مصاعب تحاصر نظام الأسد.. لماذا يجد صعوبة في جني المكاسب رغم تفوقه عسكرياً؟

رأس النظام في سوريا بشار الأسد - سانا
الجمعة 15 مارس / آذار 2019

على الرغم من استعادة نظام بشار الأسد بمساعدة حلفائه، على استعادة ما لا يقل عن 60 % من الأراضي التي خسرها طيلة السنوات الـ 8 الماضية، إلا أن الأسد ما يزال غير قادر على جني المكاسب من تفوقه العسكري.

وكان الأسد قد قال لمناصرين له في كلمة ألقاها الشهر الماضي: "علينا أولاً ألا نعتقد خطأ كما حصل خلال العام الماضي أن الحرب انتهت. وأقول هذا الكلام ليس للمواطن فقط، أيضا للمسؤول، نحن نحب بطبعنا أحيانا العنتريات. وكأن الحرب أصبحت من الماضي. ولدينا الرومانسية أحيانا أننا انتصرنا".

"كلا الحرب لم تنته"

ومضى قائلا إن قواته ما زالت "تخوض حروباً" يتعين الخروج منها، قبل الانتقال للنقطة الرئيسية التالية، ألا وهي "الحصار الذي تفرضه دول أجنبية"، بحسب تعبيره.

وقال في قاعة مؤتمرات مزدحمة بالحضور في العاصمة دمشق: "معركة الحصار هي معركة قائمة بحد ذاتها. هي معركة كر وفر تشبه المعارك العسكرية. خلال هذه الحرب كنا نربح معارك ونخسر معارك. الحصار بشكل عام يشتد لو قارناه بالسنوات الماضية".

وتعكس التصريحات شتاءً غير مريح لنظام الأسد، هو الثامن منذ اندلاع الاحتجاجات ضده في 15 مارس آذار 2011. ومر عام أو نحو ذلك منذ آخر مرة سقطت فيها قذيفة مورتر على دمشق، لكن السوريين في المناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد، يشكون من نقص حاد في الوقود، بينما يلقي النظام باللائمة فيه على "عقوبات الغرب".

وتشير الجموع المصطفة للحصول على أسطوانات الغاز المدعومة من الحكومة، إلى صعوبات اقتصادية أوسع يواجهها الأسد رغم التفوق العسكري الذي تحقق بمساعدة إيران وروسيا.

ورغم أن هذين الحليفين قدما قوة نيران كانت حاسمة في المعارك لصالح النظام، فإنهما لم يقدما الكثير في مجال المساعدات لإعادة بناء المدن المدمرة، والتي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نصف عدد سكان سوريا.

ولن يهم الغرب بالمساعدة دونما تسوية سياسية. غير أن الأسد لا يبدي استعداداً للتنازل، إذ يرى أنه ضيّق الخناق على المعارضين له.

ولم يحقق النظام مكاسب كبيرة منذ استرداد القنيطرة على الحدود مع هضبة الجولان المحتلة في يوليو/ تموز الماضي، ولعب وجود قوات أجنبية مناوئة على التراب السوري، تتمثل في تركيا في الشمال الغربي والولايات المتحدة في الشمال الشرقي وفي الشرق، دوراً في عرقلة أي تقدم آخر للنظام.

وأثار قرار الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر/ كانون الأول الماضي سحب كل القوات الأمريكية من سوريا، إمكانية أن يستعيد النظام المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد حيث تنتشر تلك القوات. لكن هذه الاحتمالية ضعفت إذ من المقرر الآن أن تبقى بعض القوات الأمريكية.

ورغم أنه بدا أن بعض خصوم النظام من الدول العربية، مستعدون لكسر الجليد الدبلوماسي معه قبل بضعة أشهر، كان للضغط الأمريكي دور في كبح حدوث تقارب أكبر. وانحسرت قوة الدفع لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

"أربعة أنواع من الحروب"

وقال ديفيد ليش الخبير في الشأن السوري ومؤلف كتاب (سوريا: سقوط آل الأسد): "أتفق مع الأسد.. الحرب لم تنته. النظام لا يواجه أي خطر سقوط وشيك لكن التحديات بالغة سياسيا واقتصاديا".

ورأى ليش أن سوريا في مسارها الحالي، أشبه بالسودان الذي يعاني أزمة، وللدولة فيه سلطة محدودة، وبه مناطق حكم ذاتي خارج قبضتها، وقال: "السؤال هو هل بشار الأسد ومن حوله يدركون أن هذا هو مستقبلهم؟".

