مصالح أميركا الحيوية في سورية

صورة جون كاسيدي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/11/2015
The New Yorker
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

نشرت صحيفة ناشيونال انتريست مقالاً في بداية العام الماضي،  حيث جادل فيه جون ميرشايمر الأكاديمي صاحب نهج "الواقعية" للشؤون الدولية، بأن على الولايات المتحدة الحد من تدخلاتها العسكرية في مناطق ذات "مصالح استراتيجية حيوية". وسمى ثلاثة منها: أوروبا وشمال شرق آسيا والخليج الفارسي.

استخدام مصطلح "الخليج الفارسي" بدلاً من "الشرق الأوسط" كان متعمد، حيث يعتقد ميرشايمر، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، أن الاهتمام الرئيسي لحكومة الولايات المتحدة في المنطقة، والتي تمتد من شرق البحر المتوسط إلى بحر العرب، هو "ضمان تدفق النفط بحرية من الخليج، وهو ما يعني عملياً منع سيطرة بلد واحد على كل هذا المورد الحيوي". واستناداً إلى حقيقة أن دولاً مثل مصر وسورية لا تملك أي نفط أو أي طموح للسيطرة على الخليج، فإن ما يحدث داخل حدودها ليس ذا أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، حسب جدال ميرشايمر. "وبالنظر إلى عدم وجود مصالح حيوية أمريكية على المحك في مصر وسورية، ناهيك عن القدرة على تحديد المشاكل التي تعاني منها تلك البلدان، فيجب على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسة عدم التدخل تجاههم" حسبما كتب.

لم تستجب إدارة أوباما بالكامل لنصيحة ميرشايمر في مسألة التعامل مع الحرب الأهلية المدمرة في سورية. ولكن منذ عام 2012 عندما تراجع أوباما عن تهديده بمهاجمة قوات الرئيس السوري بشار الأسد إذا ما استخدم الأسلحة الكيماوية ضد الثوار الذين يحاولون الإطاحة بحكومة الأسد، تابعت الولايات المتحدة بعد ذلك بشكل حذر. حيث أذن أوباما للبنتاغون بتوفير الأسلحة البسيطة فقط لهؤلاء الذين يقاتلون الأسد، ورفض طلباتهم للحصول على غطاء جوي. وحتى بعد تأسيس "الدولة الإسلامية" لما يسمى بالخلافة والتي تمتد من شرق سورية إلى شمال العراق، اقتصرت الاستجابة العسكرية الأمريكية داخل سورية إلى حد كبير على غارات جوية بين الحين والآخر.

لقد أعرب أوباما في كثير من الأحيان عن رعبه من الفظائع التي ترتكب في سورية، وأظهر التعاطف مع الملايين من المدنيين السوريين المحاصرين أو المهجّرين بسبب النزاع. ولكن غريزته الأساسية كانت إبقاء الولايات المتحدة بعيداً عن الانخراط بشكل أعمق في سورية. حيث قال في كلمة ألقاها في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في وست بوينت العام الماضي: "منذ الحرب العالمية الثانية، بعض من أكثر أخطائنا المكلفة لم تأت من ضبط النفس لدينا ولكن من رغبتنا في الإسراع إلى المغامرات العسكرية دون التفكير في العواقب، ودون بناء دعم دولي أو شرعية لتصرفنا، ومن دون التسوية مع الشعب الأمريكي حول التضحيات المطلوبة، التصريحات الصارمة غالباً ما ترسم العناوين، ولكن نادراً ما تتوافق الحرب مع الشعارات".

وقد وصف أوباما في تعليق حول خطاب ويست بوينت بأنه "واقعي متردد". في ضوء حرب العراق والمشاكل التي واجهتها الولايات المتحدة في أثناء تحرير نفسها من أفغانستان، كان قد تبنيه لمبدأ مفهوم الحيطة تماماً، وكان يعكس مزاج بلاده. وحتى الآن، مع أزمة اللاجئين الهائلة الناجمة عن سورية، وإرسال روسيا للرجال والعتاد لدعم قوات الأسد، ليس هناك مطالبة شعبية لحكومة الولايات المتحدة بتكثيف مشاركتها. وعلى النقيض من ذلك، فالعديد من الأمريكيين يخشون التورط. وفي يوم الجمعة، عندما أعلن البيت الأبيض أنه تم الإذن بنشر "أقل من خمسين" جندي من القوات الخاصة الأمريكية لمساعدة المقاتلين الأكراد والثوار السوريين الذين يقاتلون "الدولة الإسلامية" في العراق والشام، كان من المؤلم التأكيد على أن هذه الخطوة لا تمثل تحولاً كبيراً في الاستراتيجية.

ربما هو ليس تحولاً كبيراً، ولكنه يمثل اعترافاً آخر بحدود الواقعية في العالم المترابط، أو على الأقل الحاجة إلى المرونة في تطبيقها. سورية بالفعل دولة صغيرة وضعيفة. لكن تبين أن للحرب الأهلية هناك تداعيات أوسع نطاقاً، عن طريق سحب قوى أخرى أقوى إليها وإطلاق العنان لموجة ضخمة من اللاجئين.

