مشروع روسيا و«الخرائط القاتلة»!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/3/2016
الحياة
المؤلف: 

تلامس الجغرافيا السياسية التي ترغب موسكو في إرسائها في سورية بقوة الضربات الجوية، وتراً حسّاساً لدى الأكراد والعلويين من موقعين مختلفين. فإذْ نشاهد صعوداً وانتعاشاً للهوية الكردية وأحلام الاستقلال وبناء كيانية على جغرافيا أغنى في الموارد والسكان والأرض، نرى أنّ مقترح أو مخطط موسكو لفيديرالية سورية يُقدَّمُ إلى العلويين كطوقِ نجاةٍ بعدما استنزفتْ حربُ السنوات الست في سورية أبناءَ الطائفة العلوية، وأفنتْ طيفاً واسعاً من شبانها.

ولا أدري ما إذا كانت ثمة مبالغة في القول أن العلويين سينظرون، ربما، إلى مقترح الفيديرالية بوصفها «غيتو» يحميهم ويمنع تقلّصهم واستنزافهم وخسارتهم، فيما سيستقبلها الأكراد بوصفها نتاجاً لصلابتهم وقوتهم المتصاعدة، ومحضهم من جانب الأميركيين والروس على حدّ سواء الدعمَ والإسنادَ والاعتراف بهم كشركاء أساسيين، والاستثمار فيهم إلى درجة عدم الاكتراث الأميركي بانزعاج أنقرة من تنامي هذا الاستثمار، وتقصّد موسكو إزعاجها عبر هذه الشراكة التي أجهضتْ المنطقة الآمنة شمال سورية، وجعلت الصراع التركي - الكردي اليوم ينتقل إلى مرحلة جديدة ستتضح معالمها أكثر فأكثر إنْ قُيّض لمشروع الفيديرالية الجديد أن يرى النور، وهو احتمال وارد في ظل صمت أميركي ملتبس يُسهّلُ على بعضهم الاستنتاج المجانيّ والحديث عن «تفاهم أميركي - روسي» على إعادة رسم الخرائط وتعديل أوزان المكونات وإبعاد السنّة إلى جغرافيا أقل استراتيجية ونفوذاً وتأثيراً.

هي إذاً وصفة للتدمير الذاتي، وإذا صحّ هذا الاتهام فإن تاريخ المنطقة يُذكّر بأنّ مشاريع الوحدة العربية القسرية التي تمّت قبل عقود عنوةً ومن دون ظروف كافية للنجاح أورثت أهل المنطقة مزيداً من المآسي والخيبات والتخلّف والضياع والعنف والتمزق، فكيف بمشاريع إعادة تقطيع سايكس - بيكو بالدم وغارات السوخوي والتشريد والقهر والصمت الأميركي على إعادة هندسة الديموغرافيا والاجتماع والخرائط بطريقة تؤبّدُ «الهويات القاتلة»، وفق تعبير أمين معلوف، وتُبقي براميل البارود مشتعلة في سورية وجوارها (...) إلى سنوات مديدة!

بالطبع، النواح لا يفيد، ومن المهم، على الأقل، بلورة رؤية خليجية لقيادة جهد ديبلوماسي وبناء خطوات وشراكات على الأرض تستهدف إقناع القوى الدولية بأن الاستعجال بفرض الحلول المشوّهة في سورية سيضرّ بالأمن الإقليمي والدولي ويُحفّز نوازع العنف والكراهية والإرهاب، ويستنزف موارد الجميع في سعيهم لمحاصرة ألسنة النيران ووقف الكارثة.

تعليقات