وفي خطابه، قال الأسد: "ما زلنا نخوض أربعة أنواع من الحروب، هي الحرب العسكرية، والحصار الاقتصادي، والحرب ضد الفساد، وما وصفه بمعركة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال إن أعداء سوريا يشنون حملة دعائية".

وفيما يتعلق بنقص الغاز وغيره من الإمدادات، قال الأسد: "بما أننا نتحدث عن الحوار أريد أن أتطرق إلى الحوارات الأخيرة التي دارت في مجتمعنا خلال الأزمة الخانقة التي مررنا بها خلال الأسابيع الماضية وعلى مراحل. مرة بالغاز ومرة بالمواد الأخرى المختلفة".

وشبه الأسد العقوبات الاقتصادية بحرب فيها نصر وفيها خسارة. وقال: "غالباً ننجح لكن أحيانا نتعثر، لأن هناك أساليب جديدة للدول المعادية، وهناك مواد تتبدل حسب ظرف المادة، وحسب الظرف السياسي وحسب ظرف الحصار".

وتقول الولايات المتحدة إن عقوباتها تهدف لعزل نظام الأسد ومناصريه عن الأنظمة المالية والتجارية العالمية، لارتكابه أعمالاً وحشية، منها استخدام أسلحة كيماوية، حيث قالت لجنة تقصٍ للحقائق في سوريا تابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، إن قوات الأسد نفذت 32 من 37 هجوماً كيماوياً في سوريا، بما في ذلك هجمات بالكلور والسارين.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحدثت واشنطن عن مخاطر جمة على الأطراف المشاركة في شحنات بترول لسوريا، ونشرت قائمة بالسفن التي سلمت نفطاً للنظام منذ 2016، وحذرت من "ممارسات شحن خادعة".

ومن المقرر تشديد العقوبات الأمريكية مع إقرار تشريع جديد يطلق عليه "قانون قيصر"، واسم القانون مستمد من لقب أطلق على عسكري منشق سوري، سرب عشرات الآلاف من الصور، التقطت خلال الفترة من مايو/ أيار 2011، إلى أغسطس/ آب 2013، تظهر وفقاً لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" 6786 فردا على الأقل ماتوا جراء التعذيب.

"لا أموال تتدفق"

ووسع الاتحاد الأوروبي أيضاً عقوباته التي تستهدف نظام الأسد، وأضاف في يناير/ كانون الثاني الماضي، 11 رجل أعمال وخمس شركات شاركوا في خطة للتطوير العقاري ومشروعات أخرى تدعمها الحكومة.

وسبق وأن شهدت حكومة الأسد مثل هذا النبذ، فالولايات المتحدة تصنف سوريا دولة راعية للإرهاب منذ عام 1979. ودور إيران المتجذر في سوريا يُعقد من أي إمكانية لتطبيع العلاقات مع واشنطن.

وبالنسبة لدولة الإمارات المتحالفة مع الولايات المتحدة والتي دعمت المعارضة السورية يوما، كان التصدي للنفوذ الإيراني تبريراً أعلنته بعد فتح سفارتها في دمشق في ديسمبر/ كانون الأول، في خطوة مثلت دعماً سياسياً ضخماً للأسد.

لكن دولا عربية أخرى، لا سيما السعودية وقطر، تشارك الولايات المتحدة الاعتراض على مثل هذه الخطوات، وقال دبلوماسي يتابع الوضع في سوريا: "في النهاية، ترى دمشق أنها كسبت الحرب بعد سقوط الغوطة الشرقية، لذا فهم يحتاجون بعد النصر العسكري نصراً سياسيا، ومن ضمن هذا الاعتراف الخارجي".

وأضاف الدبلوماسي: "لكن من المؤكد أن السعودية لن تفتح سفارتها، وكذلك قطر والقوى الغربية الكبرى"، وتابع قائلاً: "التحدي الكبير هو الاقتصاد. سيضطرون لأن يقولوا نحن في سبيلنا لإعادة الإعمار، لكن لا أموال تتدفق".

وتسعى الأمم المتحدة لجمع مساعدات لضحايا الحرب في سوريا واللاجئين في المنطقة، لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يقولان إنه لن يمكنهما تقديم مساعدات لإعادة الإعمار ما لم يحدث انتقال سياسي في سوريا.

اقرأ أيضاً: المانحون الدوليون يتعهدون تقديم سبعة مليارات دولار للاجئين والنازحين السوريين

المصدر: 
رويترز - السورية نت