مع تصاعد الحرب الأهلية، تورط عدد من حلفاء الولايات المتحدة – تركيا والسعودية وبعض الملكيات الخليجية الأصغر – في حرب بالوكالة مع إيران (والآن روسيا) مما زاد الدمار في سورية، ومكّن داعش من كسب موطئ قدم، وشحذ العداوات القديمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ربما تكون المخاوف من إثارة الكارثة السورية لحريق إقليمي أوسع مبالغ فيها. (ميرشايمر على حق: سورية ليست بتلك الأهمية). ولكن من لندن إلى أنقرة إلى الرياض إلى طهران، هناك شعور عام بأن الولايات المتحدة في دعوتها لإزالة الأسد وعدم فعلها الكثير لتحقيق ذلك، قد خلقت فراغاً تسعى الجهات الفاعلة الأخرى لملئه.

والدليل على هذا التصور يكمن في التصريحات العلنية للعائلة المالكة السعودية، وفي تقارير من طهران وغيرها من المدن الشرق أوسطية، وفي رد الفعل الأوروبي على قرار روسيا في التدخل عسكرياً إلى جانب الأسد، والذي ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره صفعة في وجه الولايات المتحدة. وإن كان هذا دقيقاً أم لا، فهناك تصور متزايد في الخارج بأن نفوذ الولايات المتحدة آخذ بالانخفاض، وأن بعض المنافسين التقليديين للبلاد يجربون حظهم. "على مدى السنوات الـ25 الماضية، هيمنت أميركا تماماً على سياسات القوى العظمى"، حسبما قال مقال افتتاحي مؤخراً في صحيفة إيكونوميست. "إنها تعيش في عالم متنازع عليه، بشكل متزايد. واللعبة الجديدة مع روسيا والتي تتكشف في سورية هي لمحة من الصراع المقبل".

يمكن مناقشة هذا التصور، لكن ما لا يمكن التشكيك فيه هو أن مد اللاجئين السوريين يمثل حالياً أزمة إنسانية وسياسية كبرى بالنسبة لأوروبا، أقرب حليف لأميركا. ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، فتركيا وحدها لديها أكثر من مليوني نازح سوري على أراضيها. وبالنسبة لدول مثل اليونان وكرواتيا وسلوفينيا، التي غمرت بالمهاجرين اليائسين، فإن انهيار سورية يمثل تحدياً محلياً كبيراً.

حتى ألمانيا القوية، وهي الوجهة المقصودة للعديد من اللاجئين السوريين، أصبحت مترددة. بعد المد الأولي لدعم قرار أنجيلا ميركل باستقبال مئات الآلاف من النازحين، ينقلب الآن العديد من الألمان ضد هذه السياسة، حيث تشير استطلاعات الرأي أن التأييد لليمين المتطرف آخذ بالارتفاع. (كتب زميلي جورج باكر بقوة هذا الأسبوع عن استجابة أميركا الفاترة لأزمة اللاجئين). وقد حذر دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، من أن أزمة اللاجئين تهدد تماسك الاتحاد الأوروبي بأكمله. حيث قال تاسك الأسبوع الماضي "هذا التحدي لديه القدرة على التسبب في تغييرات تكتونية في المشهد السياسي الأوروبي، وهي ليست تغييرات نحو الأفضل".

الحفاظ على استقرار أوروبا هو بالتأكيد مصلحة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. في الواقع، هناك حالة واقعية قوية في اعتبار أنها جزء من عملية تنظيف موسعة والتي أصبحت ضرورية عندما قررت إدارة بوش غزو العراق والإطاحة بصدام حسين. بتجاهل تحذيرات ميرشايمر وغيره عن التكاليف الباهظة، والعواقب غير المقصودة للمغامرات العسكرية، فتحت الولايات المتحدة صندوق باندورا. وبعد اثني عشر عاماً، مازالت أوروبا تعاني من العواقب.

عند إعادة التفكير في تعهدها "بعدم وجود قوات برية على الأرض" ودفعها لمبادرة دبلوماسية جديدة، انخرطت إدارة أوباما بأمل في حل الكابوس السوري. على أي حال، في هذه المرحلة لا يتعين بالضرورة إرسال المزيد من القوات. وستكون النتيجة المثالية هي وقف إطلاق النار بين الثوار والقوات الحكومية، وإجراء انتخابات حرة لتشكيل حكومة جديدة وبناء جبهة موحدة ضد داعش. وستسعى جولة جديدة من محادثات السلام، والتي اتفق عليها وزراء خارجية عدة في اجتماع فيينا يوم الجمعة، إلى تحقيق أول اثنين من هذه الأهداف.

مع عدم وجود اتفاق حول مصير الأسد ومع وجود القوات الروسية حالياً في الموقع، فمن الصعب أن تعقد الكثير من الآمال على نجاح هذه المحادثات إلا إذا تخلت الولايات المتحدة عن مطلبها في تغيير النظام. ومع ذلك، فيجب القيام بشيء ما. السعي لغسل أيدينا من المشكلة لن يخدم مصالح أحد: لا مصالح سورية، ولا الشرق الأوسط الكبير، ولا أوروبا، ولا حتى الولايات المتحدة.

قال أوباما في وست بوينت: "أميركا يجب أن تقود دائماً على المسرح العالمي. إذا لم نفعل، فلن يفعل ذلك أحد".

تعليقات