل سياسي ليس شيئاً ثانوياً أو طرفياً يمكن تجاهله أو تجاوزه، لأنه من أساسيات هذا الحل. فإضافة إلى ما يمثله من رمزية للنظام المتوحش وارتكاباته، ومسؤوليته الأولى والأخيرة عن التدمير المنهجي الذي طال البلاد والعباد، فإن التفكير بمرحلة جديدة لإخراج البلاد مما هي فيه، يقتضي بالضرورة إزاحة الذين ارتبطت بأسمائهم وأفعالهم مرحلة التدمير الشامل لسورية. إذا أراد الفاعلون للحل السياسي أن يكون حقيقياً ومقبولاً، ويكتب له النجاح. إن الحل السياسي المنشود يجب أن يحمل رسالة واضحة للسوريين بأن عصراً جديداً قد افتتح، يقطع مع الماضي، ويفتح الباب لولادة سورية جديدة. ورحيل بشار الأسد عنوان هذه الرسالة.

وغني عن القول، إن وضع قضية " تصنيف المنظمات الإرهابية " و " الوفد الذي يمثل المعارضة " بأيد غير سورية (مع الاحترام للجميع دولاً وأفراداً وأصدقاء) أمر خارج عن حدود المقبول. وفيه تعد واضح على مهمة هي من الشأن السوري. وليس لأحد أن يكون بديلاً عن السوريين في تقريرها.

باختصار، كان الشعب السوري المغيب الأكبر في فيينا وما نتج عنها.

وهكذا. . بعد أن رمى اجتماع فيينا منجزات جنيف السياسية إلى الخلف. وجعل بشار الأسد وزمرته الحاكمة محوراً أساسياً للحل السياسي وممراً له. وفوض المبعوث الدولي السيد ستيفان ديمستورا باختيار وفد المعارضة للمفاوضات. وكلف الأردن بإجراء التصنيفات اللازمة للمنظمات الإرهابية في سورية. وحدد جدولاً زمنياً ومواعيد مفترضة للعمليات المقترحة. فما الذي تركه للسوريين غير الانصياع لإرادة الآخرين والتجاوب مع مصالحهم وتنفيذ القرارات التي يتخذونها ؟

بعد ذلك وفوقه، لم يتعب السيد سيرجي لافروف من تكرار تصريحه ليلاً نهاراً " إن مستقبل سورية يحدده السوريون " . شكراً سيادة الوزير على هذه اللفتة الكريمة. هل بقي شيء لم يحدد بعد بغياب السوريين؟!  

تعليقات